في واحد من أروع أفلامه قدم لنا فرانك دارابونت فيلم THE MIST بعام 2007 و الذي لم أشاهده إلا مؤخراً ، الفيلم قنبلة من الرمزية الحقيقية التي تجعلك ربما تشاهد الفيلم ثم تستغرق في ذهول لساعات و انت تحلل مشاهده ثم تصل لمعنى رهيب في قوته و حضوره يجعلك تقفز لتعيد المشاهدة و أن تبحث عن إسم المخرج لتجده العبقري مخرج الفرار من شاوشانك و الميل الأخضر و الماجيستك فرانك دارابونت..

*يبدأ الفيلم بمدينة جبلية تمثل الحياة الحديثة كما هي: المواطنون التقليديون تقدم تكنولوجي و نمط غربي حديث و بينهم الكم الأكبر المدني البشري المألوف (العلمانية) و السيدة المتوترة دائماً المؤمنة لدرجة التشدد (الأصولية) Marcia Gay Harden ثم مكان التجمع في السوبر ماركت بدون قصد (الكلوستروفوبيا كعامل مضاف و محفز) يتجمع الناس طبيعياً بالمكان ، فجأة تظهر علامات الضباب الغريب الذي ينتشر إلى أن يغطي المكان كله ثم المدينة كلها (المجهول و الخوف منه) و يقبع الناس في الداخل خائفين و مندهشين و معهم عائلة الأب فيها David Drayton و كذلك المراة المتشددة و إمرأة مسيحية لكن حداثية مؤمنة بالعلم و الحضارة الغربية Laurie Holden و الرجل اللاديني الكاره للمتشددة William Sadler .

*يبدأ الكل في تقديم محاولات حل المشكلة فيقترح الأب القلق على إبنه و المسيحية الحداثية و اللاديني  الخروج و البحث للمعرفة و التقصي (النهج العلمي المعرفي بالتجربة و الخطأ) بينما تؤكد السيدة أنه لا يجب الخروج فكل شئ معروف سلفاً في الكتاب المقدس و هذه نهاية العالم فلا يلتفت لها أحد و بالذات أحد الأفراد اللادينيين ، تخرج مجموعة لتصطدم بشئ مجهول و لا يعود أحد حياً فتبدأ السيدة (الأصولية) في التاكيد على ضرورة التوبة قبل الموت و أنه من الخطر البحث عن الحقيقة.

*مع بداية إنجذاب البعض للمرأة الأصولية يخرج البطل للبحث و معه رفاق علميون و أطباء لإحضار أدوات طبية و معهم اللاديني ، يتم الصدام مع المخلوقات الغربية و يموت أكثرهم ثم يعودون و يروون كل شئ لتزداد السيدة صراخ و تؤكد أن الرب أخبرها بكل شئ و أنه من الهام التطهر قبل الموت أو للنجاة، يحاول الرجل المغادرة ثانية لكن يحدث هجوم من الكائنات عليهم ينجحون في صده ثم يكرر المحاولة و يعود خاسراً ليفاجأ باللاديني و قد إنهار تماماً و بات متشدداً في تأييد السيدة الأصولية.

*تتصاعد الأحداث مع بدأ العنف ضد المجموعة القليلة التي لا تزال تصر على رفض منطق نهاية العالم و الكتاب المقدس ليتحول أكثر الموجودين إلى مؤيدين متعصبين وراء السيدة من أجل النجاة و مع محاولة قتل ناجحة لحد القلائل المتبقيين و معاودة الهجوم من الكائنات تقرر السيدة طردهم من المكان للتطهر من المذنبين العصاة لكن باللحظة الأخيرة يتم قتل المتشددة بيد المسيحية الحداثية بعد أن تحدت أن يقضي عليها أحد (نهاية الأصولية) لكن المفاجأة إستمرار الأغلبية في تتبع نهجها (عقل القطيع المتمسك بالغيبي و لو إنهار رمزه) و قيامهم بطرد الأقلية المؤمنة بضرورة الاستمرار بالبحث و التقصي و التصدي الواقع للضباب.

*تغادر المجموعة الصغيرة و قد يأست من النجاة و تسير في سيارة إلى المجهول حيث يقرر الأب قتل الكل بموافقتهم لتجنب مصير الأكل حياً و بالذات حين رأوا من بعيد اجسام تقترب منهم و بالفعل بعد أن يقتلهم جميعاً و قبل ان ينتحر يفاجأ أن هذه الأجسام هي دبابات الجيش الأمريكي التي أتت لكي تنقذ البلدة و تقضي على الوحوش في إثبات متاخر لصدق وجهة النظر البعيدة عن التفسير الديني.
..

“بالفيلم نرى علامات الصراع القاطعة في عصرنا الحديث فالاغلبية تعيش وضعها و حياتها المألوفة و حين يأتي المجهول و لا يمتلكون صبراً للبحث و التجربة النجاح و الفشل ثم النجاح يبدأون في اللجوء للطريق السهل الطريق الغيبي الذي يعطيهم الأمان الداخلي دون خوف كبير ، الأصولية هنا حكمت عقل القطيع الذي كان منذ ساعات يحيا في بلد حديث و يمارس الحداثة ثم الآن يمارس التشدد المطلق و الركون للخضوع لسيدة كانوا يروها مختلة منذ ساعات ، عقل القطيع إستسلم للخرافة حين أصابه اليأس و المجهول مفتاح الخوف الذي يقود للعودة لمشاعر الانسان البدائي الذي يقتل لأنه يخاف و يصدق الموروث لأنه يخشى التجربة ثم يلجأ للأصولية هرباً من مجهول و ربما يكون هو الناجي من الأزمة بعد أن خسر عقله و منطقه بينما الحداثي حين ييأس و يتوقف عن المحاولة و التجربة و الخطأ ربما يخسر كل شئ بينما هو على وشك النجاح في إثبات صحة موقفه ، الفيلم لوحة رائعة لعقل القطيع و العقل الجمعي حين يقوده الخوف فيتبع المجهول فراراً من مجهول آخر”