يعرف اليونانيون الفلاسفة السياسة بأنها فن الحكم بينما يعرفها آخرون بأنها فن الممكن ويعرفها آخرون بأنها علم الدولة أي ذلك العلم الذي يدرس الدولة، مفهومها، تنظيمها ومؤسساتها، وتشكيلاتها، وممارستها، وسياساتها. وهذا يتشابه مع تعريف السياسة بأنها علم السلطة كما يمكن تفسيرها بأنها محاولة الإنسان لفهم محيطه ونفسه أيضا كما يعرفها آخرون بأنها البحث عن العدالة وهي بالتالي مفهوم القوة والنفوذ والسلطة وهي بالملخص نشاط الدولة.

ما دفعني لكتابة هذا المقال تساؤلي أمام نفسي هل نحن ساذجون سياسيا أم كلنا عباقرة سياسيون وتحضرني تلك النكتة التي تقول لو سافرنا إلى مدينة ما ووجدنا بيوتها كلها مظلمة باستثناء ثلاثة بيوت مضيئة ودخلنا هذه البيوت لوجدنا في الأولى روسيا يشرب الخمر وفي الثانية زنجيا…. لا يهمنا ما يفعل في ذلك الوقت ولوجدنا في الثالثة عربا يتحدثون بالسياسة.

ما يحدث هذه الأيام بشأن القرصنة الإسرائيلية على سفن المساعدات الإنسانية المتجهة إلى غزة المحاصرة وما ظهر من خلاف تركي اسرائيلي يهدد علاقتهما المشتركة على الزمن الطويل وما فهمته شعوب كثيرة وعلى رأسها الشعوب العربية بأنه تعاطف تركي مع القضية الفلسطينية العربية وجسد هذا الخلاف تصريحات رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان التي تميزت بالعصبية والقوة كما ظهر موقف الشارع التركي بالمتعاطف المطلق مع القضية الفلسطينية.

تجريد الأمور من خلفياتها قد لا يكون حكيما، ومن الحكمة أن نبحث في خلفيات الأمور وما يختفي بين السطور وما يكاد يصرح عن نفسه على استحياء. جميل أن نتقبل ونرحب ونتعامل مع الموقف التركي بجانبه المفيد لقضيتنا الشخصية قضية الأمة العربية لكن سيكون مفيدا لنا على المدى الطويل أن نفهم خلفيات ذلك حتى نستطيع أن نتعامل مع تطورات الموقف وما يستجد عليه من أمور. لماذا أصبحت تركيا وهي الدولة الأولى من الدول الإسلامية التي اعترفت بقيام دولة اسرائيل عام 1949 وهي الدولة التي تتعاون مع اسرائيل في مختلف المجالات خاصة التقنية والطاقة والمياه والأهم العسكرية، كيف انقلبت هذه الدولة لتصبح على النقيض المطلق ولتصبح على شفا قطع العلاقات الدبلوماسية. كيف قامت الدولة التركية على ركام رجل مريض عثماني رفض إعطاء أرض فلسطين لليهود فكان عقابه إعادة استعمار الدول التي كان يستعمرها هو بحجة تحريرها وقيام الدولة التركية الحديثة على أكتاف أتاتورك ( أبو الأتراك ) ومانحهم اسمهم وهويتهم كما منح آل سعود اسمهم لدولتهم لتصبح السعودية.

كي نفهم ذلك علينا أن نعرف أن تركيا، الدولة العثمانية سابقا وبلاد الأناضول أولا، تشترك مع إيران في حربها ضد الأكراد وما بينهما من اتفاقات بهذا الشأن حتم عليها تفاهمات واتفاقات عسكرية وغير عسكرية، وربما جعل هذا الإتفاق تركيا منفذا غير مباشر لإيران إلى العالم خلافا لأحكام المقاطعة المفروضة على إيران. وفي ذات الوقت فلا خلاف على معرفتنا بالعداء الإيراني الإسرائيلي ثم وعلى مبدأ صديق عدوي يصبح عدوي لذلك كان لزاما أن تنقلب الصداقة التركية الإسرائيلية إلى عداوة تجلت في وضوحها بالدعم الإسرائيلي للعسكر العلمانيين ضد حزب العدالة والتنمية. إسرائيل تدعم العلمانيين الأترك ضد حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الدينية الإسلامية.

إذا الخلاف التركي الإسرائيلي هو خلاف بينهما على أمور تهمهما وتم اتخاذ الساحة الفلسطينية كي تكون ملعبا لهما كي يبرز كل واحد منهما قوته وعضلاته. قد يكون الخلاف بينهما خلافا دينيا بحتا ولا يخفي حزب العدالة والتنمية توجهاته الإسلامية. لا أختلف مع من يقولون بالإستفادة من الموقف التركي في الوقت الحاضر وأؤيد هذا الإتجاه على أن نعرف ما يجب أن نفعله في حال تغيرت المواقف والمعطيات. علينا أن لا نكف عن أن نكون سذجا في السياسة تستغرقنا العواطف والأقوال، وأؤكد على ضرورة استغلال هذا الموقف التركي بشكل سليم خاصة على المدى الطويل.

وعودا على حديث السياسة والسذاجة فبنفس المنطق علينا أن نفهم ما قامت به مصر بإعلان فتح المعبر مع أن كل الوزراء والإعلاميون الرسميون يؤكدون باستمرار أن المعبر غير مغلق لكنهم يدعون أنهم لا يسوقون أنفسهم بما فيه الكفاية وهذا الموقف الآخير يثبت كذب هذا الإدعاء فإذا كان المعبر مفتوحا فلماذا يصدر القرار بفتحه فهل يفتح ما هو مفتوح أصلا!

نتمنى على مصر أن تفهم السياسة كما فهمنا العلاقة التركية الإسرائيلية وبالتالي تستنتج مصر من التدخلات الإسرائيلية في موضوع تقاسمات مياه النيل أن اسرائيل ليست بالصديق الدائم وإنما صديق لدود بالمعنى الحرفي لكلمة لدود اللهم إلا إن كانت الصداقة بين أشخاص وليست بين حكومات وهذا هو دور الشعوب في مخالفة حكامها.

وأخيرا الموقف الأمريكي المخجل وهذا يعيدنا للمربع الأول في فهمنا للعلاقة الأمريكية الإسرائلية العربية المشتركة. ولا ضير من التذكير بمقالي قبل إنتخاب أوباما وبالذات بتاريخ 11/11/2008 بعنوان ( الخل أخو الخردل ) حين شككت في قصة الدعم الشعبي لأوباما وجمع التبرعات له ولم أخل المسؤولية وأسباب النجاح لأوباما من التدخلات الإسرائيلية والصهيونية.

قد لا يكون واجبا على كل الناس أن يكونوا سياسيون لكن على الأحزاب السياسية أن تكون صاحبة الفهم الأصدق والتحليل الأعمق وبالتالي بلورة قراراتها بشكل صحيح واتخاذ موقف القائد للجموع وليس منقادة لها….. هذه هي السياسة