ليس من عادتي كتابة المقالات حيث أكتفي دائما بكتابة التعليقات على صفحات الفايس بوك لأنني من محبي الحوارات والنقاشات التفاعلية لذلك أجد المقالات هي فقط حوار في إتجاه واحد وربما أيضا لإيماني بعدم قدرتي على صياغة المقالات إن كانت باللغة العربية أو الفرنسية، المهم أنني فكرت في صياغة هذا المقال إثر تجربة قمت بها في حصة على تلفزيون ال ل ب س بعنوان أحمر بالخط العريض وكان موضوع الحصة الإلحاد، فعدم قدرتي على إبداء رأيي أو حتى الإجابة على تساؤلات الطرف المقابل إذ أن الهدف من البرنامج كان بالطبع إرضاء المشاهد الذي كان بطبيعة الحال ذو أغلبية ساحقة مؤمنة مما يفسر آنحياز مقدم البرنامج للطرف المتدين، حثني على كتابة هذه الأسطر كمحاولة ألخص فيها تجربتي في حواراتي مع المؤمنين وخاصة المتدينين منهم٠
ما لاحظته من خلال نقاشاتي مع المؤمنين هو الحقد تجاه الملحدين فعندما يسألك المؤمن سؤالا يتعلق بالإلحاد فهو لا يريد منك إجابة بل حتى يرفض الإستماع إليها أو يتظاهر بسماعها، فهو أصلا لا يبحث عن فهم الإلحاد أو يناقش فيه بل ما يبحث عنه بطرح أسئلته بدون سماع الأجوبة هو إقناع نفسه فقط بأنه يفكر ويستخدم عقله للوصول إلى إمانه، وهنا يكمن حقد المؤمن على الكافر، فصورة الكافر عند المؤمن تستفز الأمان النائم أوالراكد بداخله، لذلك أحب دائما إستخدام مصطلح الأمان عوضا عن الإيمان للتعبير عن المعتقدات الموروثة بداخل لا وعي المؤمن التي تغنيه عناء التفكير والبحث عن التساؤلات الوجودية، فكلما هززت أو حركت هذا الأمان الكامن بداخله كلما كان حقده و ردة فعله أعنف، هذا الخوف جعل من المؤمن يسلم و يصدق بأبسط الأشياء التي يسردها له معتقده بدون أدنى شك أو تفكير مهما كان مستوى التعليمي لهذا المؤن بحيث أن لاوعيه الديني هو الذي يحركه عوضا عن عقله، فمثلا لو تحدثت مع طبيب مسلم بخصوص نظرية علم تطور الإنسان فهو سيرفضها كليا برغم كل الأدلة العلمية و المنطقية التي أثبتت هذه النظرية أما إذا قلت له بأنه في الماضي كان هناك رجل طيب قام ببناء قارب ضخم في قلب الصحراء وجمع في هذا القارب كل أنواع الحيوانات على الأرض فلا نعرف مثلا كيف قام بجلب حيوان الكنغر من أستراليا وكيف قام بإرجاعه هناك ثانية بعد إنقاذه من الطوفان لأنه على حد علمنا لا يوجد هذا الحيوان في أي مكان في العالم إلا هناك، دون الحديث أيضا عن باقي الحيوانات التي لا توجد إلا بأمريكا أو إفريقيا و ربما كان ذلك سببا في إنقراض الديناصورات لعدم وجود مكان لها في القارب فأي قارب هذا الذي يستطيع حمل كل أزواج الحيوانات والحشرات حتى بدون الديناصورات؟ ولو كان ذلك بإعانة من الخالق فما الداعي بالإستعانة بإنسان بسيط وهو القادر على كل شيء؟ إذا كان ذلك لإثبات وجوده لخلقه في ذلك الزمان والمكان فلا يوجد داعي لذلك
لأن كل الذين أراد أن يثبت لهم وجوده قد ماتوا بأكملهم جراء الطوفان، كما أنه لا ذنب لبشر اللذين يعيشون بعيدا ولا يدرون سبب موتهم بهذا الطوفان؛ عندها سيتعمد هذا الطبيب آستخدام عقله ويقول بأن الطوفان كان منحصرا في منطقة عيش نوح، فإذًا مالفائدة من جمع كل أزواج مخلوقات الكون لحمايتها من الإنقراض بما أنها موجودة في مناطق أخرى من العالم لم يدركها الطوفان؟ وما الفائدة أصلا من كلٌ هذا بما أن الّلذي خلقها يستطيع إعادة خلقها من جديد أو أنه نسي كيفيّة خلقها ؟
