بدأت أحداث ثورة 25 يناير سلمية.. حقاً كانت.. وسلميتها لم تقبلها الشرطة وتعاملت معها بعنف.. ففي الثانية عشر منتصف ليل 25 يناير 2011 هجمت الشرطة، وانفض الثوار، وخلى الميدان من زائريه، أو هكذا تخيلت القوات، ولم يعلم هؤلاء وقتها أن  الثورة من قلوب الثائرين، وكان يوم 25 مجرد شرارة لأحداث قد بدأت، لتزيد حدة الصراع الثوري من جهة، والنظامي من جهة أخرى، وتتحول أيام ما بعد 25 إلى مواجهات دامية، كانت متقطعة أيام 26 و27 وعنيفة للحد الذي جعل من يوم 28 يناير جمعة للغضب أشعلت فيها الشرطة الثائرين بقنابل “الغاز” و”الخرطوش” والرصاص الحي والدهس في بعض الأحيان، وأشعلها الثوار بالحجارة والمولوتف ، ولنا أن نتساءل عن كم السيارات التي تفحمت للشرطة والجيش، وعن مقر الحزب الوطني الذي تفحم في نفس هذا اليوم.. ليستمر العنف الذي كان رداً في أوقات على عنف الشرطة.. وفي أوقات أخرى لتهريب أحد المجرمين كما فعلوا مع “محمد مرسي”..!! ليكبر العنف أكثر كلما بطأت العدالة فتم حرق مقرات أمن الدولة واختراقها من قبل “الثوار” الذين كانوا “شرفاء” من وجهة نظر البعض في هذا التوقيت..

ثم سقط مبارك.. وحضر العسكر.. وبحضورهم تم ترسيخ مفهوم العنف على نطاق واسع.. بسبب عنف القوات المسلحة المبالغ فيه.. ظهر أمامه عنفاً مضاداً من الثورة لحماية نفسها.. فحدثت أحداث “محمد محمود” ومجلس الوزراء وغيرها.. ليقتل بعدها العسكر أكثر من 72 أولتراس في بورسعيد.. وسحل وقتل الكثير والكثير وأزاد بهذا نطاق العنف ورسخه في فكر الشاب “الثائر” حتى أصبح منهجاً واضحاً في التعامل مع قوات الجيش في تلك الفترة الصعبة التي قضاها معنا فقضى على أهداف الثورة جميعها..!!

وأتذكر ذلك المشهد الذي سأحكيه بدون ذكر أسماء.. لأترك الأسماء في وقتها..

في تلك الفترة التي أعقبت أحداث “مجلس الوزراء” كنت مقيما في القاهرة مع أحد النشطاء.. وكانت فترة غاية في الصعوبة، وكان هذا الناشط مطلوباً للتحقيق في أمر ما، وهذا النشط ليس هو الشيء الهام الآن، ولكن ما كان يحتفظ به هو الهام الآن، وهو الذي سأكتب عنه لعل هؤلاء يعلمون..

لمعظم النشطاء في مصر ما بعد الثورة “شللهم” وقطعياً للنشط فلان هذا شلته، وكان هو زعيماً جيداً لتلك الشلة، التي بشكل لا أعرفه سرقت قدرا كبيرا من مادة “حارقة”  في “جوال” صغير كان يود هذا الفلان أن يستخدمها في صنع قنابل..!!

ولولا أن تم حبسه.. ولولا أن رحل العسكر.. لتحول “فلان” هذا أو مجموعة من “شلته” إلى الإرهاب الذي ربما كان العسكر والدولة كلها عانت منه لسنوات قادمة.

ولكن.. سقط العسكر.. أو أسقطتهم الصناديق.. أو أسقطتهم الولايات المتحدة الأمريكية.. المهم سقط العسكر.. وجاء “محمد مرسي العياط” الذي فرح الكثير من الثوار بنجاحه، ولم أفرح، واستمر مرسي في رمي الوعود هنا وهناك، هنا عن “حق الشهداء” فأخلفه، وهناك عن عدالة اجتماعية فأضاعها، وغيره كثيراً من نظافة، وسياحة، واقتصاد مزدهر، و.. و.. .. الخلاصة.. مشروع النهضة طلع فنكوش!

