بعد نجاح مقالة السودان الخاصة بالتوضيح التاريخي لحقائق ما قبل إستقلال السودان تراءت لي حتمية كتابة موضوع جديد يتعلق بنقطتين أثارتا لغطا كثيف و هما مسألة إتفاقية الجلاء في الشق الخاص بقناة السويس و حق إنجلترا في العودة لمصر, و نقطة مقولة إن إنجلترا كانت إقترضت مئات الملايين من مصر و بالتالي باتت مدينة لمصر, بينما أضاع و عبد الناصر المال لاحقاً.

فالموضوعان من أهم ما يمكن في ظل كون الأمور هذه قديمة و لا يكثر التدوين بخصوصها مما جعلها مرتعا لكل من يريد كتابة تاريخ يتوافق مع رؤيته حول فترة الحكم الناصري 1954-1970..

أولاً: إتفاقية الجلاء 1954:

يتمحور الهجوم على إتفاقية الجلاء 27 يوليو 1954 حول نقطة بقاء قاعدة قناة السويس صالحة للإستخدام و تقديم مصر تسهيلات لتهيئة القناة للحرب في حالة حدوث هجوم على مصر أو أي بلد ضمن الدول الموقعة على اتفاق الدفاع المشترك, بالإضافة إلى حق إنجلترا في العودة للقناة و إدارتها القاعدة العسكرية لحين إنتهاء الحرب.

(*) مبدئياً دعونا نقول إن ما تم إقراره في هذا النص تمت الموافقة عليه من قِبَل التيارات السياسية قبل ثورة يوليو و على رأسها حزب الوفد فنجد التالي:

-1- إقتراح المادة الخاصة بقناة السويس و عودة إنجلترا في حالة الحرب هو أصلاً فكرة سعد زغلول في مقابلته مع السير ونجت يوم 13-11-1918 بل و زاد عليها بنفس المقابلة علي بك شعراوي بموافقة الوفد على بقاء المستشار الانجليزي و ان تكون سلطته هي سلطة صندوق الدين الذي تم إلغاؤه في عهد وزارة حسن صبري 17 يوليو 1940.

-2- في 17 يوليو 1920 كان نفس النص ضمن مذكرة الاستقلال و الجلاء المقدم من الوفد برئاسة سعد زغلول شخصياً في لندن و قدمه زغلول للورد ملنر كرؤية مصرية للإستقلال و الجلاء الانجليزي.

-3- وافقت حكومة إسماعيل صدقي المدعومة من الملك فاروق على نفس الشرط بل أكبر من ذلك و أكثر هولاً في مشروع إتفاقية صدقي بيفن 25 أكتوبر 1946.

-4- في مباحثات النحاس سليم “قائد أركان الامبراطورية” وافق مصطفى النحاس على نفس النص بل و دعمه أكثر مما وُجِدَ بالمعاهدة.

-5- وافقت حكومة النحاس للمرة الثانية على نفس الشروط في مذكرة وزير الخارجية صلاح الدين باشا بتاريخ 24 إبريل 1954 و أكدت حق عودة إنجلترا وقت الحرب.

(*) إنطلاقاً من هذه النقطة نصل لنتيجة هي أن هذه البنود في معاهدة الجلاء كانت إرثا إنتقل من العهد السابق (الملكي) محملا برضا حكومات الاقلية و الاغلبية و الملكية المصرية و لم يكن إختراعا ناصريا بل أقصى ما يمكن الوصول اليه حتى مع الضغط الأمريكي على إنجلترا للرحيل ، لكن لكي تكتمل الصورة علينا بالنظر لما تلى المعاهدة لنرى هل حقاً كان هذا النص ضمن رؤية عبد الناصر لطبيعة العلاقة مع الغرب؟

-1- رفض عبد الناصر طيلة فترة حكمه أي نوع من التحالف العسكري مطلقاً مع الشرق أو الغرب و حارب بكل قوة فكرة منظمة الدفاع عن الشرق الاوسط و حلف بغداد 1954-1958 في موقف رافض قطعا أي تحالف عسكري مع الغرب.

-2- خرج عبد الناصر (مع بقاء اليد ممدودة للغرب) من دائرة السلاح الغربي إلى السلاح الشرقي الجديد بصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية سبتمبر 1955 في موقف ثان يؤكد كون البنود محل النزاع حبرا على ورق  و إرضاء لشكل الامبراطورية التي غابت شمسها لا أكثر.

