بين الإخوان وفكرة الثورة نوع من .. عدم الاستلطاف( ! )لأسباب مفهومة .. و هو ما صرح به المؤسس  رحمه الله  في رسالة المؤتمر الخامس  بقوله :    والثورة أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق، و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح, وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال)

و كلامه يشير إلى الثورة الإنقلابية العنيفة .. غالبا .. و لكن الإخوان ، و لأسباب تاريخية واضحة،ظلوا أقرب إلى فكر الإصلاح المتدرج منهم للفكر الثوري .. الذي يقلب الأحوال فجأة ، و دون خطط لما بعد ، و زادتهم الأحداث محافظة ، و رغبة في حماية أنفسهم من المغامرات و المخاطرات ، وسط أخطار و ضغوط كثيرة، و كبيرة تعرضوا لها

و تجلت هذه النزعة المحافظة واضحة في موقف الإخوان من ثورة يناير ، و طبيعي أن يكون الأكبر سنا .. أشد  محافظة ، و أبطأ  مبادرة،دون إغفال الدور  الحاسم الذي لعبه الإخوان .. في  انتصار  الخطوات التي تحققت

منذ بضع سنوات كنت أتناقش مع صديق له صلة سابقة بالإخوان ، و قلت له : يبدو أن أمريكا تضع احتمالا قويا بسقوط النظام المصري ، و أنها  بدأت  في  الاستعداد  لهذا .. و كنت أعلق على حملات متتالية للنظام .. ضد  الإخوان ، بدت  في  حينه شديدة الغباء و التعسف ، و خارج نهجه  المعتاد  في  تعامله  معهم .. سألني : ما  العلاقة بين هذا و ذاك ؟؟  فقلت  له : أن جماعة كبيرة ذات مصداقية ، و تاريخ طويل ، و انتشار  واسع .. ستكون حتما هي البديل الأهم ، أو الجزء الأهم من البديل  المحتمل ، و إنهاك هذه الجماعة نفسيا ، و ذهنيا ، و تنظيميا ، يجعلها في حالة نموذجية للتفاوض ، و لعدم التجديد و التطوير المبدع ،و للرضا  بمكاسب أقل  بكثير  مما  هو  متاح ، و ممكن ، و هو ما اراه يحدث الآن ،  للأسف.

بعد الخروج من ميدان التحرير .. دارت تساؤلات عن خطوات استكمال الثورة ، أي بناء الأدوات الثورية ، و الخطط و التحالفات التي من شأنها استكمال و إنجاز  هدم المنظومات القديمة بعلاقاتها ، و تصوراتها ، و أساليبها ، و صراعاتها ، و تراكيبها المعتلة ، و قيمها  المختلة ، و استقطاباتها  المعيقة، و بناء الحاضر و المستقبل على أسس جديدة ، و ممارسات جديدة ، و أفكار جديدة ، إستنادا إلى شرعية جديدة ملهمة ، هي شرعية هذه الأيام المجيدة ، و ما جرى فيها ، و هذا يقتضي السير قدما في طريق  التغيير ، و تطويره و تصعيده .. لا البحث  عن الاستقرار ، أو الاستعجال عليه ، لأن الاستقرار هو المقولة المحورية للمحافظين ، و المحافظة ، لا الثورة .. لكن الإخوان ، بدلا من أن يدركوا  هذا ، تجاهلوه تماما ، و عادوا  إلى  قديمهم ، و أعني به هنا .. رفع  شعاراتهم ، و البحث عن تطوير  و  تنمية  مكاسبهم ، و تحسين فرص مستقبلهم كجماعة ، و لم  ينتبهوا ، و ربما  تغافلوا  عن تعددية واضحة ظهرت جلية في صفوفهم .. بين  اجتهادات متنوعة ، و مواقع مختلفة ، و احتمالات  و اختيارات  و مسارات بدا أن الثورة  وزعت الإخوان عليها ، لأن الإخوان أصلا .. جماعة كبيرة .. شديدة التنوع و الثراء و التراكم ، و بدلا من استثمار هذا ،ت م تبديده ,, بشكل  مذهل  و  مؤسف

