عشر سنوات مرّت من الاغتراب، وإن بقت رواسبها، عايشها بكل خلجاتها الحيّة د/ سعيد توفيق. بعيدًا عن الوطن، مُعارًا إلي إحدي الجامعات بدول الخليج. البترول والزخارف الحداثيّة تجذب لب الوافد؛ فتجتذبه ليكرس ما بقي من حياته خادما لها. ومن لا يفعل ذلك يعيش متوحدًا، بلا ونيس في الغربة. غريبًا في أرض غريبة حتي عن أهلها. تجربة عايشها وعاد يخبرنا بها في رواية “نشيج علي خليج“.
      غلاف الرواية أول ما يجتذب انتباهنا، فقد جاء مُعبرًا عن فحوى الموضوع والقصد منه. مسدس خارج من جهاز تعبئة الوقود، فتاتان مخمرتان لا يظهر من ملامحهم شيء. وكأنه الدليل علي أن النفط كما يُعطي المال، يأخذ الإبداع، يأخذ الوقت، ولم يبق لك إلا علي التخلف والخواء.
في مقدمة إخباريّة جماليّة، يمهد لنا الكاتب الطريق، قبل المُضي معه في عالمه، من خلال بعض الإشارات إلي نوعيّة السرد الكتابي الوارد بها، وكيفيّة تمثل الأشياء في خبرة الوعي. يبقي أمامنا في النهايّة عدة افتراضات حول تصنيف الرواية أهي: رواية سيرة ذاتيّة جزئيّة، كتابة ظاهراتيّة جغرافيّة، أدب رحلات فينومينولوجي، سرد وجداني “خواطر”. عدة اختيارات يتركها الكاتب لنا لنضع منها ما نراه مناسبا وفق تأويلنا للروايّة.
يبدأ الكاتب أولى خبراته بالسفر إلي هناك من خلال تأمل “جبال البحر في عمان”، “صيد البحر” أو بالحري خبرة البحر. البحر والصحراء

،في تصور جمالي يظهر لنا بعض التشابهات يرصدهم لنا الكاتب أو يرسمهم إذا أردنا الدقة في الوصف. ال

إتساع، السير دون وجهة، الحريّة واللا تـناهي، الفراغ والسراب، مواجهة القدر. كلها وجدانات الوافد في تأمله الانعكاسي لهم. وتكرر التأمل حين الحديث عن الليل والنوم والحكايّة من جهة الخيال، والسكون، والوحدة.
ثم ننتقل إلي الحديث عن البشر في الخليج، أهلها، والوافدون، والعمال غير العرب، فكل ما بالخليج له موقف في خبرة الكاتب. الجميع يراهم الكاتب لم يستطيعو الحفاظ علي العُهدة التي حبتهم الطبيعة إياهم بها دون غيرهم والتي رآها الكثيرون بمثابة “طفرة جيولوجيّة”، ولكنهم صبوا اهتمامهم علي القشور دون اللباب، فجاءت الدولة – كما تبيّن في ملحق الصور – قطعة فنيّة حداثيّة من زجاج ومرايا وتكنولوجيا متواصلة، في حين غاب العقل المُهيَّيء لاستقبال تلك الحداثة، فأصبحت مجرد زخارف وزركشات تخفي خلفها روح البداوة، والجهل، والتخلف، وعدم التناسق، وحمي الاستهلاك. التقدم جاء للمكان دون السكان.
  انقسم الأفراد – برغبتهم الكاملة وفق مساعيهم وتطلعاتهم-  إلي: مرتزقة الخليج، أموات الخليج، مسلوبين علي غفلة، الغزاة الغربيين. وإذا كانت الغفلة، والذهول، والتشتت، والتشيؤ، والآليّة في التعامل([1]). هما سمات الثلاث فئات الأولي. نجد أن القوة، والاقتحام، والانقضاض المُتحيّن هم سمات الفئة الأخيرة وحدها.
تظهر لنا قرب الإنتهاء الخطوط العريضة التي تخللت جنبات الرواية من قريب ومن بعيد: انقلاب حال البداوة الأولى، من التماسك العائلي، والحفاظ علي العروبة، والفخر بالإسلام. وبُعد الطفرة النفطيّة، عموميّة الفكر النقلي الإتباعي، الاهتمام بالكسب السريع، ترك التأمل الفلسفي باعتباره كماليات لا حاجة لها الآن، وتدريسه أصبح حوار “مُنولوجي”من جانب واحد. تكلُّس الدين وحصره عند البعض في الخمار، وإطلاق اللحى، وشكليات الصلاة والتلاوة. في حين أن التعبد المتحقق بالفعل هو السجود للنموذج الغربي الوافد. القائم علي تقديس اللغة الإنجليزيّة ومُتقنيها. وهو نفس ما لحق بدور العلم هناك كالجامعة والمؤسسات الثقافيّة. في حين تراجع دور مصر الريادي لصد مثل تلك الهجمات التي تتخلل إلي موطننا باسم التديّن دون أي رادع أو مواجه. مما يصيب النفس بالنشيج على تلك البلدان الغنيّة بالخيرات، الفقيرة بالعقول النابهة.
      لاشك أن الكاتب وفق تجربته المُعبّر عنها يظهر لنا، كفيلسوف، وعالم جمال، وروائي، مما كان له أبلغ الأثر في عمق الكتابة والتخييل بالصور الجماليّة، القائمة علي “التجربة الحيّة المعيشة” للحدث، الناتجة من التأمل الانعكاسي لخبرات الوعي تجاه الأشياء، وهي ما يجمع بين الشاعر والصوفي والفيلسوف والروائي. تلك العلاقة العكسيّة بين سعة الإدراك وضيق العبارة عن التمثيل. قد يكون لكثرة الترحال الذي مرّ به الكاتب من خلال التنقلات السكنيّة([2]). الأثر في السعي للبحث عن “جماليات المكان” وتأملها لإدراك “مُخيلة الأمكنة” وما خفي من “مدن لا مرئيّة” تاهت وسط صخب الحياة.
     جاءت الرواية مُثقلة بكم من الأسماء المتنوعة والمتكررة، وقد يعتبرها البعض زائدة عن الحاجة ولا تخدم الفكرة بشكل واضح. والتي قد كان يمكن التخفف منها وفق سياق الحدث، ورغم أنني لست من دارسي “التأويل الإحصائي” ولستُ من مُحبي “الرصد”، ولكن المُلاحظ لما بين سطور الرواية  سيجدها ممتلئة متكدسة بأسماء كثيرة؛ شيوخمصريون([3]). مطربون ومطربات من العرب([4]). ونظائرهم من الغربيين([5]). إلي جوار العديد من أسماء الأدباء والمفكرين وأساتذة الجامعات([6]). ولا ننسي الفلاسفة طبعًا([7]). والعديد المقولات، والمفاهيم الفلسفيّة([8]). انتهاءً إذا جاز لنا القول بأسماء الحيوانات والطيور([9]). وبعض الكائنات البحريّة([10]). مما يوقع القارئ في تشتت، نتيجة تكرار بعض الأسماء، ومدي دلالاتها في ذلك المكان عن غيره، مما قد يحيلنا بعقد تشابه بين الكاتب و “دون جوزيه” المُولع بكثرة الأسماء والبحث عنها، وعقد المماثلات بينها([11]). إلي جوار أن الفصل الأخير المسمي “الحنين إلي الوطن” وما فيه من ذكر لحالة الغربة والاغتراب وتذكر طعام والدته يشبه إلي حد بعيد إحدى قصائد الشاعر “محمود درويش”([12]). وللمفاجأة لم يُذكر اسم الشاعر في الرواية.
في النهاية، لا ننسي أن تلك رواية وليست ببحث أكاديمي، ولكن خبرتيّ الكاتب كأستاذ للفلسفة وعلم الجمال، قد كان لهما الغلبة في تلك الرواية. وهذا بالتأكيد زادها روعة فنية.