-3- كانت حرب 1956 دليلا قاطعا و نهائيا على عدم إلتزام عبد الناصر بأي بند من البنود محل الجدل فإنجلترا نفسها خاضت حربا لتطيح بالاتفاقية و عبد الناصر معاً في مشهد ينهي أي حديث حول هذه البنود محل الجدل.
..
ثانياً: الأرصدة الإسترلينية:

كَثُرَ الحديث عن أن مصر أقرضت إنجلترا مئات الملايين من الجنيها إبان الحرب العالمية الثانية و قام عبد الناصر بإسترداد الديون و تبديدها وهي رواية لا تتوقف عن التواتر مما يلزمنا بتوضيح الحقيقة البسيطة حولها..

(*) أثناء الحرب العالمية الأولى و الثانية كانت مصر قلب العمليات بالشرق كله. ونظرا لوجود القوات الإنجليزية تدفقت قوات أخرى حليفة  لمصر وكانت في احتياج لتغطية هائلة من الموارد و النفقات, فلم تكن إنجلترا تسدد ثمنها لمصر بل تطلب من البنك الأهلي إصدار الأوراق البنكنوت (الاوراق المالية) التي تطلبها انجلترا معتمدين على قرار وزير المالية بتاريخ 27 سبتمبر 1916 بالتسامح في قانون إصدار الأوراق المالية الناص على حتمية الاحتفاظ بكمية من الذهب تعادل نصف قيمة العملات الورقية الصادرة فنشأ من هذا ما عرف بإسم الأرصدة الإسترلينية و الذي أدى لربط عملة مصر و إنجلترا و تثبيت سعر الصرف إجبارياً بين العملتين لحين إجراء إتفاق 30 يونيو 1947 و خروج مصر من هذه المعضلة الاقتصادية..

(*) كان رصيد مصر بعد الحرب ديونا على إنجلترا = 450.000.000 جنية و تعددت الاتفاقيات التي سربت هذه الاموال قبل ثورة يوليو:

-1- إتفاق 30 يونيو 1947 بحكومة النقراشي و كان الرصيد وقتها 356.000.000  (تم إسترداد مبلغ 96.000.000 جنيه بشكل أو آخر بين عامي بين 1945 و 1947) و تم الاتفاق على الافراج عن 20.000.000 قابلة للتحويل بأي عملة أخرى و الافراج عن 10.000.000 آخرين فوراً و 15.000.000 لمواجهة التزام مصر بشراء أسلحة و مليون آخر لنفقات يناير 1946 وبالتالي نقصت الارصدة إلى 310.000.000 في ديسمبر 1948.

-2- إتفاق 31 مارس 1949 بحكومة إبراهيم عبد الهادي و الذي نص على الافراج عن 12.000.000 جنية من الارصدة و تبيع إنجلترا لمصر دولارات بقيمة 5.000.000 جنية خلال عام 1949 و تسدد إنجلترا لمصر قيمة الاسمدة المتوردة من شيلي و تزيد كمية البضائع المستوردة من إنجلترا من قبل مصر الى 8.000.000 جنية و تسدد من الارصدة مهمات شركة egyptian oil fields.

-3- إتفاق مارس 1951 لحكومة النحاس باشا الأخيرة و الذي نص على الافراج عن 150.000.000 جنية بواقع 25.000.000 فور التوقيع و 10.000.000 كل سنة لمدة 9 سنوات و 5.000.000 كل عام و تورد إنجلترا لمصر المنتجات البترولية و السماد من شيلي من الحسابات المذكورة.

-4- مع حرب عام 1956 تحولت باقي الارصدة إلى فرنسا و إنجلترا لسداد تعويضات تأميم شركة قناة السويس و ذلك عبر قيام إنجلترا بتجميد الارصدة والحقوق المصرية مبدئياً بما فيها الارصدة الاسترلينية ثم تحويل أكثرها لاحقاً كتعويضات للتأميم في 14 مايو 1958 عبر دفعات كثيرة إنتهت نهائياً عام 1963 و قد إنتهت معظم الأرصدة عند هذه النقطة لتتحول إلى الرقم صفر.
..
أرجو في النهاية أن يكون الأمر  قد اتضح و اللبس زال..