1
جد لية الثقافي/ والسياسي
عند مالك بن نبي

لا حديث عن الإقلاع الحضاري إلا اذا تمكن الإنسان من الاشتغال على آليات ومشاريع ونظريات قابلة لبناء نسق حضاري متميز . فمن بين الآليات المفترضة لهذا الإقلاع الدولة, من خلال الاشتغال عليها لتصبح كيانا متجانسا ومتناسقا وفي تطابق تام مع المجتمع غير متنافر.فمن بين أسباب الانحطاط الحضاري لهذه الأمة الصراع القائم بين الدولة والمجتمع فلا يمكن انجاز حضارة بصورة كاملة دون فض هذا النزاع التاريخي .
فتمظهرات الحضارة ليست هي الحضارة فقد ينتعش العمران و يتطور وتتقدم العلوم وطرق الاستهلاك و لكن حينما ننادي على الإنسان ونتفقد أحواله نجده قابعا في السجون تهمته الرأي والفكر و الكتابة فهو ممنوع من الكلام ومن التفكير يعيش تحت وطأة الاستعباد والعبودية الجديدة ليس له حق إبداء الرأي ومناقشة الأخر المالك لميزان القوى وأدواتها وسلطة الدولة حتى لو كان هذا الرأي يصب في مصلحة المجتمع والدولة .فأبواب المدينة مزينة بشعار .

لقد عاشت الأمة هذا السجال التاريخي عبر التاريخ الإسلامي إلا شذرات منه والنادر والاستثناء لا يقاس عليه كما يقال “لكن ما أرغم الدولة عن الانحراف عن طبيعتها هو أصحاب النفوذ والمنتسبين إليها إداريا و لقد تحولت ممتلكاتها السياسية و الاقتصادية إلى ممتلكات خاصة بهم” 1 . هنا مربط الفرس بحيث ان السياسي والثقافي وجدا نفسيهما لا يشتركان في الأهداف والغايات, فكان الصراع.ومن بين المعالجات التي أشارة إلى هذا الجدل آراء الإستاد مالك بن نبي شارحا في عدة مقالاته خلفية هذا الصراع وإمكان التجانس لتحقيق الإقلاع الحضاري يقول السيد بن نبي ” فبقدر ما تستعيد المدرسة معناها الأصيل تستطيع
القيام بدورها الثقافي وبالتالي السياسي حيث تكتسب بعدا وطنيا و عالميا بفضل من تهب لها الثقافة من تفتح على القيم التي اكتسبها الفكر الإنساني”-2 إذا ما هو السياسي وما هو الثقافي وحدود كل واحد منهما في المساهمة في الإقلاع الحضاري.
السياسي عند مالك بن نبي.

لا شك أن المقصود بالسياسي تلك الممارسة الفعلية لإدارة كل الجوانب المرتبطة بقضايا الحقوق والواجبات للفرد والدولة على السواء.لكن هذا السياسي قد يتحول إلى لغم لفقدانه الأصالة في الواجبات والحقوق و تحوله إلى بوليتكا على حد تعبير السيد مالك بن نبي في سياق حديثه عن ما بعد الثورة الجزائرية وتبيانه انحرافات السياسي عن طبيعته وأصوله وأهدافه .يقول السيد مالك بن نبي ” لكن الشعب الجزائري بالرغم من المغالطة التي خيبت أمله أكثر من مرة لم يفقد صحوته فلم تمر مدة طويلة حتى اكتشف الخدعة فميز بين السياسة و الصورة التي زيفت عليها فمسمى الصورة المزيفة البوليتكا إن هده الكلمة أطلقة رصاصة تجاه المخادعة والنفاق إنها مكنسة كنس بها الشعب المزابل التي تكومت في سوق البوليتكا … إنها تثار للذين نادوا بالواجبات ورفعوا أصواتهم فوق من ينادي بالحقوق فقط كأنما الحق شيء يعطى مجانا. فالفرق بين السياسة والبليتكا هو ذاك أولا”
صحيح هذا الأمر فحينما يستعين رجال السياسة بالدولة ومؤسساتها لقضاء مآربهم تتحول الدولة إلى ملكية خاصة فتنحرف عن مسارها الصحيح مسببة عائقا في الإقلاع الحضاري ” لكن ما أرغم الدولة على الانحراف عن طبيعتها هو انحراف أصحاب النفوذ والمنتسبين إليها إداريا لقد تحولت ممتلكاتها السياسية والاقتصادية …إلى ممتلكات خاصة بهم من هنا سيبدأ انحراف الدولة عن وضيفتها العامة وسينضج الصراع القائم بين المظلومين والمستبدين فيتحول إلى صراع شاسع بين المجتمع والدولة -4 . وفي هذا السياق يتحدث السيد مالك عن تجربة الثورة الجزائرية بعد الاستقلال قائلا, لقد انتبه الشعب منذ أمد بعيد إلى النزيف الذي بثه في حياتنا السياسية بعض الدجالين أولئك الذين غالطوا الشعب حين بدا يتخلص فيه من خرافات المرابطين المؤيدين من قبل الاستعمار فعوضوا التمائم بأوراق الانتخابات ووضعوا الزعيم ملتحيا أو أمرد في مكان “الشيخ” إلا انه لباس أن أتذكر مرة أخرى ابرهام لينكلن , قد يخدع رجل كل يوم ويخدع شعب بعض الأيام إلا انه لا يخدع شعب كل يوم . لذالك فإننا نرى أن السياسي بالشكل الذي ثم تعريفه سابقا لم يعد له حدود ولا ضوابط أخلاقية ولا إنسانية انه يرى مصلحته في خدمة ذاته وهواه فالسياسي يرى في الغاية تبرر الوسيلة و إن أدى هذا الأمر إلى إخضاع الدولة إلى الحماية.

