ليلة السبت الماضي كنا، برفقة نخبة من ألمع مثقفي ومفكري وكتاب وصحافيّ مصر، في حضرة دكتورة نوال السّعداوي، ندشّن انطلاق حركة تضامن مصريّ من أجل مجتمع مدنيّ.

بعد سلسلة من المناقشات حامية الوطيس بين الأعضاء المؤسسين، توصّلنا لأهداف محددة نخاطب بها الجماهير، حيث احتفظنا بتسوية متوازنة بين عدم المساس بهدفنا الرئيسيّ، وهو الدعوة للعلمانية الكاملة من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم التصادم مع الجماهير العريضة التي تظن خطئًا أن العلمانية إلحادًا.

البيان التأسيسيّ للحركة، والتي شرفت بأن أكون من أحد أعضاء اللجنة التي ستصوغه، سيصدر قريبًا، وسوف ينشر في صحف ومجلات ومواقع إلكترونية عديدة، نظرًا للتغطية الإعلاميّة الهائلة التي حظيت بها أول مقابلة للحركة، والتي ترأسها في مصر الصحافية الرائعة سحر عبد الرحمن.

إن كنت تنوي حضور أيّ من اجتماعات الحركة القادمة، فكن على دراية كاملة أن المجموعة المؤسسة برمّتها تؤمن إيمانًا لا يتزحزح بمبدأ العلمانية الكاملة، والتي تفصل الدين عن كافة مناحي الحياة، من الدستور، للتعليم، مرورًا بالإعلام، والفن والإبداع، وكافة المعاملات التجارية والتوثيقية بدواوين الدولة الرسمية. وأنهم، أعضاء الحركة، لا يقبلون مساومة بهذا الشأن أيّ كانت المواجهات المرتقبة والمناقشات الجدلية التي تنتظرهم سواء من الأمن أو جمهور المؤمنين الصّاخب الذين يشوهونهم شيوخ الفضائيات الوهابيّة السلفيّة المتطرفة بإيعاز من بلاد الحجاز، والتي زادت عن حدها مؤخرًا بفتاوى متحجّرة داعية للإرهاب والتخلف، لم ينزل الله بها من سلطان. حيث وجب أخيرًا أن يتصدى مثقفو مصر لهذا المدّ البترودولاري حتى لا تضيع مصر في دوار الظلاميّة والأصولية والازدواجيّة شديدة الوطأة.

من أهم المبادئ التي اتفق عليها الحضور بأغلبية كاسحة، والذي كان يضم نخبة من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة وفنانين بالإضافة للإعلاميين، هي أولّا، فصل الدين عن كافة مواد الدستور، والدعوة لدستور وضعيّ يساوي بين الأفراد كافة بحيث يبرز مبدأ المواطنة، والضغط لرفع المادة الثانية من الدستور وإلغائها بلا رجعة، بالإضافة لتعديل قوانين الأحوال الشخصيّة للمساواة بين الرجل والمرأة، وإلغاء خانة الدين من البطاقة، وإقامة قانون موحّد لبناء دور العبادة بلا فرقة بين أي دين في العالم. وثانيًا، إلغاء تدريس مادة التربية الدينية في المدارس الحكومية، وتدريس مادة الأخلاق بديلًا عنها. وثالثًا، إعلاء قيمة البحث العلميّ التحليليّ ونقد الثوابت والتابوهات، مؤكدين على مقولة دكتورة نوال، بأن الله هو الضمير وليست النصوص أو الطقوس.

ومن جانبه أكّد دكتور سمير غريب، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، في تعقيبه، أن التفكير العلمى هو الأساس لتقدم أى مجتمع، ولا يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا سيطر عليه رجال الدين، وأن مصر متخلفة عن أقرانها رغم أنه كانت لدينا فرص ذهبية للتقدم، بسبب الافتقار إلى الخيال والتفكير العلمىّ، بينما لم تتقدم آوربا إلا عندما انفصلت الدولة عن الكنيسة. فالدولة شيء والدين شيء آخر، وليسوا مترادفان، وأي محاولة لدمج الإثنين معًا سيحدث ما هو جاري الآن من مهزلة علمية، وثقافية، وحضارية تشهدها المنطقة بأكملها.