([1])  وهو ما أوضحه الكاتب في معاملة البعض في العديد من الأمثلة.

  ([2])  أنتقل الكاتب من السيدة زينب إلي شارع فيصل انتهاءً بالحي المتميز.
  ([3])  الشيخ محمد رفعت، مصطفي إسماعيل، المنشاوي، عبد الباسط عبد الصمد، الشعشاعي وأبنه، الحصري.
 ([4])  أمال ماهر،أم كلثوم، عبد الحليم، عبد الوهاب، عبد المطلب، عبد الغني السيد، فادي فوزي، فيروز، فريد الأطرش، ليلي مراد، محمد قنديل، نجاة.
([5]) أنجيل بيرت هامبردج، تشارل رذبافور، خوليو بلاسيوس، دييس روسوس، فرقة الآبا، مازن ماتييه.
 ([6])  عبد الرحمن منيف، بدر شاكر السياب، الغيطاني، نجيب الحصادي، محمود رجب، يوسف القعيد، لويس عوض، حسن طلب، أحمد عبد المعطي حجازي، سيف الرحبي، همنجواي، إدوارد سعيد، صلاح قنصوة، جابر عصفور، شاهد المحجوب.
 ([7])  شوبنهاور، جاستون باشلار، هيدجر، الرواقيين، كانط، هيجل، داروين، أبن خلدون، جادامر، ديكارت، سارتر، أرسطو.
  ([8])  الفهم التعاطفي، التأمل الانعكاسي، الوجود الحقيقي، الوجود المهموم، التطهير، إرادة الحياة، العود الأبدي، جدل السيد والعبد، مراتب الوجود.
 ([9])  الذئاب، الغزلان، بنات آوي، الصقور ، الحمام.
 ([10])  الناجل، اللسّاع، الكنعد العملاق، محسنة، البراكودا، سمك القرش، بقرة البحر، عروسة البحر، نجوم البحر، الشعاب المرجانيّة.
 ([11]) جوزيه ساراماغو، كل الأسماء، ترجمة: صالح علماني، دار المدي، 2003.
  ([12])  قصيدة “أمي”، تقول القصيدة:
          أحنُ إلي خبز أمي.
          ولمسة أمي.
          وأعشق عمري لأني إذا مت
          أخجل من زعل أمي.