ما دام هذا الأمر يفي بمزيد من الإشباع النفسي والمادي لرجال السياسة فلا أخلاق معتبرة ولا قيم محترمة بل المحدد الرئيسي في السياسي هو المصلحة الخاصة والمشهد لم يتغير في الدولة المعاصرة. وكان هذا السياسي لم ينفطم بعد من التجارب السابقة في تاريخنا الإسلامي والتي أدت إلى انحطط المسلمين في هذا السياق يذكر السيد بن نبي حدثا تاريخيا إذ يقول ..”إننا نقتبس من تلك الأيام الحالكة حين قام النزاع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية” ض”… فمعاوية شعر بان السيف لا يحقق نصره فلجا إلى الحيلة إذ أمر قومه بان يحملوا المصاحف على رؤوس رماحهم وينادون هذا حكم بيننا …لقد كان هدا الصف موضوعيا بطريقته لان القران يمثل فعلا في نظر المسلم المرجع الذي يرجع إليه في كل نزاع خصوصا في نزاع سياسي كأنهم نسو الأمر الرئيسي في الموضوع وهو أن السياسة حين تكون مناقضة في جوهرها للمبدأ الأخلاقي فإنها لا تطرح قضية تحل بالقضاء ولكن بالسيف … ولم يكن علي “رض” الفكر الموضوعي الذي يخدع أو الذي ينخدع فقال كلمته المتواترة إنها كلمة حق يراد بها باطل” -5.
كلمة حق أريد بها باطل –منهج متبع في السياسة فتحت شعار امن الدولة و مؤسساتها أزهقت أرواح و عذبت أنفس و كممت أفواه هكذا حال الديمقراطية العربية والقومية العربية.

أما حال حقوق الإنسان فالدولة القومية تسمح بتأسيس جمعيات حقوقية تعلن التعددية وتقول بالحريات العامة في مقابل ذالك تجهز على المنظمات الحقوقية وعلى حق الإنسان في ابسط حقوقه الطبيعية كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المعاهدات الدولية إنها الحجة ونقيضها على حد تعبير المفكر الفلسطيني منير شفيق.

الثقافي عند مالك بن نبي

المقصود من الثقافي .الفعل الإرادي الذي ينسجم مع الأفكار والمفاهيم التي تنبني عليها الأشياء والغايات والأهداف والوسائل الممكنة لتحقيق المشاريع الخادمة للإنسان و المسخرة له كالأرض وما تحتويه والكون ما يتضمنه.لذالك لا حديث عن الحضارة ومنجزاتها إلا إذ وجد الثقافي فلا إيجاد للشيء من العدم إنها من مختصات واجب الوجود. إن الإنسان محكوم في عالم الشهود بإتباع الأسباب والمسببات والبحث عن العلل, تلك سنة الله في خلقه وهكذا فحضور الثقافي شرط لازم يعطي للمجتمع شروط انطلاقه نحو الإقلاع الحضاري .

