لا أدري لماذا يستغرب الناس من قول محمود شعبان بخصوص قتل المعارضة!

ولا أدري بأي وجه انبرى هؤلاء الشيوخ ممن يسمون بالمعتدلين لمهاجمة الرجل الذي لم يفعل سوى أن تحدث ببعض ما هو موجود في الطبقات الجيولوجية العديدة للتراث الإسلامي الذي يحمل ثقله المشايخ معتدلوهم قبل متطرفيهم جيلا بعد جيل بلا جرأة على مواجهة ما قاله السلف والخلف.

أفهم أن ينتقد محمود شعبان في سوقية وهمجية التعبير فهذا ما يفرقهم عنه حقا. أما ما عدا ذلك فأقصى ما يفعله المعتدلون هو أن يحاولوا أن يأتوا ببعض المنقولات المعتدلة من داخل سوق الفقه التاريخي الذي يحوي في نفس حدوده الأراء المتطرفة التي يستدعيها أخرون في تلك المسائل الحساسة كقتل المرتد أو المعارض و غير ذلك من الأمور التي تقف بالمجتمعات المسلمة على عتبة استحقاقات حقوقية و أخلاقية وإنسانية كثيرة لا تزال غير قادرة على عبورها بحسم.

فتلك الأراء قد صدرت من أئمة وفقهاء هم أنفسهم يعتبرون أهل اجتهاد واعتبار عند أصدقائنا المعتدلين. الفرق أن المعتدلين من أزهريين متمذهبين أو ممن يعرفون بالإسلاميين المستقلين لا يقولون بتلك الآراء ولكن مع إبقاء الاحترام والتبجيل لها والإصرار على ابقائها ضمن دائرة المرجعية الإسلامية باعتبار أن قائليها هم من أهل السنة والجماعة ولهم أجر في كل الأحوال على الاجتهاد في حالة الخطأ.

محمود شعبان لم يأت بشيء غريب لم يألفه المسلمون في تاريخ الفقه والسياسة. الحقيقة أن المذاهب السنية الأربعة تقول بقتل المرتد مع اختلاف في التفاصيل. والحقيقة أن قتل المعارضين السياسيين كان سنة الحكام المسلمين على مر العصور والدول المختلفة. والحقيقة أن معظم المذاهب تقول بعقاب تارك الصلاة قد يصل الى القتل. والحقيقة أن رمز الاعتدال الشيخ محمد الغزالي كان يرى أن فرج فودة يستحق القتل ويُخَطِئ قاتله فقط في أنه فعل أمرا ليس من اختصاصه بل من اختصاص الحاكم. والحقيقة أن صلاح الدين الأيوبي “المتسامح” قد أمر بقتل الفيلسوف شهاب الدين السهروردي لا لأنه كان يعارضه بل لشبهة تشابه بين ما نقله فقهاء السلطة من كلام السهروردي في بعض أمور الدين وبين رأي معارضي صلاح الدين من الشيعة. والقائمة طويلة!

لم تعد نظرية توفيق المتناقضات وتجاهلها أحيانا تجنبا للصدام مع المسلمات الموروثة أمرا صالحا. لقد استهلكت تلك النظرية كل رصيدها منذ بداية علاقة المسلمين بعصر الحداثة. لقد أصبح ذلك التوجه خطرا على الإسلام نفسه وتحديدا في بلادنا العربية. لم يعد هناك بديل عن القرار أنه عند نقطة ما يجب الإقرار بفكرة أن البعض أو الكثير مما فعله القدماء لا يلزمه تبرير او حفظ لأنه يمكن أن يُخَطّا أو أن يُرْفض سواء رفضا لذاته أو رفضا لتجاوز الزمن له. لم يعد يجدي ذلك التجميل و الترقيع الظاهري الذي يقوم به الخطاب الديني المعتدل بلا انتقال من التجديد في الفروع الى التجديد في الأصول و المقاصد بهدف إعمال العقل الاستدلالي لمعرفة خير الانسان في المقام الأول وليس بهدف الحفاظ على القديم من أجل الحفاظ الأعمى عليه بلا أي غائية خيرية إنسانية واضحة. فكلا من الأصول والفروع هما من صنع الانسان الذي قرأ النص المقدس في لحظة ظرفية ما, أما النص المقدس نفسه فهو لم يخلق لنفسه سلطة أو أحكاما أو أصولا لتحديد إلزامية أو ترجمة معينة  له في الواقع الزماني والمكاني.

وربما يحضرنا هنا قول الفيلسوف الإسلامي الكبير محمد اقبال في معنى ختم النبوة. فهو يرى أن مفهوم ختم النبوة ودور الرسالة الأخيرة هو التأسيس للانتقال من مرحلة الاعتماد على النبوة الى مرحلة العقل و الرشد الإنساني بعد أن قطعت الإنسانية شوطا من النضج في الوعي كان يستلزم توالي الرسالات. وذلك لا يعني ترك الرسالة الأخيرة بل استشراف رسالتها التاريخية الحقيقة بما فيها من معاني روحية وقيم الخالدة تشترك مع كل الرسالات بدلا من الاستمرار في اتباع جوانبها الحرفية الظاهرية التي جاءت في اطار ثقافي يناسب المكان الذي ظهرت فيه, وليس لأن تتحول الى سلطة الزامية في حد ذاتها.

يقول محمد إقبال:

“النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في حاجة إلى إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يقاد منه، وإن الإنسان، لكي يحصّل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يُترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو”.