محررة الموقع: في إطار تشجيعه لمبادرة قصاقيص من أداب السجون العربية, أرسل لنا الكاتب الصحفي المصري الأستاذ وائل قنديل هذه المقالة إسهاما منه في دعم المبادرة. تحياتنا وجزيل شكرنا.

———–

لعفيفى مطر قصيدة شهيرة اسمها «امرأة.. إشكالية علاقة» وظنى أن علاقة الدولة بعفيفى مطر كانت إشكالية أخرى ذلك أنهم نفوه فى السبعينيات وحين أعادوه فى نهاية الثمانينيات منحوه جائزة الدولة التشجيعية عام 90 وبعدها بشهور اعتقلوه وعذبوه.
.
لقد طاردت الدولة محمد عفيفى مطر منذ بدايات السبعينيات حين أغلقت له مجلة سنابل ذائعة الصيت فى ذلك الوقت بسبب قصيدة له تدعم الغضب الطلابى النبيل، وقصيدة أخرى نشرها للمبدع الراحل أمل دنقل هى «الكعكة الحجرية».

كانت «سنابل» تصدر من محافظة كفر الشيخ لكنها كانت منبرا أدبيا لكل مصر، بما جعلها تتجاوز كونها مجلة إقليمية، وعندما جاءت لحظة كامب ديفيد الحالكة ترك مطر البلد فى موسم الهجرة الجماعية الإجبارية للمثقفين المصريين.

وحين تبدلت الأمور واغتيل السادات عادت الطيور المهاجرة، بعض هذه الطيور لم يجد غضاضة فى دخول أقفاص الوظيفة الرسمية حتى وإن كانت أقفاصا فاخرة ومطلية بماء ذهب المعز وسيوفه، فيما فضل عفيفى مطر أن يكتفى بالسكن داخل القصيدة.. لم تزغلل عينيه عطايا وهبات النظام، لم يكن يريد أن يخسر الشعر مقابل عرض الحياة الثقافية الزائل، اختار القصيدة بينما هرول آخرون صوب رئاسة تحرير مجلة تصدرها وزارة الثقافة أو تولى سلسلة من إصداراتها.. بقى مطر مع الناس مغردا فى براح الحقول فأبدع بغزارة فيما جفت ضروع شعراء آخرين.

فى التسعينيات عذبت الدولة عفيفى مطر حين انتزعته عاصفة الصحراء الأمريكية من بين أولاده بعد احتجاجه على تحول النظام الرسمى العربى إلى خادمة فى مطبخ السياسة الأمريكية، اعتقلوه وعذبوه أكثر من سبعين يوما دون أن توجه له تهمة وحين تزايدت الانتقادات الدولية لاعتقال شاعر يعرف العالم كله قدره وبعد أن وضعت حرب تدمير العراق أوزارها أفرجوا عنه بعد أن انكسرت عظمة أنفه على يد محترمى التعذيب فى غياهب المعتقلات المصرية، (عظمة أنفه هى آخر ما قبلت من وجهه الوضاء قبل أن تصعد روحه إلى بارئها على ذراعى مساء الاثنين الماضى)، وبعد خروجه قدم عفيفى مطر أروع دواوينه «احتفالية المومياء المتوحشة» وكانت أولى قصائد الديوان «هلاوس ليلة الظمأ» وثيقة إدانة غير مسبوقة لنظام يعذب أجمل شعراء مصر، ثم راح ببجاحة يحاول الاعتذار، مرة بمنحه جائزة الدولة التشجيعية وأخرى بالتقديرية.

وقيمة هذه الجوائز فى رأيى المتواضع أنها اعتراف رسمى من النظام بجهله وجهالته وإلا ما معنى اعتقال شاعر فى الستين من عمره وتعذيبه بمنتهى الغلظة ثم منحه جوائز الدولة؟.
ولكل ما سبق كان حرص أسرته على عدم نشر أخبار تتعلق بتدهور حالته الصحية كى لا يخرج علينا أحد من معذبيه ويملأ الدنيا صياحا بعلاجه على نفقة الدولة «التى عذبته».
سلام على روحك الطاهرة أيها النبيل.