أنا على يقين بأن نموذج أردوغان ليس النموذج المثالي الذي يمكن أن يحتذى به و خاصة في مجال حقوق الانسان و القضية الكردية و إن كان هناك بعض المواقف التي يمكن أن تحسب له (ليس هنا مجال ذكرها و قد تعتبر تلميعاً للرجل). و مقالتي السابقة، كانت أساساً موجهة ضد ممارسات الساسة الليبيين الفاسدة (بعد الثورة) و تأتي ضمن مقالات  كتبتها على قادة معاصرين (دي سيلفا في البرازيل، مهاتير محمد في ماليزيا و أردوغان تركيا) اللذين إستطاعوا خلال فترة وجيزة  إعادة روح المواطنة و إعادة الثقة الى شعوبهم. لقد إستطاع أردوغان (بدون تحليل النوايا) الى أن يرجع تركيا الى مجالها الواقعي -الاسلامي و العربي- و تحقيق مصالح إقتصادية و سياسية لأمته…

ما أود أن أوصله الى المتلقي في هذا المقال هو أن: الهدف العام للدولة و القرارات الاستراتيجية الصائبة يمكن أن تعيد صياغة التفكير الجمعي للمواطن و توحيده و تركيزه لتحقيق أهداف معينة، خيراً كانت أو شرا. ولنا في التاريخ عديد الامثلة: بداية من النبي محمد صلى الله عليه و سلم و مروراً بجانكيز خان، هتلر، صلاح الدين، ناصر، السادات، صدام، و ساترك البقية للقاري.

و لأن الدولة لا إحساس و لا شعور لها، فإن القادة و قراراتهم و سياساتهم و -تصرفاتهم- من خلال آليات الفعل السياسي في الدولة المدنية (برلمان، رئيس، رئيس وزراء) هي من يعبر عن الدولة و يطرح أفكارها على الساحة المحلية و الدولية، و يحدد مصير الشعوب إقتصادياً و سياسياً.، و للمواطن أن يعارض من خلال منظمات المجتمع المدني  و الإعلام الحر و الخروج لميادين التحرير؟

لا شك في أن هناك براغماتية في سياسات أردوغان و غيره من القادة (محل مقالاتي)… و لكن الهدف أمامهم واضح: بث روح الإيجابية في المواطن و فتح المجال أمام قطاع الاعمال في بلدهم لتحسين الإقتصاد و توفير فرص عمل و هذا ما تعانيه و ثارت عليه أغلب شعوب (الربيع) العربي.

لم يكن موقف أردوغان من شيمون بيريز في دافوس غيرة على الشعب الفلسطيني و لا مواقفه من غزة عطفاً على اليتامى و المساكين فيها… و لكن رفعاً لأسهم تركيا في الوطن العربي (دغدغة عاطفية) و قد حقق ما يريد فأنهالت علينا الشركات التركية و (مهند و لميس) في ليبيا و الخليج بصورة غير مسبوقة و حققت زيارات العرب لتركيا و الصادرات التركية للعرب أعلى معدلاتها و لازالت.

في حرب العراق كانت مصر و الدول العربية رأس الحربة في عاصفة الصحراء و لم تتحصل الا على الحصرم و مد ايراني في العراق و مزيداً من التبعية للغرب في حين كانت مشاركة تركيا مقابل تنازلات من الغرب من أهمها غض النظر عن القضية الكردية …

في ماليزيا… كان تقارب مهاتير محمد مع الغرب و الشركات الامريكية أحد الروافد و الاسباب الرئيسية للنهضة الاقتصادية من خلال الاستثمارات المباشرة… وبعد الأزمة الاقتصادية في 1998 و انسحاب الرساميل الغربية من ماليزيا ركز رئيس وزرائها على الخليج العربي و حاول تسويق التجربة الماليزية هناك فلعن الأمريكان و اليهود و قال بأنهم سبب المشاكل و كان ذلك في دبي و تذكر القدس و دندن على قضيتها العادلة في زيارته للسعودية، ليس حباً في القدس و الفلسطينيين و لكن (دغدغة عواطف) لجلب أستثمارات العرب، وقد حقق هذا الهدف و بجدارة.