إذا يسلّم هذا الطبيب اللّذي من المعقول أنه يتمتّع بقدر ما من الذكاء بهذه القصّة البسيطة لكي لا أقول سخيفة و يقبلها كلّيا رغم أنها غير منطقية تماما وفي نفس الوقت يرفض التصديق ولو جزئيا بنظرية تطور الإنسان بالرغم أنّها تستند على أدلّة مادية، علمية، منطقية، وحتى من خلال الحفريات الّتي تؤكد ذلك؛ هنا يبرز دور اللاّوعي الدّيني للإنسان في إعاقة العقل عن التفكير والإدراك٠
ما لحظته أيضا عند نقاشاتي مع المؤمنين هو خوفهم أحيانا وكرههم أيضا للفلسفة، كما يقال، من تفلسف تزندق، وكأنّ التفلسف أصبح من السيّآت عند البشر كالكذب والسرقة والغدر٠٠٠ وأصبح التفلسف إتهاما فضيعا يتّهمونك به بينما هو من المفروض أن يكون من الحسنات وفخرا لكلّ إنسان أن يكون فيلسوفا يستخدم عقله لتحليل الأشياء وفهمها٠
فمن الصعوبات الّتي أجدها عند نقاشي مع المؤمن عدم قدرته عن إدراك أو فهم أبسط المسائل الفلسفية أو المنطقية لتحليل بعض الأشياء لأنه يربط كلّ شيء بالإلاه ، فمثلا عند مناقشتي لأحد الحضور في البرنامج التلفزيوي الّذي ذكرته سابقا، على آستحالة وجود مفهوم للقدرة الكلّية والمطلقة منطقيا، وهذه من أهم سمات الخالق كما تعلمون، تحدّاني هذا الشخص بأنه يستطيع آقناعي فقط باستعمال أدلّة عقلية و منطقية، فلمّا سألته بطريقة مبسطة جدّا وبمثال بسيط عن إستطاعة لكائن ما أو غير كائن تسمّيه آلاها أو ما تريد أن يخلق شيئا أقوى منه ؟ سكت لبرهة ثم زعم عدم فهمه لسؤال، بالطبع لأنّ في كلتا الحالتين ولا ثالث لهما إن كانت الإجابة بنعم أم لا فهي دليل على إستحالة وجود قدرة مطلقة منطقيّا؛ وفي الأخير كانت آجابة هذا الشخص المعتمدة على أدلّة عقلية ومنطقية كما زعم قبل سؤالي، هي أنّ اللّه لا يريد خلق هذا الشيء القوي، أتدركون؟ أنا أتكلم عن القدرة الكلّية كمفهوم غير منطقي وهو يحدّثني عن مزاج إلاهه، كما أنّه لو أراد فعل فعل ذلك لقام به٠
مرّة جاءني صديق يشفق عن حالي معتمدا في ذلك على ذكائه في تقدير الربح والخسارة، فلمن لا يعرفني، فأنا أنتمي إلى مدينة صفاقس التونسية و سكان هذه المدينة مشهورون بموهبتهم في التجارة وفطرتهم في حسن التقدير بين الربح والخسارة، وكان صديقي هذا وإبن مدينتي لا يختلف عن هذه القاعدة فهو يحلّل كلٌ شيء بمنطق الربح والخسارة، فقال لي يا سفيان أنا أشفق عليك، فأنت إنسان ذو أخلاق جميلة وروحك طيبة، فمن الخسارة أن تذهب إلى النار لرفضك التّصديق بوجود الّله، فلو تؤمن به فآحتمال ربحك سيكون بنسبة 100% أمّا بعدم إيمانك سيكون إحتمال ربحك 50% فلماذا لا تسلّم بوجود الّله وترتاح وتريحنا معك؛ أجبت صديقي هذا بنفس منطق الربح والخسارة الّذي يرتكز عليه ، إذا أردت مثلا أن أتبع منطقك وأكن مؤمنا فماهو الدّين الّلذي يجب عليّ إتّباعه؟ لأنٌني مهما إخترت دينا ما فإنّ مصيري النار بالنّسبة لبقية الأديان الأخرى، باستثناء الدّين اليهودي اللّذي لا يوجد فيه مفهوم الحساب والجنّة والنار، والّذي لا أستطيع الإنتماء إليه في كلّ الأحوال بما أنّه دين يورث ولست من أمّ يهوديٌة الأصل لكي أرث هذا الدين، فهنا نسبة إحتمال دخولي إلى الجنّة سوف تنقسم على عدد الديانات الموجودة في عالمنا هذا وهي لا تحصى ولا تعد، و إذا قبلت مثلا بالنسبة المتبقية لدين الإسلام اللّذي هو دينك فالإسلام نفسه يقول بأنّه سيكون هناك 74 مذهبا أو فرقا واحدة منها فقط ستنجو وتدخل الجنّة، فعلينا إذا أن نأخذ تلك النسبة المتبقية لدين الإسلام مقارنة بالديانات الأخرى ونقسمها مرّة أخرى على 74 فالنتيجة هنا ستكون ضئيلة وبعيدة كل البعد