 هنا توقفت الأحلام الثورية عند هذا الحد، وبدأ الثوار ومنهم “عاصرو الليمون” يشعرون بهذا القفا المحترم، فنزلت الثورة للشارع من جديد، في ذكرى أحداث “محمد محمود” وفي تلك الذكرى أصبح “جابر جيكا” وهو واحد ممن هتفوا لمرسي عند نجاحه يصبح “مجرد ذكرى” بعدما قتلته “داخلية مرسي” ليعود “العنف” من جديد.. ليس فقط العنف، بل أضف إليه “الشعور بالهزيمة” التي زادت القلوب ناراً وزاده أيضاً إعلان “مرسي” الديكتاتوري” ثم إعلان مرسي الديكتاتوري 2 ، ثم التعنت في تعيين النائب العام، ثم.. وثم.. وثم حدثان اثنان جعلا النار تشتعل في “الهشيم” وهما: محاكمة “مجزرة الاتحادية”  من جهة.. ومحاكمة “قتلة الأولتراس” من جهة أخرى، فكانت الأولى مجزرة أظهرت وقاحة النظام وتجبره، وأظهرت من جه أخرى عنف مبالغ فيه ليس من “قوات الشرطة” فقط ولكن من “مدنين” فعلوا وأجرموا وقتلوا وحققوا.. ويزيد رئيسهم الطين بلة بخطاب ساذج كان فيه (الحكم والجلاد) لتكون الرسالة الواضحة..

(أنا أدعم العنف يا سادة.. وأنا فوق القانون)

تلك كانت الرسالة التي فهمها جيداً أعضاء أولتراس أهلاوي، فنزلوا للشوارع يكتبون (القصاص أو الفوضى) في كل شارع وحارة وزقاق.. انتشروا في جنبات مصر يصرخون بقصاصهم، يهددون، يحشدون حتى حدث وأخذوا حكماً كان (سياسياً) وهذا واضح جداً، وهناك في بورسعيد كان (صادماً) جداً، والطرفان الأولتراس من جهة والبورسعيدية من جهة أخرى علموا علم اليقين أننا في دولة اللاقانون وأن “القوة” والعنف هما الحل، فخرجت بورسعيد عن بكرة أبيها تصرخ ضد الحكم، وتحاول ولهم “الحق” فنحن في دولة اللاقانون أن يخرجوا أهلهم المحبوشسن ظلما كما يتخيلون، فقتل من قتل، وسجن من سجن، لتمتد تلك اللغة إلى محافظات القناة حتى خرج الرئيس، وكان الجميع يتوقع أن يفعل شيئاً.. ولكنه كالعادة لم يفعل وكل ما تصوره وبلغة ركيكة جداً أن “العنف” من جهته والطوارئ سيكونان الحل، كما لو كان لم “ير” ولم يتعظ..!!.

العنف قد بدأ متوازياً مع “عنف الشرطة” وكلما زاد العنف من النظام، زاد أمامه العنف من الثورة، وكلما كانت درجة العنف من “النظام” زادت أمامه لغة العنف من “الثورة” ولم أذكر هنا “المعارضة” لأنها تماماً كالنظام لا تفعل شيئاً.. ولا تتعلم من أخطائها..!!

لذلك العنف سيستمر فمن بورسعيد إلى المحلة وكفر الشيخ وأخيراً المنصورة.. العنف يولّد عنفاً.. والظلم سيولد إرهاباً لن تقدر عليه “ميلشياتكم” من مصر وحماس.. أنتم تتعاملون مع شعب وصل إلى الحرية ولم تأخذوها منه إلا على أجساد من حلم بها.