(إلى أميرتي التي رأت النور شمال المتوسط؛ لتتفرغ لتذوق الشعر، والحب، والحياة.)

“.. إذا قدر لي أن أعيش، أن أصبح حرا مرة أخرى، فسوف أقول لجميع الناس، بصوت عال، وربما ببعض القسوة واللوم؛ الجلاد لم يولد من الجدار، ولم يهبط من الفضاء، نحن الذين خلقناه، نعم نحن الذين فعلنا ذلك، وبإصرار أبله، تماما كما خلق الإنسان القديم آلهته؟ خلقناه، في البداية، رغبة في النظام السهل، ثم تواطأنا معه لإخافة الصغار والغرباء والأعداء، إلى أن أصبحنا نتساءل عن مدى قدرته، ومدى الحاجة إليه، وعند ذلك بدأنا ننظر إليه بحذر ونصمت، ثم بدأنا نخاف منه ونعلن، إلى أن وصلنا إلى الامتثال والطاعة والرضا، وأخيرا إلى التسليم!”. الآن هنا.. أو شرق المتوسط مرة أخرى.

هكذا ولدت الكتابة/ الرشاشة، عند منيف؛ بعد أن توارت له حقيقة: ” الشعب الذي ينام”! قرأت لأول مرة “شرق المتوسط”، بمدينة “بومديد”، في الجحيم الشرقي للصحراء الموريتانية، بعد شهرين من الاستجواب والتعذيب؛ كي أقر بأن مطلب الديمقراطية تواطؤ مع الأجنبي، وتلطيخ لسمعة بلدي!.. كنت مرهقا، أوشكت على فقدان الثقة في كرامة جسد الإنسان وقدسية حياته، لكن صعلكتي جعلتني أسقط ما قرأت على واقعي، لأدخل في ملحمة أعادت لجلدي صلابته، وعزمي حدته.. وصرخت في وجه الجلاد: لماذا اتفقتم دون معرفة سابقة على جلد العقل العربي أينما كان؟ لماذا تخيفكم إلى هذه الدرجة أحلامنا البسيطة؟ لماذا تصرفوا على تكويننا، لتقتلعونا ثمارا طرية أعياها الانتظار؟

ولماذا لانقول للإمام والجار والأهل، والسياح، للدواب، والحقول، للنسيم، للورود، لعنتر، لآرنو، لمركريت، ليونس، لصقر: أنكم تمتهنون قتل الإنسان في بقايا بقايانا! وأنكم محرجون من صوابنا! حاقدون على أنواء طموحاتنا العالية…!

عاشق باريس، أهدانا طيلة كل عطائه شهادة حية عن واقع أحادي المواهب: واقع ينتزع الشاعر من ملكته الماردة، لأن “ملائكة” الحزب أو الجيش أو العرش؛ قرروا مسبقا أن سالم سيتزوج بزينب لينجب أبناء يخبرون العم محمود عن مشاكسات الأولاد المشاغبين، الكافرين بطاعة من تحتضن معدته ما تبقى من عقله كلما أراد التفكير!

واليوم في وطن يشبه الذي حلم به، يستوجب التأمل في الخطوات الدامية التي قطعها، والورود التي مافتئ ينثرها على طريقنا، نحن القادمين من ” مدن الملح”، علنا نوفق في خلق ثقافة حالمة، بعد أن استحال الوطن الحالم!
كلاسيكي حطم قيود المبدعين!

من الناحية المنهجية، يمكن أن نعتبر منيف، الروائي كاتبا كلاسيكيا، من خلال طريقته في صياغة وحبك الرواية، وتقسيم الأدوار على أبطاله الذين اخترعهم بكل براعة.. فارتباطه بالواقع الذي كان يعيش، طبع إنتاجه، من خلال ” قراءة عميقة للمجتمع” .. لجأت للثقافة الشعبية، محاولة ربطها بالحياة السياسية، مركزة كل الطاقات على مطلب الديمقراطية، والحق في ولوج باب الحضارة، إذ نلمس في سرده، حضورا مميزا للانتماء، كوسيلة لفك رموز اللوحة الباهتة، التي رسمها صناع القرار في الوطن العربي.. لكن، لانفتأ نلمس في داخل هذا الانتماء، وصلا جميلا للعالمية، بتجلياتها الثقافية والسياسية!