إذ من المستحيل إن نتصور حضارة بدون هذا الثقافي وان كان هذا الأخير يحمل في طياته نقيض وجوده . هكذا يرى مالك بن نبي الثقافي كشرط للإقلاع أو الوصول إلى الهدف بغض النظر عما يترتب على هذا الهدف ” ومهما كان الهدف تحطيميا أو كان التوجيه توجيهيا نحو انتحار الأمة…والايدولوجيا الهتلرية استطاعت أن تعطي الشعب الألماني توترا إلى درجة خلقت طاقة البشر لكننا نعلم من ناحية أخرى أية هوية سحيقة ألقت به. هذا إذ لم نأخذ بالاعتبار الاحتمال الآخر” فهذا الثقافي يعطي نفسا جديدا للفرد داخل المجتمع ويدفع في اتجاه تفجير الطاقات حتى يصبح معطاء وتواقا ومتفائلا نحو المستقبل لبلوغ الأهداف النبيلة التي يتصارع الإنسان من اجل تحقيقها الاستقلال والحرية والعدالة والرفاهية. فكل هذه الأهداف والغايات سقطت إمام المجتمع الإسلامي عدة قرون جعله يخضع لفتور اسماه السيد مالك ب”أزمة حياة فقدت أسباب التوتر والطموح… والعلاج و حالة هذه كما حاولنا توضيحه فيما سبق يقتضي ايديولوجية تعطي التوتر الضروري لمجتمع يقوم بانجاز المهمات الكبرى لأنها تخلق الفرد التواق وهو عكس الفرد المائع الذي يركب مجتمعا ارتخت أوتاره “.

الثقافي والسياسي لمن الأولوية ومن يؤسس لمن ؟

إن مشروع بناء الدولة كخطوة نحو الإقلاع الحضاري تحتاج إلى سواعد بناءة تخطط للمستقبل بشكل عقلاني خصوصا وأنها آلية من آليات البناء الحضاري المتماسك فبدون الدولة يستحيل الحديث عن المشروع الحضاري الذي يستبطن التقدم والتطور في كل المجالات الحيوية , العلم-التكنولوجيا –نمط العيش- الأخلاق السلوك الفردي الاجتماعي –الاجتهاد الفقهي…, فإلى من يرجع إليه الأمر؟ هل السياسي ببرغماتيته أم الثقافي بعقلانيته؟ . ففي هذا الصدد يلاحظ السيد مالك إشكالا كبيرا يقع على السياسي ورجال السياسة والسياسة هذا الثلاثي الذي كان كثيرا من المرات وعبر التاريخ عائقا بامتياز فضلا عن كون هذا التثليث لا يحسب للمستقبل ولا يولي أي اهتمام للأسس الفكرية ولا للمنطلقات العقدية في تحركاته .فمرجعيته في الحركة هو الذات والغنيمة وليس الشرعية والشريعة .ففي سياق حديثه عن فلسطين يصف مالك بن نبي “القيادة العربية التي لم تكن تلتزم بقضايا الأمة ومصيرها وعلى رأسها فلسطين كان همها إشباع الهوى والتحكم في السلطة والتوريث الانتخابي إنها أزمة العقل السلطوي العربي الذي تملص من تاريخه وحضارته انه الانفصام الحضاري ” وينبغي أن نضيف للتاريخ ولتعمق إدراكنا إن العرب لم يكونوا يفكرون في استخلاص النتيجة الضرورية من تلك المجابهة المؤلمة مع واقعهم إذ لو تأملوا لوجدوه واقعهم يطرح القضية عرضا بلغة الحضارة … ذلك أن التحليل يقودنا إلى القول بان القيادة الصهيونية كانت تتحرك وتحرك الأشياء والأشخاص طبقا لما تمليه ثقافة حضارية بينما لم تكن القيادة العربية ترى الأشياء والأشخاص إلا وسائل لإشباع حبها وهواها في السلطة أي أنها كانت تخضع سلوكها لما تمليه ثقافة القوة التي ربما تنعكس حسب الظروف إلى عقيدة ضعف… ولو طرحت هذه القيادة قضيتها تحت عنوان, مشكلة الحضارة بل لو تعمدت طرحها بهذه الطريقة لحققت بدفعة واحدة هدفين الابتعاد عن حب السلطة وبالتالي الاهتمام بالواجبات دون الحقوق والهدف الثاني هو التضييق على الاستعمار ومناورته”. فمالك بن نبي يشترط على القيادة العربية في صراعها مع الاستعمار التخلي عن الطمع السياسي بمعنى لا تصفية للاستعمار إلا بزوال الطمع في السلطة. وهو نوع من الاستعمار في العقول. على حد تعبيره من هنا نرى إن السيد مالك يحرص على الثلاثي السياسي- رجل السياسة- السياسة إلى مسالة مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة لتأسيس المنطلقات والخطط الاسترتيجية ولن يفك رمز هذا الإشكال إلا الثالوث – الثقافي/المثقف/ الثقافة / فهذا الثالوث مجاله عالم الأفكار والأخلاق والمبادئ وليس السلطة ومناوراتها والسياسة ومقتضياتها الميكيفيلية . ففي سياق حديثه عن معركة صفين يشير السيد مالك إلى هذا التعارض بين الأخلاق والقيم والعلم من جهة ومتطلبات السياسة وفن الممكن “إننا نقتبس من تلك الأيام الحالكة حين قام الصراع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنه…فمعاوية قد شعر بان السيف لا يحقق نصره فلجأ الى الحيلة إذ أمر قومه بان يحملوا المصاحف على رؤوس رماحهم وينادون هذا حكم بيننا …لقد كان هذا الصف موضوعيا بطريقته لان القرءان يمثل فعلا في نظر المسلم المرجع الذي يرجع إليه في كل نزاع خصوصا في نزاع سياسي ام انهم نسو الأمر الرئيسي في الموضوع وهو أن السياسة حين تكون مناقضة في جوهرها للمبدأ الأخلاقي

