بقلم/ توفيق بن سعود

ظهر صدأ السيد الشهيد منصور الكيخيا في الأيام الماضية فأصبح حديث الساحة عن كيف عاش وخطف وفقد وقتل ثم وجد من جديد،

انتابني الفضول حول هذه الشخصية فلطالما كنت أستمع إلي قصص وروايات عنه من والدي وكنت في بعض الأحيان أحس بأنه  كالشخصية الخيالية المتزايدة في المثالية وكأن والدي كان يضخم الموضوع قليلا كما أني وبصراحة  لم أكن أعلم أن له هذه الشعبية حتى حضرت جنازته وياله من يوم حفر في ذهني ولن أنساه أبدا.

نسمة ريح ذاك النهار منذ استيقظت وكأنه قد عاد من جديد كأنه يحوم فوق بنغازي ليودعها بكت بنغازي بحرقه شديدة لفراقه  وكأنها فقدت طرفا من أطرافها  انتظرت في مقبرة بنغازي منذ الصباح الباكر كان الجميع متشوقا لرؤيته بعد كل هذه السنين وفي جمع افتقدناه لسنين جمع مثقفي والوجوه المنيرة لبنغازي الحبيبة وصل السيد منصور كالفارس إلي مستقره الأخير أستقبل و ذهب لبارئه في جنازة رسميه لم أشهد مثيلا لها في ليبيا من قبل بدأ التراب يسقط من فوقه وكانت أخر وجوه يراها هي وجوه أصدقائه أحبائه إخوته وأبنه نزلت الدموع بغزارة الجميع كان فرحا وحزيناً في أن واحد، في غضون كل هذا الصخب خطرت ببالي أفكار غريبة.. أغمضت عيناي إنعزلت عن الحضور قليلا لأسأل “ما الذي حصل ؟”

كيف بدأت القصة وبماذا أحس هو ؟

ها هو السيد منصور يجلس في غرفته بالفندق يستعد للمؤتمر الذي حضر لأجله يصله اتصال من الاستقبال ليخبره بأن هناك شخصا ما ينتظره بالأسفل، تتغير ملاحه متعجبا فهو لم يكن في انتظار أي ضيوف، يظن انه احد الأصدقاء أو الأقارب جاء ليسلم عليه، يرتدي بزته نظراته وينطلق متجها نحو هذا الغريب تاركا كل ممتلكاته وما اشتراه من هدايا تذكاريه في الغرفة فمن كان ليقول أن هذا الاتصال سيكون أخر ما يسمع عن السيد منصور، نزل فوجدهم بانتظاره استدرجوه معهم مدعين أن السفير الليبي يود لقاءه انطلق معهم وما إن وصل إلي ذلك المكان حتى داهمه أتباع القذافي وزجوا به إلي حقيبة سيارة المراسم منطلقين به نحو الجماهريه بأمر من إمبراطورها.

فيم فكر طوال تلك المسافة ؟؟ لا اعلم والحقيقة هي أني لا أود أن أعلم لا بد أن عقله قد أخذه ألي أماكن قريبة وبعيدة.. ماذا سيفعل به القذافي ؟ الله وحده يعلم.

بعد معاناة وصل مناضلنا إلي مدينه طبرق ومنها رحل إلي طرابلس ليوضع في سجن صغير سري لمده ثلاث سنين.. ماذا حصل بالسجن؟ ماذا عانى وكيف عاش؟؟  أفكار يشيب لها الرضيع رجل دبلوماسي ابن بنغازي وابن البركة، ينتهي به المطاف تحت رحمة زمرة من الخونة، انتقل إلي رحمه الله بعد ثلاث سنين من اعتقاله، ربما قد ارتاح بعد كل ما مر به… لكن كيف توفي ؟؟ أشارت التحاليل إلي تعرضه لضربه بماده حادة أثرت فيه كثيرا والبعض يقول إن ذلك بسبب المرض.

يمكنني تخيل الموقف وكأنه يحصل أمامي، هو موجود في تلك الزنزانة يخاطب الحيطان أصوات تسرب المياه وهي تقطر هو الصوت الوحيد المؤنس له في غربته يجلس متسائلا كم مر من الوقت ؟ ماذا يحصل بالخارج؟ وبالطبع ما من مجيب.. يتنهد بتألم وهو يشعر بالغثيان يمر أحد الحراس فيناديه سائلا: أرجوك أنا أحتاج إلي الدواء، ينظر إليه بتلك النظرات التي تعلموها جميعا من قائدهم قائلا: أوامري تمنعني من التحدث إليك تسوء حالته شيء فشيء مع دخول مجموعه من أولائك الزمرة للتحقيق أو لألهو  والله  أعلم يبدؤوا بإذلاله بالكلام والألفاظ وتخوينه ووصفه بخيانة الثورة والظاهر أنه يرد عليهم ردا قويا، يغضب أحدهم فيقوم بضربه بأداة حادة وتؤدي إلي سوء حالته أكثر من ما ألت إليه  توفي المناضل،، ترتبك الزمرة وتتصل بمكتب القائد “يا قائد راهو مات” يبتسم القذافي دون رد لفترة “شني نديروا يا قائد” يسألونه متدفنوش ستنوا التعليمات”  لم يرد الإمبراطور دفن المناضل بل أراد له العذاب حتى في الموت وضع في ثلاجة لمده طويلة حتى قامت الثورة  وكان القذافي يزوره كل سنه يطلب تركهم علي انفراد ويبدأ بالتشفي عليه ويضحك ضحكته الجنونية فرحا بظنه أنه قد أنتصر عليه.

فتحت عيني لأعود إلي الواقع إلي “الجبانه” …كان شعور غريب قد انتابني, لست متأكدا مما حصل ولكن ما حصلت عليه من معلومات جعلني أسرد هذه القصة من وحي خيالي.

قرأت الفاتحة علي قبره وقلت لنفسي إن ليبيا تحتاج إلي منصور جديد إلي حكمته وحنكته السياسية  والاهم إلي وطنيته فهل يوجد منهم ؟ أم أنهم انتهوا مع نهايته؟

في الحقيقة أني متأكد من وجودهم في مكان ما في هذا الوطن بعيد كان أم قريب وأننا سنجده بل سنجد المئات منه فنحن بأمس الحاجة إليه وأنا أري بأن حياته ستكون أطول من حياة قاتله  رحمك الله يا شهيد الوطن وأسكنك فسيح جناته “وتهني فليبيا مازالت لنا”.