هذا الترتيل، نوع من إقرار الغياب العربي، عبر ليالي العقاب، وأيام الإقصاء، كنصيب عفن اقتطعته المؤسسات العربية لكل العقول المتحررة! إذ نجد على ركام هذا الغياب قدرة الأدب في الحفاظ على تفاصيل العقل المنوم مغناطيسيا.

ربما كانت قوة منيف، تكمن في انتمائه إلى فصيلة الرجال “العاديين”: رحالة، متواضع وممزق، قفز في الفراغ بعد أن توهم عجزه عن ملئه؛ كان عاديا: له زوجة، وبنات، وأصدقاء، يعشق العمل، ويلهوا كثيرا، يضحك بعينيه، لمن أغرته صحبته! كل هذه البساطة الصاخبة، يعزيها إلى: “موت الطفل الذي كان” ليبدأ رحلة محاولة تغيير العالم، أو بالأحرى إعادة تنظيمه، حيث تقترب عنده فكرة الموت من حقيقة التغيير، كي نخترع عالما نحن أقدر على امتلاكه، بوضع الماضي جانبا، حتى نخلد عرس الحداد. لذا نجد علاقته المقدسة بالتاريخ، وكأنه يحث على استنطاق الشعر لمعرفته! فروايته جائت تأريخية، وشاعرية: من خلال الدقة في السرد، والإمعان في ضبط كل التفاصيل، وصوره المنتقات من خيال احتضن قدرا لا يستهان به من جمال الحياة وصدقها! هكذا صرخ منيف في تسابق مع رعود عاصفة الاضمحلال العربي، منددا بحرماننا من قدرتنا على أن نكون أناسا عاديين: يستمعون إلى نشرة الأخبار دون ذهول، يكتبون شعرا لمن يحبون، يمارسون العادة السرية متى يشاؤون ، يستقبلون عشاق بناتهم، يدفعون جزءا من راتب الشرطي الذي يحميهم، يلعنون الجمهورية كلما تخلت عن رعاية ساحاتنا العمومية، الحاضن الأول لأطفالنا المدللين!

فهو لايملك لغة واحدة، بل يملك لغات عدة؛ نحتها من منفاه، بعد أن زركشها بزنزانته، لتغيب ـ أحيانا عن الوعي ـ في السجن، حاملة كل الفراشات المهاجرة إلى مملكة الشعر. فثنائية المأساة والنور، والواقع والحلم، جعلت منه طائرا يغرد، بما يخاف الآخرون من قوله! فعندما تناول رفضه الكلام: ولد الشعر؛ ولأنه تجرع قدحه من الشعر الجاهلي لجأ للرواية، بحثا عن الحماية، والمتسع.. ليفبرك جسدا فلسفيا للشهادة على الحياة، عارية، في منتصف الليل، وهي تبول على وجه “المجهول”: وجه الإنسان، المعذب والمحطم! وفي دوره “كناجي”ن يتكلم عن من رحلوا؛ يحكي قصة رحيلهم، بكل تفاصيلها، كنوع من كتابة التاريخ! خصوصا أن مجتماعتنا، لاتجامل في إثارة كل ماهو شخصي، من أنماط العنف السياسي، فإيديولوجية “الاستعانة على الأمور بالكتمان”، تبقي السجون دائما، حاضنة، وحيدة لتاريخها الدموي!

لذا، أعطت أعماله للذاكرة، دورا إضافيا، ولقوة الشهادة، نفسا آخر، أثبت أن السياسة العربية مازالت تعتبر، الثقافة والمثقفين: مجرد محررين للخطابات العنترية، أو منعشين لأشباه، مهرجانات التأييد والمساندة…

في كرنفال اللغات، التي امتهن واحترف، نجد جودة البساطة من خلال اللجوء إلى العامية، كل ماتعلق الأمر بالتجاوزات؛ الغير معتادة في لغة الفكر والحلم! كي لاتفقد هذه “المقاطع” حرارة النطق الأول، لتأخذ وضوح الإينتيم!