أعود و أذكر بأن اردوغان ليس نموذج مثالي يحتدى به و خاصة في مجال حقوق الانسان و قضية الاكراد… و لكنه رجل يعرف كيف يحقق مصالح أمته التركية و يوحد الهدف العام لها، و مواقفه و سياساته تبنى على هذا الاساس و هذا ما لا يفقهه ساستنا و لكم مثالين صريحين صارخين:

1- مرسي: عضو مجلس شعب و سجين سابق -في عهد مبارك- و قيادي مخضرم في حركة الاخوان. فاز في إنتخابات الرئاسة المصرية بنسبة 51% مقابل 49% لشفيق (يصنف فلول حالياً و هارب من العدالة)… خلال أقل من سنة ماذا حقق: توتر في العلاقات و إن لم تكن معلنة مع كل من:

- ليبيا: بعد إستراتيجي و إمتداد جغرافي مهم لمصر، حيث الزم الليبيين بضرورة الحصول على التأشيرة لدخول مصر (إجراءاتها غاية في البيروقراطية و قد عانيت منها شخصياً – انتظرت 10 أيام و قال لي القنصل المصري أن الطلب ارسل الى الامن القومي المصري أو ما شابه و أن الطلب تحت التحري؟؟؟ بيروقراطية بتزهق كما يقال في مصر)، و كان مليون ليبي يزورون مصر سنوياً قبل الثورة بدون تأشيرة، و هناك 2 مليون عامل مصري في ليبيا – فرصة إقتصادية ضائعة-.

- الامارات: اتهامات بدعم الأخوان لجماعات تبث الفوضى داخل الامارة  و ردود فعل صبيانية و غبية من طرف حكومة مرسي… فوتت الفرصة لدعم مالي و إقتصادي من طرف دولة كانت على مر العصور رافداً لمصر و إقتصادها.

- السعودية: علاقات متميزة مع مصر منذ الازل، و قدمت 4 مليارات دولار الى مصر بعد الثورة… قابلها مرسي بتقارب غير مبرر و حميمية مفرطة مع إيران -الدولة الأكثر مشاكسة في المنطقة العربية: سوريا، البحرين، السعودية، لبنان، غزة إضافة الى أنها هي العدو الازلي للسعودية.

لم نر الشعب المصري منقسماً بهذا الشكل إلا في عهده و مشاكل الاقتصاد المصري تتفاقم يومياً و لا أضن بأن هناك رئيس بارع في تجميع أكبر عدد من الماقتين لسياساته و الكارهين له مثل مرسي. آمن بأنه رئيس لشعب مصر بكامله و نسى أن 49% من الشعب صوتوا لغيره ليس حباً لشفيق و لكن كرهأ للإخوان.

من سياساته ( الخلاقة) عزل في قيادات الجيش ليس في محلها و لا وقتها، تهم لشفيق (منافسه الذي خسر بفارق بسيط)، إقصاءات بالجملة لمن يعارضه، فصل في سلك القضاء و النيابة لمن يتهمهم بالفلول، إستجداء للبنك الدولي. سياسات لايمكن أن تصدر إلا عن فكر إقصائي من الطراز الاول باض و فرخ و ترعرع في السجون كارهاً لمن يخالفه و لا يرى العالم إلا من خلال عباءة المرشد و توجيهات الجماعة. ببساطة (مرسي رئيس مابيشوفش تحت رجليه…).

2- حمادي الجبالي: إخواني من الطراز الرفيع… قضى في السجن 20 عاماً منها 10 سنوات إنفرادي، أدخل أكثر من مره الى مستشفى الامراض النفسية للعلاج. بعد ثورة الياسمين التونسية كان يدعو الى دولة الخلافة الراشدة السادسة(!!!) بعد عام من حكومته و عند كسر حصالته السياسية، ماذا وجدنا: إقتصاد شبه منهار، تضخم، بطاله، إنتشار الفكر السلفي الجهادي،… و درة هذه الحصالة كانت إغتيال المعارض التونسي شكري بلعيد الامين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين (كان من أشد المدافعين عن حزب النهضة في عهد بن علي) و كان الاغتيال بسبب فتوى من شخص متشدد…

و ها هو الخليفة الراشد السادس الان يحاول تشكيل حكومة توافق وطني من خارج الجماعة، الامر الذي كان يفترض أن يكون في مصر و تونس منذ البداية و لكنهم تناسوا أن الثورة كانت ثورة شعب و ليس إخوان، و إنهم يحكمون شعوب قد خرجت الى عالم الديمقراطية بولادة قيصرية موجعة نزفت خلالها الكثير من الدم.

لم يكن الهدف من مقالتي السابقة الدعاية لأردوغان أو منهجه و لكن الرجل يحسب له و عليه،،، و ما يميزه عن الأخرين من شاكلته (الحاكمين بأمر الله)  أنه رئيس وزراء الشعب التركي بكامله و ليس للأخوان و أنه يفكر بلغة العصر و يتعامل بقوانين اللعبة السياسية و الاقتصادية  كما تفرض و لا يحاول أن يخترع ما هو موجود.