و ما  أشبه  الليلة  بالبارحة كما يقولون .. لأن نفس  الموقف تكرر .. كما حصل حين وقع انقلاب يوليو الذي تحول إلى ثورة بمباركة الشعب له ، ووقتها  لاح  تنوع في المواقف داخل صفوف الإخوان بين راغب في المشاركة ضمن صفوف التشكيلات الثورية الجديدة ، و أخرون  أرادوا  معارضة النهج الشمولي للحكم العسكري ، و فريق ثالث  أراد  العودة للدعوة و تربية الشعب ، و بدلا من إعادة تشكيل خطط الإخوان و صفوفهم و آليات عملهم للتجاوب مع ما تشهده البلاد من تغييرات ، و ما تنوعت فيه اجتهادات الإخوان تفاعلا مع الأحداث ، جرى ما نعرف ، و  التفاصيل  جديرة  بالتأمل.

و ثورة  شعبنا  المذهلة ، تلك  السلمية  الربانية  الشعبية الرائعة التي جاوزت كل خيال و توقع .. خلقت  مساحات مفتوحة و حالة من السيولة .. تتيح  إعادة  لتشكيل  مصر  حاضرا و مستقبلا .. سياسة و ثقافة و مجتمعا و حضارة ، و تعبئة جهود .. و استيعاب هذه الحالة يحتاج إلى مرونة ، و إلى فتح الآفاق  أمام  الناس  .. أقصد  الإخوان أيضا .. ليبدعوا .. و يتحركوا .. في  كل  الاتجاهات ، وسيأتي  كل  متحرك  بخير  أينما  توجه ، و اللحظة  تتطلب  هذا  و  تتيحه ، و ليست  لحظة  حمل  الناس  على  رأي  واحد ، و حصر  حركتهم السياسية في حزب واحد ، أو تحت  شعارات  واحدة .. هي  ذات  القديمة.

مرحلة  ما بعد الثورة تقتضي  تجاوبا  سريعا .. أوله  فتح  الباب  للمبادرات ، و إطلاق  العنان  للطاقات ، لتتشابك  مع  الزخم الثوري في البلاد ، و تبني  شيئا  مختلفا  يشارك  الإخوان في  إنجاحه كما فعلوا في الميدان ، تحت راية وطنية عامة ، و بوصفهم أقلية ، نعم .. أقلية  .. فارقة  .. حاسمة .. منظمة .. تخرج  من  ضيق  الانتماء  التنظيمي  الذي كان قلعة حماية  وقت  الاستبداد إلى سعة فضاءات الوطن الذي يحتاج إلى إعادة بناء .. في كل ركن .. و في كل موضوع ، و بخاصة استكمال خطوات الثورة عبر جهود شعبية مدنية ، و ليس فقط عبر التشكيلات الحزبية المصابة بعلل  الماضي ، و ثاراته ، و معوقاته.

هل  لدى  أحد  من الوهم ما يصور له أن الديمقراطية المطلوبة هي أحزاب و انتخابات ؟؟ أو أن الجهاز البيروقراطي للدولة هو الأداة التي ستحقق أهداف التغيير الثوري ؟؟ أو  تعبر  عن  إرادة  الملايين  ممن  خرجوا  إلى  الشوراع و  الميادين ؟؟ ببساطة  نحن في  أمس  الحاجة إلى أدوات شعبية جديدة بأفكار و برامج و قيادات جديدة ، و خطط  و  خرائط  جديدة ، و دور الإخوان في  بناء  هذه  الأدوات  حاسم  و  حاكم  .. كأقلية  .. فاعلة  .. في  كل  ملف  .. تعمل  للوطن  .. و تتعاون مع الباقين.

كنت في حوار مع بعض شباب الإخوان بعد سقوط مبارك  مباشرة ، و قلت لهم أنني  أتوقع  الكثير  من  الانشقاقات في صفوف الإخوان ، ما لم يحصل السماح بالانتشار ، و ترك  حرية  استثمار  التنوع الإخواني في مختلف الكيانات الجديدة التي تتشكل ، و ما  يستجد ، و بلغني أن أحدهم رفع مذكرة  للقيادات  بهذا  الكلام ، في  حينه، وهذا ما حدث بالفعل. أيها  الإخوان  :  بحبوحة  الأمة  انتظرتكم لتستكملوا مع الشعب المصري ما  بدأ في  الميدان, لكن المرء حيث يضع نفسه!