لكن عبوره نحو الأدب، كان يتجاوز حدود المتعة؛ رغم توفيقه في خلق أدب من المصائب والنكبات! رفضه “للمقدس”، في الشعر، يؤكد أن اللغة، ليست وليدة فكر متداوليها أومستهلكيها، بل هي، أولا، طفح لمعانات مجتمع ما، قبل أن تكون لحظة إبداع، فتفكيره بصوت عال، حول التعذيب، كان نوعا من رفض الهزيمة، بعد فهمها.. فالنواح، والصراخ.. وأنامل منيف، تحكي أن العقوبة حلت، رغم انعدام الجريمة!

وأن الخلل في نسق العدالة موجود.. لكن لحظة الإبداع جعلت من كل هذا الركام البشري، أدبا، يقرأ، وتعاد قراءته.. رغم لقائه المتأخر مع الأدب، إنتاجا، على الأقل، الشيء الذي يجعلنا نتسائل عن غياب، طبيعة النقلة من الناحية المنهجية، في إنتاجه، كما جرت العادة بالنسبة لكثير من الكتاب الغربيين، ك”بريمو ليفي” والذي يعرفه كاتبنا جيدا؟ ربما، لأنه أراد أن يكمل، أولا، مشوار متعته الطفولية؟ مع أن القرائن، تتجلى واضحة في عمله، من ناحية الدقة والتجريد، والتعالي المقنع من خلال علاقته بالدين، التي ترقى عن مستوى الفكر الاستفزازي! إذ يفرق بين الدين العائق، والمرجعي للجلاد، كلما هم بتبرير “جهاده المقدس” ضد “زنادقة” الرفض، الحالمين بجنة للجميع ودين يسموا على الفهم الضيق، لمهنيي العصى، دين يرابط في المسجد وعلى راحات الأمهات…!

من المهم تذكير انفراد، إنتاج منيف، والدور الذي يلعب في التربية السياسية، والذائقة الأدبية بالنسبة للأجيال التي عقبته، لكن المنحى “الكلاسيكي” لأدبه، يتأكد، إضافة إلى الملاحظات المنهجية من خلال:

شهادته عن السجون: أصبحت ملكا للبشرية، فمنيف يقرأ، ويستشهد به خارج حدود العالم العربي؛ مضمونها يتجاوز، بكثير كل المعطيات التاريخية، التي رافقت ميلادها؛ مع ذلك من يمكن أن يعتبر “قصة حب مجوسية”، عملا كلاسيكيا؟ من يشك في أن منيف الطفل، حلم ذات يوم بكتابة “تاريخ” قصيدة الربيع؟

الرجل الذي رحل، قليلا بعد بدايته، عشق مقابر الكلاب، وتابع باهتمام كبير البعد الثقافي لعلاقة الإنسان بالحيوان! يعتبر إنتاجه مجموعة كتب لم تكتمل بعد؛ تصلح لأن تكون آنسكلوبيديا للأشياء المنسية من طرف الإنسان؛ ولم لا!

رغم الاحترام الذي يحظى به منيف، من بين كل الكتاب العرب المنبطحين، تحت خيام “الجنادرية”، قد نجد خطابا تمرره بعض وسائل الإعلام العربية، محاولة التقليل من قيمة و صحة التجربة، بنوع من سوء النية، لايرقى إلى مرتبة النقد، ولاحتى القراءة البسيطة! لكن ما سيعجز هؤلاء المشككون، من انتزاعه من القارئ العربي، المتمسك بهذه التجربة، هو أن كل واحد منا، كان ذات يوم طالع العريفي، أثناء مروره بسجن العبيد.. وكل المشككين من سلالة الشهيري، وسيموتون ذات يوم تحت عجلات سيارة مسرعة، قد تقودها عشيقة، أو خادم، أو شبح ابن معتوق.. ساعتها، فقط، سيعرف الجلاد قدرتنا على رده إلى الجدار الذي ولد منه، وقد يبقى معلقا في فضائه الأحمر، وواقعنا الوردي.

كاتب من موريتانيا يقيم في باريس
*(تم نشر هذا المقال في العدد 4999 من “القدس العربي” ، بتاريخ 22 يونيو 2005 )