فإنها لا تطرح قضية تحل بالقضاء ولكن بالسيف وبأقصى التلخيص نقول إذا كان العلم دون ضمير ما هو سوى خراب الروح فالسياسة بدون أخلاق ما هي سوى خراب الأمة” لعلنا نخلص إلى نتيجة مفادها أن السياسي طالما يمارس القطيعة مع الثقافي لن يجر الأمة إلا إلى الهلاك وليس باستطاعته أيضا الوصول إلى الأهداف النبيلة والقيم الأخلاقية والإنسانية إلا إذا حمل على أكتافه الثقافي كموجه و كمؤسس للأهداف الخيرة والمشرقة للإنسانية ونحو حضارة إنسانية تتكامل فيها جهود السياسي والثقافي معا فلا حضارة بدون علم وقيم .ولا حضارة إلا إذا بنيت من خلال ضمير الأمة وهي المرجعية التي تحكمها وتحكم سلوكها المدني و الأخلاقي والديني والعلمي وأي انفصال عن ضمير الأمة سيؤدي إلى الاندحار “سيؤدي هذا الانفصال إلى فقدان فاعليتها ثم انفصالها عن الضمير العالمي سينتهي إلى مخاطر كبيرة “.فعلى السياسي أن ينتبه إلى الدور الفعال للثقافة في خضم انكبابه على قضايا سياسية وإستراتيجية مرتبطة بمصير الأمة في هذا السياق يقدم لنا مالك بن نبي مثالا يقول فيه “فلم يشغل نابليون وهو في وسط الحرب الضروس بقضايا بلاده المصيرية … فنابليون لم يكن أثناء إقامته في موسكو أي في أحلك أيامه منكبا على خرائط تحركاته العسكرية فحسب بل انه انكب أيضا على إتمام القانون المدني الذي وضعه في بداية عهده وشغلته قضية أخرى كتنوير شوارع باريس فهل كنا نتصور اهتماما كهذا لو فصلنا السياسة عن الثقافة “7 .قد يعترض البعض على هذا الغلو في تقديس الثالوث الثقافي /المثقف/ الثقافة بان هناك نوع من الطهرانية في هذا الجانب . صحيح أن هناك مثقفين ركبوا بساط السلطة وشرعوا أفعالها الغير المعقولة كإصدار فتيا كما يذكر مالك بن نبي من بعض العلماء كفتوى بعضهم في أن الفاروق هو من ذرية النبي” ص “حتى يتمكن من تولي الخلافة . وهذا واقع عبرنا عنه في كتابنا « النهضة الإسلامية وقضايا المجتمع والدولة” بالقول في تمييزنا للمثقف فهناك مثقف السلطة – ومثقف التل اسلم نسبة إلى القول الشهير ” والجلوس في التل اسلم “. ومثقف المعارضة.
إن السياسي يستمد سلطته من عنصر القوة فالسياسي مالك للسلطة والقوة والثقافي إن كان يملك قوة الكلمة والمنطق والتنظير فانه لا يستطيع امتلاك القوة المادية والمعنوية و القوة الآمرة هي وسائل القمع لذالك كان السياسي عبر التاريخ الإسلامي والعربي يوظف المثقف كاذات من أدوات الشر عنة السياسية للوصول إلى المشروعية ثم الشرعية التي تؤسس لمبررات وجود حكم ما.