بورسعيد قدر و اختيار ..قدرها و قدر أهلها أن تكون مسرحاً لأبشع الجرائم لهذا النظام الفاسد بواسطة أيديه التي لم تقطع حتى بتهمة السرقة!.حتى هذه التهمة الموثقة ..كانت البراءة هي النتيجة المتوقعة كبراءة قابيل بمواراة جثة أخيه.

حيتان كبيرة و سمك صغير هكذا يصور عامة الأهالي هنا مجريات الأحداث داخل سجنهم الصغير في حجمه ..العميق في آثره و مردوده ..كلمات قليلة و المعنى عميق بعمق ألمهم و ألم غيرهم على الضفة الأخرى الموازية في الألم ..قتلى و متهمون و جناةُ أبرياء .. هو مقال أكتبه بعمق الألم الذي شعرت به لحظة الحكم بالبراءة لجرانة و المغربي من تهم الاختلاس و هو نفس عمق الألم الذي شعرت به و شعر به غيري عند الحكم بالإعدام  على 21 شخص  هم أدوات و منهم من لم يقتل على الحقيقة !إذ أن مجريات الضبط و الاحضار و حتى أدلة الأحكام كانت عشوائية في معظمها ! .ليس الألم على الحكم فحتى الأداة لا تبرأ من القصاص و لكن المفارقة بين أحكام بالإعدام على  أدوات تعرضت لأبشع أنواع الابتزاز الإنساني لتقتل و حكم آخر بخمسة عشرة عام على مدير أمن سلط كل قوته لتقع الجريمة دون أدنى خطأِ يذكر!.

المفارقة بين الحكم على شابٍ في مقتبل عمره لم تتوافر الأدلة الكافية لإدانته بالإعدام بالسجن مدى الحياة و بين حكم الخمسة عشرة عام فقط على مدير قوات الأمن الذي يعد من الكبار الذين ساهموا في التخطيط و التنفيذ و الابتزاز و فوق ذلك تبراءة ساحة البقية من ضباط الفوضى . إن عدم القصاص  لهو أهون ألف مرة من عدالة ناقصة يعاقب فيها العيف و يبرأ فيها الشريف مقاماً و ليس حقيقةً . و لهذا فعندما نسقط التبريرات على عجز القانون أما الأدلة الناقصة المنتقصة فنحن ننفي على الحقيقة قيام ثورة كان هدفها الأول هو عودة عدالةٍ اجتماعية غائبة مغيبة . و هو عذر أقبح من ذنب نقصان القصاص على الحقيقة . بورسعيد هي نجاح لمخطط هذه المنظومة التي أتنت فن الفوضى ..القتلى من طرف و المتهمون من طرف آخر ..كلاهما الضحية و الجاني لن يحاسب .

قدر واختيار ..أن تكون بورسعيد هي ساحة اللعبة القذر وسط أجواء سياسية مليئة بالتحزب الضيق و التكتلات و محاولات مستميتة لبعض القوى للخروج من دائرة الإقصاء التي دُفِعت فيها بالفعل – من واقع مواقفها -باتباع سياسة الأرض المحروقة!.

لتواجه الحكومات الناشئة خيارات الفوضى و هياج الضعيف لقصاصٍ منتقص هو أقرب لؤد العدالة من تغييبها .

عامين على الثورة في مصر..بورسعيد بين حلم عودة المنطقة الصناعية  وواقع المذبحة و المحاكمة و الفوضى ..هي الضحية  مرتين .قصاصٌ ناقص …و دماء لن تبرد.