قبل 800 سنة كتب الفيلسوف و الفقيه الاندلسي أبو الوليد إبن رشد “الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل”، و كانت هذه بداية محاولات تحرير العقل العربي و الاسلامي من القيود التي فرضت عليه من قبل الحكام و من حولهم من الفقهاء فالله “لايمكن ان يعطينا عقولا ويعطينا شرائع مخالفة لها” يضيف ابن رشد. و قد حاول فقيهنا الاندلسي تأسيس مدرسة فكرية تعيد للعقل مكانه الاصيل كوسيلة لمعرفة الحق و رؤيا الواقع المعاش و تحليليه و إتخاذ المواقف منه بعيداً عن سلطة الدولة و فقهاءها.

 رأى إبن رشد أن مكانة المرأة لا تقل عن مكانة الرجل، فلها حق القيام بالأدوار التي يقوم بها الرجل مثل السياسة و التجارة وغيرها، وأن المجتمع بظلمها هذا الحق إنما يحد من تطوره. و أمن بجمهورية أفلاطون المثالية، وكان رأيه في الدين انه أحكام شرعية لا مذاهب نظرية، وكان يرى أن معاوية بن أبي سفيان مسئولاً عن كل المعاناه التي شهدها العرب  بتوريثه ابنه يزيد “حكم استبدادي”. و لعل هذه الاراء المتحررة في ذلك الزمان (و لعلها لازالت) هيجت عليه صدر أمير قرطبة و الحاقدين من مشايخ البلاط، فحوكم و أتهم بالزندقة فأحرقت كتبه و نفي الى قرية ميسانة النائية، و عند خروجه الى المغرب أمسكه أهلها ونصبوه أمام باب الجامع للبصق عليه عند الدخول والخروج، هرب الى مراكش فأعتزل الناس الى أن مات ودفن.

كانت قرطبة في ذلك الزمان تمثل موطناً و مزيجاً لثقافات عدة، فوجدت أفكار و شروحات الفقيه المسلم إبن رشد سبيلها الى أيدي بعض المترجمين اللاتينيين فترجمت أعماله ووجدت رواجاً بين طلبة العلم في أوروبا و التي كانت تعاني من سلطة الكنيسة على مناحي الحياة الفكرية. و في سنة 1224م و بطلب من ملك إيطاليا تم تدريس تراجم الفقيه ابن رشد في جامعة (نابولي) التي أسست خارج سلطة الكنيسة، وعندما أراد الملك لويس الحادي عشر ملك فرنسا إصلاح التعليم الفلسفي في سنة 1473م طلب من المدارس “تعليم فلسفة ارسطو وشرح ابن رشد عليها لأنّه ثبت أنّ هذا الشرح صحيح مفيد”، و أسست في باريس مدرسة تسمى المدرسة الرشدية نسبة الى فقيهنا.

إنتشرت أفكار ابن رشد في مدارس أوروبا، و حاربتها الكنيسة بسبب أرائها المتطرفة و الداعية لتحرير العقل و فصل سلطة البابا عن الدولة، ألا أن الوقت قد فات فقد تغلغلت أراءه الفقيه وأصبحت أحد روافد تيارات النهضة و التنوير في أوروبا و بناء الدولة المدنية الحديثة.

إن عملية مسح (Scan) بسيطة لأغلب عقولنا، عامي كان أو مثقف، أو سياسي، أو رجل دين، أو محلل سياسي أو إعلامي لا يمكن أن تخرج عن كونها عقولا مسلوبة فكرياً. فعندما نعجز عن رؤية البدائل و لا نختار إلا ما يقدم لنا على الطاولة، فهذا هو الاستلاب، وعندما يسوق الإعلام بأن بلادنا من أغنى دول العالم فهو يمارس إستلاب العقول، و عندما يردد السياسي بأن دولة قطر قد ساهمت في الثورة وقوفاً مع الحق فهو مسلوب العقل (أو مستأجر بالمال الى حين)، و عندما ينتظر المواطن إشارات من المفتي للمطالبة بحقه فهو مسلوب العقل.

إن ثقافة إستلاب التفكير العام في الدولة كانت و لا زالت تمارس من قبل الحكام و رجال الدين و الاعلام بجهالة في بعض الحالات و بطرق ممنهجة في أغلبها، و تؤدي في كلتا الحالتين الى تكوين ثقافة الاستلاب الفكري داخل المجتمع حيث يستشري الإحباط العام (ماتغير شي الحال قاعد زي قبل¡¡¡)، و إنتشار حالة الكسل العام في المجتمع (و الله معاد صاير منها ¡¡¡)، إنتشار حالات التبعية (نبو ليبيا زي دبي… أو فكونا من أفريقيا و توا نبو الغرب ¡¡¡)، و الإنكفاء على الذات و المصلحة الانية و عدم وجود رؤيا إستراتيجية ( قبيلتنا هي اللي قامت بالثورة،،، و لو نعلنوا ولاية برقة تو تبحبح الأمور ¡¡¡) .

إن وجود مجتمع مسلوب التفكير بسبب مشاكل الرماتزم المزمنة و حالة الإحباط العام هي الأجواء المناسبة لوجود حزب يحكمك بإسم الدين و يجعل من إبن رشد زنديقاً تبسق على وجهه فتدخل الجنة.