اتفق الجميع أن هذه المبادئ التي تدعو إليها الحركة هي الطريق الأوحد لتقدم مصر بعد هذه النكسة الحضارية التي شهدتها البلاد منذ تغلغل التيار الظلاميّ المتطرف بهذا العمق في أدمغة الشعب، مؤكدين أن هدفنا الرئيسيّ والأول والأخير هو العلمانية الكاملة بلا مساومة، وليست للحركة أيّ أهداف أو نشاطات أو أچندات سياسية أخرى.

يذكر أن حركة تضامن مصرى من أجل مجتمع مدنى، والتي تنبثق من حركة التضامن العالميّ من أجل مجتمع مدنيّ (GSSS)، تضم عددًا كبيرًا من الشخصيات البارزة من بينها، جمال عبد الجواد، نجاد البرعى، سلامة أحمد سلامة، وسيم السيسى، السّيد ياسين، حلمى النمنم، أسامة أنور عكاشة، محفوظ عبد الرحمن، إنعام محمد على، أسامة فوزى، هشام قاسم، كمال مغيث، الدكتور أحمد عكاشة، دكتور سمير غريب، يحيى خليل، عطية خيرى، يحيى غانم، إلهام جودت، الدكتور محمد النشائى العالم المصرى، منى حلمى، شوقى حجاب، سيد حجاب، يسرى نصر الله، الدكتور عصام عبد الصمد، الدكتورة ميرفت يحيى، شريف حتاتة، المهندس طارق سلامة، أمينة أباظة، محسن بدوى، الدكتور على ضرغام، بهيج إسماعيل، أميرة طاهر، أحمد زيدان.

الجدير بالذكر أن التضامن المصريّ من أجل مجتمع مدنيّ هي فكرة خالصة لدكتورة نوال السّعداوي، المفكرة المصرية الرائدة، ولقد أنشئ أول فرع من الحركة في أتلانتا في الولايات المتحدة، حيث كانت تعيش دكتورة نوال السّعداوي على مدار الثلاث سنوات الأخيرة، ومن ثمّ تحمّس ناشطون آخرون للفكرة من دول عديدة، وأُتبع فرع أتلانتا بفرع آخر في مونريال بكندا، وأوسلو بالنرويج، وهناك فرعان قيد الإنشاء الآن، أحدهما في مصر، والآخر في بلجيكا. ودكتورة نوال السّعداوي ترحّب بانتشار فكرة الحركة لتصبح مجموعة فكر وحركة ضغط عالمية، لأن الأخطبوط الإسلاميّ، على حد قولها، يماثله أخطبوط يهوديّ-مسيحيّ في أمريكا، وخاصة في الولايات الجنوبيّة، والتي تعرف بالحزام المقدّس.

أذيعت حلقة الاجتماع الأول للحركة على قناة أو.تي في. يوم الأحد الماضي. بينما يستضيف البرنامج الجديد ناس من مصر دكتورة نوال السّعداوي على قناة أون تي.في.. تقدم البرنامج سحر عبد الرحمن، الصحافية بمؤسسة الأهرام، كل مساء إثنين. بحيث تُعرض الحلقة الأولى منه اليوم، الإثنين الثامن والعشرين من سبتمپر، في تمام الثامنة مساءًا بتوقيت جرينتش، العاشرة بتوقيت القاهرة، على أن تعاد في الثالثة من ظهر الثلاثاء بتوقيت جرينتش، الخامسة بتوقيت القاهرة.

* الصّورة الأولى من موقع جريدة اليوم السّابع.