عن نسبة ال 100% اللّتي يزعمها، اضف الى هذا فان الاديان لاتطلب مني مجرد الايمان بل تطلب مني عشرات العبادات والشعائر والضرائب المالية فاذا اتضح انه لايوجد اله فقد اضعت وقتي ومالي الذي كان من المفترض ان اصرفه بما هو اكثر فائدة، اذن اذا لم يكن الاله موجوداً فقد خسرت كل شيء فحياتي ضاعت سدى في انتظار وعبادة شيء غير موجود، فمن فضلك أترك لي نسبتي وهي 50% اللّتي لا تتجزّأ ودعني أعيش حياتي منسجما مع قناعاتي ٠ لم يستطع صديقي الردّ عليّ منذ ذلك اليوم ويرفض الحديث معي في موضوع الدين، فإمّا هو غاضب منّي لأنني جعلته يدرك خطأه في حساباته وهذا يعتبر آهانة لرجل صفاقسيّ يعتز بأهم ميزة يفتخر بها، فكأنّك قلت لساحليّ بأنّه لا يعرف كيف يشتم و
يسب أو قلت لمصري أنت لست صاحب نكتة أو قلت للبناني إنك بسيط وغير مركب، وإمّا أنّ صديقي هذا أعاد التفكير في حساباته ووجد أنّه مخطئ فتزعزع أمانه أو إيمانه ممّا جعله يشك وبذلك يخاف التطرق ثانية للموضوع ٠
ختاما أردت بمقالتي هذه أن أعبّر عن القليل من ما أعيشه من صعوبات عندما أناقش المؤمنين أو المتدينين ، صعوبات لا تتعلق بقدرتي على الدّفاع عن إلحادي، بل تتعلّق بطبيعة المؤمن بحدّ ذاته مهما كان مستواه العلمي، فمثلا كيف تريدني مناقشة باحثة دكتوراه في مجال علمي تقول لي بل وتأكّد بقناعة تامة أنّ نوال السعداوي مسخها اللّه على تلك الشاكلة القبيحة في نضرها طبعا، لأنّها كافرة وتنقد الدين، وكأنها تريد أن تقول لي بكلامها هذا أنّني قبيح جدّا وممسوخ من عند الّله وهي الّتي تتمتع بجمال خلّاب ؟ بصراحة حتى مجرد التعليق على هذا يعتبر سخافة٠ إذا عندما أريد مناقشة متدين في مسألة الإلحاد، فإمّا أجده غير قادر على فهم التفسيرات المنطقية والفلسفية اللتي أطرحها مهما قمت بتبسيطها لأنه غير متعود على التفكير مستعملا المنطق خصوصا في المسائل الدينية وإما أجده يجهل دينه أصلا ولا يعرف إلاّ القليل منه من خلال ما لقنوه له ودرسوه إياه أو من خلال ما يشاهده أحيانا عبر التلفاز أو يسمعه من هنا وهناك، هذا بالطبع في حال قبول المؤمن النقاش معي لأنه في أغلب الأحيان كل ما يقوم به هو شتمي وسب عائلتي ثمّ تهديدي بدون مبرّر دون أن أعرفه أو أحاوره، وكأن الملحد يقوم بالتبشير عن دين جديد أو يدعو للهداية كما يفعل المؤمن، فهذا الأخير لا يبحث عن النقاش بل الهداية كما يقول؛ فالملحد كلّ ما يرمو إليه هو النقاش، التساؤل والبحث عن أجوبة منطقية حتى ولو لم يجدها، فكل ما أطلبه هو آحترام حرية تعبيري، فأنا لا أرغم متدين أو مؤمناً على عدم إيمانه أو عدم تدينه والإشهار به، فلماذا يطلب مني أنا السكوت؟ من فينا هنا الّذي لم يحترم الآخر إذا؟
أخيرا يضحكني كثيرا المؤمنين عندما يندهشون لكوننا نفتخر بكفرنا أو إلحادنا، وكأنّ هذين المصطلحين هما شتيمة أو وصمة عار، متناسن أنهم أيضا كافرين و ملحدين مثلي أنا، فالمسلم هو كافر بدين المسيح والأديان الأخرى ، والمسيحي كافر بدين الإسلام وبقية الأديان الأخرى أيضا فالكل كافر في نظر الآخر اللّذي يؤمن بدين غير دينك؛ أما الإلحاد فكلنا ملحدين بدون إستثاء، إن كنت مسلم أو مسيحي أو يهودي، فأنت ملحد بإلاه الهندوس وإلاه الإغريق والرومان والبوذيين و إلخ ، فكل ما فعلته أنا، أني ضممت الإلاه الإبراهيمي لقائمة إلحادي، فسامحني يا صديقي المؤمن إذا فاجأتك بالحقيقة المرّة بكونك كافر وملحد مثلي، فلا تعتبرها شتيمة أو عار وكن فخورا بذلك

سفيان دافيد