قال ماركس:(الدين أفيون الشعوب)، كان معنى القول أن الشعوب تمتلئ بالآلام و الإحباط و تسعى للهرب من آلامها إلى الوهم حيث تجد تفسيرات لا تدفعها للعمل بل إلى غيبيات حيث لا يجب الإثبات أو العمل. مؤخراً سادت حالة من النوستالجيا على مشاعر الشعوب العربية جميعاً حيث باتت تسترجع الماضي الذي لا تعرفه جيداً ، هنا أرصد ملامح عديدة لا أجد معها إلا أن أقول بأنها ملامح نوستالجيا تقتل قدرة العقل لى التفكير لا أكثر..

تركيا ليست خاتمة و ليست بداية بل هى حلقة فى سلسلة أفيون الشعوب العربية التي تبحث دوماً عن الوهم للهرب من فشل تجربتها الخاصة ثم إنهيار وضعها أمام الجميع سواء فى الشرق أو الغرب..

حلقة أولي مع إيران حين نصبناها وليةً على العرب و على أرض الوطن متجاهلين أنها براجماتية بإمتياز فإيران التي تواجه الغرب في سبيل مشروع نووي لها هي نفسها التي إبتاعت السلاح بفتوى من الخوميني من إسرائيل لحرب العراق ، فبنينا آمالنا على إيران التي تحتل جزر الإمارات و تمارس الإرهاب على دول الخليج كلها و تتوغل أمنياً في بلاد العرب بشكل هي نفسها لا تقبله على أرضها مهما كان هدفه…باسم الدفاع عن الإسلام جعلناها إمام للمنطقة بينما مسلمي الأهواز و الأكراد يتم طحن عظامهم و نتجاهل…يقاتلون كل مسلم لمصلحتهم و نتجاهل…تصنع التفرقة القاتلة بين مسلمي السنة و الشيعة و نتجاهل… فمن خلال أفيون الشعوب العربية جعلنا إيران بطلة المنطقة وواصية العرب و الواصية عليهم

حتى مللنا من اللعبة فتوجهنا للعبة أخرى..الميليشيات

عبر محاولات إسرائيلية للقضاء على القوة العسكرية لحماس و إيران بدأت الشعوب العربية فى تعاطى نوع جديد من الأفيون عبر جعل ميليشيات فلسطين المتقاتلة و لبنان المتقاتلة كذلك رواد للعرب بحيث يكونوا هم القادة ، تجاهل الكل أن تاريخ و حاضر تلك الميليشيات لا يؤهلها لشئ بقدر ما يدفعها لإصلاح عاجل و سريع قبل أن تسقط ببلادها فحماس تنظيم قاد نفسه للهاوية عبر لعبة السياسية التى بفوزه فيها و كونه تنظيم إرهابي فى بلدان عديدة حكم على نفسه بتنازلات سياسية على حساب مبادئه و حصار حتمي لهم أينما وجدوا سياسياً و فعلياً فكيف يكون هذا التنظيم فى أي دور قيادي..ثم الأسوأ بقتال الصبية بينها و بين فتح و تتدهور الأمور لتصير متعاونة تماماً مع من يرعاها سواء سوريا أو إيران فجعلت مبدأ الدفع المالي و الدعم معيار للتوجه دون التفكير فى أنها باتت جندي في رقعة شطرنج أو بيدق سهل التضحية به.. حزب الله حاله أسوأ فهو علنا طائفي شيعي يغذي الانقسام أكثر مما يعالجه حتى بات علم إيران المذهبي مرفوع فى برلمان بيروت..إن حزب الله الذي شارك في إبادة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فى حرب المخيمات إبان الحرب الأهلية اللبنانية و الذي سمح بدخول حرس إيران الوري إبتداءً من1982علناً على أراضى لبنان و الذى صنع مجزرة إسرائيلية فى الجنوب و الشمال بالعام 2006 مختبئاً وسط سكان مدنيين و صنع مقدمات حرب أهلية حين هجم على العاصمة و إحتلها بالعام 2008 و قتل من قتل و أسر من أسر حولناه إى قائد للعرب بينما هو تنظيم أقل من أن يقود بلده لشدة عيوبه..

فتوجهنا للعبة أروع..تركيا

تركيا بلد علماني حر منذ العام 1923 بعد أن أسقط قائد حرب التحرير أتاتورك السلطنة التي سجدت تحت أقدام لويد جورج و سحق قوات الإحتلال مؤسساً دولة جديدة ترفع شعار: سعيد هو من قال أنا تركي.. الآن أتى حزب جديد بتوجه يحقق المزيد من المصلحة لبلده عبر استفادة مالية و سياسية من العرب ، فنشطت النوستالجيا لنسترجع العهد العثماني و نصيح لقد عاد العثمانيون مؤسسين أول خطأ فمن نراهم اليوم أبناء أتاتورك و ليس أبناء العثمانيين حتى لو قالوا نحن عثمانيون جدد فهم أتراك على نهج المؤسس تماماً..إنفتاح إقتصادى لصالح تركيا عبر تجارة مع الدول التى تفيد تركيا فحسب دون الالتفات للدول العربية الفقيرة سميناه عودة للشرق..خطب لا تختلف كثيراً عن خطب زعمائنا سميناها قيادة عظيمة..قوانين أملاها الاتحاد الاوروبى و يطبقها أردوغان اليوم جعلناها انتصار اسلامي في تركيا..سفن فك حصار سبقتها سفن من كل أنحاء العالم جعلناها قيادة أردوغانية حكيمة مع أن أردوغان لم يقبل أن تستقر السفن فى الشطر التركي من قبرص إرضاءاً للإتحاد الأوروبي؟؟؟… حتى بعد الحدث الدموي قال أردوغان أنهم سيطبعون مع إسرائيل فى حالة إجراء تحقيق دولى و التعويض و الاعتذار؟؟؟؟؟؟؟… هل هذه هي تركيا التي نتحدث عنها بصفتها القائدة؟

إن كل ما نراه اليوم هي تركيا أتاتورك و ليست تركيا العثمانيين و هذا أمر لو فهمناه سنفهم ما يحدث.

لماذا أفيون الشعوب العربية دوماً شعب غريب أو طامع؟

لماذا لا نبحث عن حل لمشكلاتنا من الداخل الوطنى و الإقليمى؟

لم لا نستوعب أن لكل بلد أطماع و أن التاريخ لا يسير الامور بل صناعه؟

إن النوستالجيا حين تطغى على العقل تصمع الكارثة لأنه عقل مغيب لا يعي شئ و حين تسيطر العاطفة على العقل يكون عقل ضعيف لأنه لا يفكر بقدر ما يشعر..

إن لهذه الشعوب مصلحة و لا تعمل الا من اجلها فربما تتبرع لقضية أو تتحمس لها أو تتفاعل معها لكن لها مصلحة و حين نأتى بغريب لنعتبره القائد فإننا لا نفعل أكثر من الاتيان بمستفيد جديد لا أكثر.

محمود عرفات 10/6/2010