حكاية فلسطينية إنسانية قبل النوم

ما هو الأهم في هذه الحياة؟ أن نأكل وأن نشرب؟ أن نتزوج وننجب ونعتني بأولادنا وصحتهم وتعليمهم وزواجهم وحياتهم؟ هل هو الدين والتدين وحلم العيش في الجنة؟ أم هناك أولويات أخرى على الإنسان أن يوليها الأهمية على كل المفردات؟
إن كل ما سبق، مهما اختلف شكله، يندرج تحت الهم الخاص، وبالمقابل يوازيه الشأن العام، فأيهما أولى بالأهمية في هذه الحياة، الخاص أم العام؟ الخاص بكل أشكاله التي ذكرت في المقدمة أعلاه أم لم تذكر؟ أم العام وهو ما يتعلق بالمجتمع، بالآخرين الذين يعيشون خارج الدائرة الشخصية .
إن الإنسان كائن اجتماعي، وإذا فقد دوره الإجتماعي فسينهار المجتمع. إن تقدم الحضارات والمجتمعات لا يتم إذا تكور الانسان على داخله واعتنى بمصالحه وأموره الشخصية على حساب العام من الأمور.
أسوق هذه المقدمة بعد أن وقعت على ما ذكّرني بمأساة حدثت أمام أعيننا وبعلمنا جميعا، ولم نعرها الإهتمام اللازم. مرّت كأية حادثة تتعرض لها عائلة، ليسوا أنهم عربا أولا، ولا مسلمين ثانيا، ولكنهم بشر..
بتاريخ 16/8/2012 وفي تمام الساعة الرابعة والنصف عصرا، كنا في أواخر شهر رمضان، خرج المواطن الفلسطيني “أيمن محمد حسن غياظة” مع زوجته وأطفاله من قرية “نحّالين” وهي قرية فلسطينية قريبة من بيت لحم، خرجوا في سيارة تاكسي عمومي لشراء ملابس العيد لأطفاله محمد (6 سنوات) و إيمان (4 سنوات ونصف) وإسراء وهناء، ورافقهم شقيق المواطن الفلسطيني أيمن. وأثناء ركوبهم في سيارة التاكسي ومسيرهم في الشارع العام، هاجمهم مجموعة من الاسرائيليين بقنابل مولوتوف حارقة أصابت السيارة من الداخل والخارج فأصبح من في داخلها في آتون من اللهب تنصهر فيه الأجساد، وتتبخر فيه أرقى القيم الإنسانية.
ولكونها دولة صهيونية، تكره كل البشر، وبالرغم من أنها تدّعي ( كاذبة ) الديموقراطية، ولكونهم شعب الله المختار (حسب إدعائهم وتزويرهم للأديان)، ولكونهم الطرف الأقوى، الأكثر جبروتا وظلما، فقد تم إلصاق الجريمة (كذبا) بأطفال صغار، وأفرج عن الجناة الحقيقيين، كما تم الإفراج عن الأطفال بحجة أعمارهم.
أدخل رب العائلة للعناية الحثيثة كونه الأكثر تعرضا للأذى، فقد كان يحمي أطفاله بجسده وتكوّر قدر إمكانه حولهم، فتعرّض للأذى الأكبر. بقي في العناية المركزة عشرون يوما وخرج منها… حطاما، بقايا جسد إنسان. أجريت له ولأفراد عائلته عدة عمليات جراحية تكلفت مبالغ تجاوزت ماية وستون ألف دينار أردني ( لم تسدد لغاية الآن )، ولا زالوا بحاجة لعمليات جراحية أخرى تتكلف أكثر من خمسين ألف دينار ولن تجرى حتى يتم سداد المطلوب حتى الآن.
عدا عن ذلك كله، فعائلة بأكملها، الإخوة والأخوات والأهل، تدمرّت حياتهم، فناهيك عن التضييق الذي يعيشه الأهل في الضفة الغربية، في ما تبقى من فلسطين أو ما يدعى بالسلطة، فهم لا يستطيعون ترك الرجل المريض وأطفاله لما يحتاجون من خدمات وعناية على مدار الساعة.
وفوق ذلك كله، الأهل وشباب العائلة لا يستطيعون الحصول على تصاريح عمل للدخول عبر الحواجز والمعابر الإسرائيلية للعمل والاسترزاق، للإنفاق على باقي أفراد العائلة.
قيل لهم أن باب القضاء مفتوح أمامهم وعليهم اللجوء للمحاكم الإسرائيلية!! حيث الخصم هو الحكم!! إلا أن القضية تحتاج على الأقل ما بين سبعة إلى عشر سنوات! من أين ستعيش العائلة؟ من سينفق على علاجها وغذائها ومصاريفها؟ لا يتلقون أي دعم من أي جهة، حتى من السلطة الفلسطينية الفاشلة، حيث رجال متنفذون يتكسبون المليارات ويحتكرون الرزق والأموال والأعمال.
وأخيرا، ليس لي إلا أن أقول حسبي الله ونعم الوكيل على هكذا أمّة! على هكذا بشر!
حسبي الله على كل من فقد إحساسه بإنسانيته فأصبح كل همه احتفاله بأعياد الحب وأعياد الميلاد والنجاح في الإمتحانات! ونسي أو تناسى أن هناك بشر لا يجدون قوت يومهم بل ولا حتى علاجهم. رب العائلة المنكوبة بحاجة لكل أنواع الدواء والعمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والتأهيل، ناهيك عن الغذاء واللباس والمسكن. العائلة لا تملك أراض ولا مزارع ولا عقارات ولا آلات. لا تملك من الدنيا إلا صمودها في أرض يحاول معتد جبار متغطرس أن يخرجهم منها، بينما هم متمسكون بوجودهم شوكة في حلقه وحصاة في خاصرته.
العائلة بحاجة للدعم من كل إنسان، عربي، مسلم ومسيحي. إن تثبيت الإنسان الفلسطيني بأرضه أكثر ما يقض ليل ونهار العدو المحتل.
إن دخول الجنة له أكثر من باب غير العبادات.
لمن يريد الإتصال بالعائلة المنكوبة، المظلومة، المعتدى عليها، فطريقة الاتصال موجودة لدي، ولديهم صفحة على الفيسبوك باسم “نحالين الجريحة” بالرابط التالي، ويمكن من خلاله الاطلاع على الصور المرعبة للحادثة، المأساة.

https://www.facebook.com/#!/pages/%D9%86%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A9/105865972917462

وأخيرا، هل بقي هناك خير في هذه الأمة؟ هل بقي هناك بشر يعيشون إنسانيتهم؟ صرخة أطلقها في أذن كل من يعيش لأجل ذاته وعائلته، وأقول له لا خير في ذلك ولن تدوم عائلتك ولن تبق حضارتك ولن ترضي ربك إن لم تعي أن عائلتك نفسها جزء من مجتمع ومن عائلات أخرى، وإلا فاذهب بأموالك وعش في المريخ وحدك..

وليد السبول
رئيس جمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين
هاتف 0795400222 / 0777208039
[email protected]
[email protected]