صُدمنا جميعاً، عندما رأينا الاعتداء الإسرائيلى الوحشى على ناشطى حقوق الإنسان بأسطول الحرية، فى عرض البحر المتوسط بالقرب من شواطئ غزة.
كان الاعتداء من قبل القوة الغاشمة لدى بعض البشر على الآخرين العُزل، من بنو الإنسان أيضاً، حيث البحر الذى لا يمكن إيجاد ملجأ آمن فيه من البطش!
كان كل ما حدث (فيما يخص الضحية) هو حدث ضد الإنسانية! لا دخل لذلك فى الأيديلوجيات التى تفصل بيننا! فهنا، لا نزاع بيننا ويستوجب أن نقف جميعاً مع الإنسان مجرداً من أى هوى!
القصة تكمن فى الوصول بالمعونة للإنسان، ليس إلا! فهل يختلف فى هذا الأمر شخصان؟ إنه الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، أن يأكل البشر ويشربون! ليس لهذا أدنى علاقة بما هو إسلامى أو ليبرالى، ومن يريد تصوير الأمر فى هذا الإطار، إنما يتلاعب بالحقوق الأساسية للبشر، وتلك تُعد، سابقة خطيرة جدا، أن يريد البعض الاعتداء على الفكر باسم المصلحة الضيقة للغاية، والقول بأن الليبرالى، يؤيد البطش بالإنسان، بينما الإسلامى لا يفعل!
إن تلك قيم إنسانية، يتفق فيها الجميع، ولا داعى إلى إقامة خطوط تضارب فى كل مناحى الحياة بين الأيديلوجيات المختلفة، لأن هذا نوع من السفسطة الفارغة الغبية، التى تريد خلق خطوط فصل عنصرية، تظهر أن هناك إنسانا أكثر من الآخر، وهو أمر غاية فى التخلف والعنصرية والتطرف!
فالروح تُحترم فى أى مكان، ولا يفصل فى هذا ما بين الإسلامى أو الليبرالى والشيوعى!
بل إن هناك إسرائيليين، أدانوا ما حدث بأصوات عالية للغاية، وصلت مسامعها إلى العالم، عبر المنابر الإعلامية المختلفة فى إسرائيل! فلقد تساءل روفن بداتسور بسخرية فى مقاله بالهآرتس، تحت عنوان “فشل بأى طريق يمكنك وصفه”،.. هل هؤلاء الجنود، الذى يصفهم قادتهم بأنهم “الأعلى تمريناً وفاعلية فى العالم” توقعوا أن يُستهدفوا من قبل مجموعة من المدنيين فى معيتهم سكاكين..؟
هل توقعوا هذا، مع الوضع فى الاعتبار، أن تلك العملية، كان قد خُطط لها بدقة عبر عدد من الأيام السابقة؟ وتحت عنوان “أسطول غزة يجذب إسرائيل إلى بحر الغباء”، كتب جيدعون ليفى، الصحفى الإسرائيلى المعارض، دوماً لآلة البطش الخاصة ببلاده، “كل [تلك العملية] فى مواجهة ماذا؟
المئات من الناشطين الدوليين، وأغلبهم بشر لديهم الضمير الذى حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تلوثه، إنهم فى أغلبهم بشر مهتمون بالإنسان، وهو حقهم وواجبهم، حتى ولو لم يعنينا الحصار على الإطلاق.
نعم! هذا الأسطول، هو استفزاز سياسى، ولكن ما هو التظاهر ضد السلطة، ما لم يكن استفزاز سياسى؟”
وبالطبع، هناك من يدافع عن تصرف إسرائيل من داخلها، تماماً مثلما يحدث فى مصر أو فى البلاد العربية الأخرى، عندما تقوم السلطة بفعل ما يعبر عن خطأ فى الرؤية، فيدافع المزايدون عنها فى الإعلام.
ولكن، ألا يحدث هذا أيضاً فى أحزاب المعارضة والحركات والجماعات السياسية؟ إنه يعبر عن أمر طبيعى فى العمل السياسى المهترئ!
ولكن الدفاع عن الخطأ، لا يقيم منه الصواب! إن الخطأ خطأ والصواب صواب! والإنسان فوق كل شئ ويعلو كل الأيديولوجيات!
