أربعينية دنماركية بيضاء بعينين خضراوين وغطاء رأس وبعض الألفاظ العربية الإسلامية التي تنطقها بلكنة اسكندنافية تجعلك تعيد اكتشاف الألفاظ معها…كنت أحب الطريقة التي تنظر بها إلى السماء وتنطق لفظ الجلالة بهاء مملوءة بالهواء وكأنما تملأ الفضاء حولها ببعض من الذات العلية. 

ينظر لها أبواها الدنماركيان المستمسكان بإلحداهما كمعتوهة بحاجة إلى التصبر عليها مع بعض الرعاية…فإن لم تكن معتوهة, فما عساه قد يكون الداعي لاعتناقها الإسلام, ذلك الدين الغريب الوافد من الصحاري في الجنوب وهي السيدة الناضجة المحبوبة كثيرة الاطلاع والأسفار؟!

أنيتا…أو زهرا كما كانت تحب أن نناديها (نسبة للسيدة فاطمة الزهراء)…

حين سألتها عن قصة إسلامها, ذكرت قصة لا تختلف كثير عن قصص الغربيين حين يعتنقون الإسلام…هناك دوما ارتحال إلى الوطن العربي, وقصة حب أو زواج مع طرف مسلم, أو أزمة وجودية لا يقيل منها إلا صديق صوفي , أو أزمة شديدة لا تنفرج إلا بمساندة عربي مسلم …هكذا القصة دوما ولزهرا قصة لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها… لكن حين حكت زهرا عن قصة إسلامها اختزن وجداني عبارة ساحرة منها بعدها في أذني  إلى  الآن…قالت:  ”صحوت فجر يوم وكنت في إحدى قرى المغرب النائية, وسمعت صوت الأذان…لم يكن صوت الأذان…بل كان صوت الله يحدثني…وتحرك شئ ما في داخلي منذ سمعت صوته”…

حين كانت تدعو لي زهرا كانت تقول “ألا نظر الله عليك وابتسم”… كم كنت أحب دعوتها تلك…كانت تغير مزاجي وتثير فرحا ما طفوليا في داخلي…

زهرا تخطت بقوة شخصيتها ومرحها الإحساس بكونها معتوهة, وهو الإحساس الذي حاول المحيطون بها تسريبه إليها, مستعينة على ذلك بالالتحام مع المسلمات الشرق أوسطيات المقيمات في الدنمارك, مهاجرات كن أو لاجئات أو مقيمات بصفة مؤقتة ولكل حكايتها…وكنت أنا أنتمي للفئة الأخيرة…كنت في رحلة عمل مؤقتة في الدنمارك حين التقيتها فقدمتني لمجتمع من الشرق أوسطيات ذوات الخلفية المسلمة: فهذي تركية وتلك إيرانية والأخرى فلسطينية… جمعتهن حولها لا بالعقيدة ولا لها…بل بالموسيقى ولها..ومن هنا تنبع فرادة مشروعها…فزهرا أعلنت الحرب على العنصرية والإقصاء الاجتماعي الذي ذاقت مرارته بالموسيقى…تلك اللغة التي تسحر الأسماع والألباب دون استئذان ولا سؤال عن جنسية ولا عقيدة ولا مذهب…فقط تأخذ السامع وكفى.

أسمت زهرا فرقتها الصغيرة المكونة أساسا من مجموعة من الشرق أوسطيات المهاجرات Missing Voices أو “أصوات غائبة” وكأنما تلفت المجتمع الدنماركي المغلق على نفسه إلى أنه يفتقد هذه الأصوات وإن لم يدرك ذلك وعيا! وكأنما تقول للنساء المهاجرات الشاعرات بالإقصاء: مكانكن شاغر فأسمعن أصواتكن واندمجن.

حضرت عددا من عروض الفرقة في الدنمارك والنرويج فبهرني الحشد الذي نجحت تلك السيدة الجميلة في حشده وتقديمه إلى المجتمع الأوروبي بفخر وحب أجبرا الجمهور على الاحتفاء به.  أصوات بديعة ومعزوفات شرقية أكثر من ساحرة وعروض راقصة رقيقة, وكلها تقدم في ضفائر إنسانية بديعة: فبينما تغني هذي, تتمايل تلك في ملابس صممتها ثالثة منهن. وفي الكواليس, تهرول المغنية التركية المقعدة في كرسيها ذي العجلات كي ترضع رضيعتها قبل الخروج إلى المسرح مرة أخرى, لتغني على موسيقى يعزفها زوجها إيمانا منه بفرادة هذا الفريق!

روح إبداع استثنائية وتجربة مشرقة هنيئا لزهرا أن تكون محركتها, وهنيئا لنا إن وعيناها بالكامل وأوليناها ما تستحق من احترام ودعم.