إن الدفاع عن حركة حماس عندما تقترف الخطأ أيضاً، إنما يعبر عن كيل بمكيالين، عندما يأتى الأمر إلى الإنسان المجرد! هل الإنسان “الفلسطينى” الذى يُعذب أو يُقتل فى مسجد فى قطاع غزة، من قبل حركة حماس، مختلف عن ذاك الذى قُتل فى أسطول الحرية؟ هل الإنسان الفلسطينى، الذى أُلقى من أعلى بنايات غزة، مختلف عن ذاك الذى قتل فى هذا الأسطول؟ لماذا، دافع “الإسلاميون” عن حركة حماس عندما قتل هذا الإنسان فى غزة من قبلهم، واليوم تتهجم على الفعل الإسرائيلى الوحشى فى عرض البحر، ضد أُناس عُزل من السلاح؟!
أليس هذا الأمر غريباً حقاً وكيل واضح بمكيالين؟!
إنه السؤال الذى يواجهنى دوماً، وأنا أشاهد الإنسان المعذب فى أى مكان: لماذا يقيم الإسلاميون المحاكم، عندما يكون القاتل إسرائيليا والمقتول عربيا، بينما لا يفعلون المثل، عندما يكون القاتل والمقتول عربيين؟ أليس هذا الأمر يعبر عن عدم الاهتمام بهوية المقتول بقدر الاهتمام بهوية القاتل؟
فلم نسمع يوماً عن أى صوت إسلامى، عندما يُقتل عربى، شخصا مصريا أو مسلما بصفة عامة! ولكن نسمع أصواتهم عالية فى إطار تمثيليات معروفة للمحللين، عندما يكون القاتل أجنبى الجنسية! والمفترض، أن الإنسان يستيقظ ضميره بصفة عامة عندما يُقتل أى إنسان، وليس وفقا لتمييز هوية القاتل، إلا لو كان هناك غرض فى نفس يعقوب!
الصدفة المهمة أنه تمر فى تلك الأيام 43 عاما على هزيمة 1967، وربما كان اختيار أسطول الحرية، هذا التوقيت، متزامناً مع تلك المناسبة، ليس بالصدفة بالفعل!! فهو تذكرة، لمن يريد الذكرى بدرس تعرضت له الأمة العربية جمعاء، ولم تتعلم كثيراً، لأنها لا تزال تحيا فى ظلال اليوم السابع لتلك الحرب التى استمرت 6 أيام! إن التعامل مع الإنسان لا يزال نفسه! الخداع والرياء، باسم الإنسانية المعذبة، مازال هو السائد فى منطقتنا، ولكن اليوم، لم تعد المسألة خداع دولة، بقدر ما هو خداع البعض الذى يريد أن يستغل الاعتداءات على الإنسان لمصلحته الخاصة! قديماً، أعلن الرئيس عبد الناصر، تحمله المسئولية عن حرب يونيو، ومنع عبد الحكيم عامر، قائد الجيش المصرى وقتها، من تحمل نفس المسئولية، لأن إعلان تلك المسئولية، إنما كان بشكل من الأشكال خطابا لعب دور الضحية، وتعبير عن تبرئة ما لما حدث! اليوم، بعد 43 عاما من الهزيمة الكبرى، يخدعنا البعض الآخر، باسم الإنسان، تهجماً على القاتل وليس دفاعاً عن حق المقتول، منعاً لقتل متجدد! إنها الخدعة نفسها فى ثوب جديد!
إن الإنسان، أينما كان، هو الأساس، وهو الجدير بالاحترام، وليس هو مسار دعاية سياسية رخيصة! يجب على الجميع الوقوف مع الإنسان بعيداً عن الخدع واللعب بالقيم والأيديولوجيات والدفاع عن العقيدة السياسية، بعيدا عن روح الإنسان أياً كان انتماؤه! فلو قتل إنسان ينتمى إلى التيار الإسلامى، يجب على الجميع الوقوف من أجل حقه! ولو قتل إنسان ينتمى إلى أى تيار سياسى آخر، يجب الوقوف مع الحصول على حقوقه!
إن هوية القاتل والمقتول ليست ذات أهمية تذكر، طالما أننا نناقش حق الإنسان! أوقفوا التلاعب بالأرواح من أجل نيل مصالح دنيوية ضيقة! أيقظوا ضمائركم من أجل هذا الإنسان، وإن كان منبركم هو الدين، فلا تلوثوه، بمصالح البحث عن كراسى سلطة أو انتقامات لن تجلب الحق، وإنما ستزيد الظلم أياما وليالى.. وسنوات وعقود! يجب أن نتوحد جميعاً كبشر، عندما يأتى الأمر للحقوق الأساسية لأى إنسان، وليس أن نتفرق على أساس مصالح ضيقة من أجل إعلاء أجندات ومصالح، لا تهتم بالإنسان من الأصل!
• أستاذ علوم سياسية.
• صابر