“هذه الزنزانة تركها الشيخ جابر للشيخ أحمد”..بخط رديء وبدائي ينضح صدقا غير قابل للمناقشة، كتب أحد المعتقلين هذه الجملة على مدخل زنزانته الصغيرة (متران في متر)، فكان أن استغرقتني الجملة التي أثارت خيالي نحو عشرات القصص المحتملة حول الملابسات التي اختار فيها الشيخ جابر أن يترك زنزانته-فيما يشبه المهاداة-للشيخ أحمد.

كانت عشرات الاحتمالات تعتمل بداخلي بينما يتنقل زميلي حسام في طرقات السجن ليعاين عن قرب، كيف يعيش نحو 80 معتقلا “إسلاميا” في أحد معتقلات طرة المشددة.

لم تنته تساؤلاتي ولم أخطيء تساؤلات مماثلة في ذهن حسام، بينما يصافحنا من وقت لآخر شيخ ملتح بمودة زائدة، كما لو لم نكن (حسام وأنا) زائرين حقوقيين وصلنا سجن طرة في مهمة عمل شبه اختلاسية، بمقدار ما بدونا في زيارة ودية صبيحة أحد أيام عيد الفطر لمنزل عائلي كبير يقيم فيه هؤلاء المعتقلون.

يسألنا كل مصافح عابر: من تريدون؟ فنرد سويا في صوت واحد:الشيخ عادل.

دخلنا للشيخ عادل في المسجد بينما لم يكد صف الصلاة ينفرط بعد، رغم انتهاء الإمام من تسليمة الخروج من الصلاة-بعد وقت بدا لي الدهر مقارنة بالوقت الذي تستغرقه صلاة الظهر في مساجد ما خارج هذه الجدران.

للوهلة الأولى التي صافحت فيها عادل الجزار المعتقل المصري الذي قضى 8 سنوات من عمره في معتقل جوانتامو ذي السمعة الجحيمية، أحسست مشاعر مضطربة ومتداخلة كما لو أن شاشة مشوشة تلقي بظلالها أمام عيني.

وفي غمرة التشوش ألمح وجها يشبه وجه أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة الحالي، فأعتقد أنني في طور هلوسة ممنهج، يزكي أواره وطأة الحر القاسي، وفي ظل الوقوف داخل واحد من أعتى سجون مصر.

يوضح لي أحدهم:”هذا الشيخ محمد الظواهري، أخو الشيخ أيمن”..وبينما يتبرع بتعريفنا بنخبة من هؤلاء الواقفين، تزداد حيرتي، فكل هذه الأسماء مثيرة للهلع ..ارتكبت فظائع وخططت لمصائب وتسببت في كوارث..أو هكذا أقنعتني أجهزة الأمن من سي آي إيه لأمن الدولة، مرورا بمنظومة الإعلام الملحوقة بهما.

“أنا مش مستر إكس أنا مفتاح..وبيدلعوني يقولوا لي يا تاح”

أشرد بذهني بعيدا وأتذكر الموظف البسيط “مفتاح” الذي اعتبره الضابط سمير صبري في الفليم الكوميدي الشهير ليس سوى “مستر إكس” الذي فجر المحيط الأطلنطي وخلطه بالمحيط الهادي! على حد تعبيره.

أتذكر-بالطبع- عم سمير فرنسا الذي كان زميل والدي في الزنزانة، وكانت تهمة العم سمير أنه الذراع الأيمن لأسامة بن لادن، بينما لم يكن في حقيقة الأمر أكثر من بياع طماطم عثر الحظ، يدخن بشراهة، ويصلي بصعوبة، ولا يعلم الكثير عن “الإسلام” إلا بمقدار ما يعلم البسطاء من قواعد عريضة وأخلاقيات وقيم إيمانية وتعاملية. لكن أمن الدولة اعتقله وقدمه للإعلام بهذه الصفة التنظيمية التي لا يرقى إليها “سي في” العم فرنسا بحال من الأحوال!

جلسنا مع عادل الجزار في زنزانته الخاصة، التي اتسعت لثلاثتنا بالكاد، في حين شرع حسام في مراجعة الإجرءات القانونية والحقوقية التي يمكن اتخاذها لإخراج عادل من محبسه على خلفية حكم غيابي من محكمة عسكرية بـ3 سنوات سجنا مشددا في قضية ما سمي بتنظيم “الوعد”..التنظيم الفشنك، لمن يتذكر.

كنت أتخيل كيف يمكن أن يكون أبي قد قضى فترتي اعتقاله في زنزانة كهذه، وأتخيل-بتخوف في محله- كيف يمكن أن أقضي يومي لو ألقتني أقدار عثرة إلى هذا المكان يوما ما.

يفيقني حسام: هل عندك أي تساؤلات للشيخ عادل يا أحمد؟

أسأله عن جوانتانمو..هل عذبوكم وفق تقنيات نفسية مدروسة؟ هل خضعتم لتجارب نفسية أو طبية سيئة؟

يجزم الجزار أن هناك أطباء حقنوا البعض بمواد غير معلومة، كانت تجعلهم في حالة أشبه بفقدان الوعي لمدة تصل لشهر تقريبا، ويحكي أمثلة متواترة حول تواطؤ الأطباء مع قيادات الجيش الأمريكي في جوانتانمو لتعذيب المعتقلين، فهم وفقا لتعبيره “مخلوقات أقل من الأمريكيين، ومن ثم مستباح تعذيبهم وانتهاكهم”.

ينهي الجزار كلامه بينما معنوياته تكاد تعانق الثريا: لا أستبعد أن أصلي عصر اليوم في منزلي!

يصحبنا الجزار نحو ثلاثة معتقلين آخرين، وبينما يتقدمنا، ألاحظ عرجا خفيفا في مشيته، فيهمس لي حسام : قطعوا رجله نتيجة التعذيب في أفغانستان ، وهذه رجل صناعية.

يلتقي حسام بالثلاثة الآخرين، وهم الثلاثة الذين صدرت ضدهم أحكام بالإعدام في قضية تفجيرات طابا (2004) الشهيرة، يبدي حسام تجاههم مودة كبيرة تليق بمعرفة-تصل لدرجة التوحد- فقد كان معنيا بمتابعة قضيتهم وتوفير ضمانات عادلة لمحاكمتهم، طوال ست سنوات.

وهنا أتفهم شحنة العواطف المطلقة العنان التي تجتاح زميلتنا سهى حين تحكي عن الثلاثة الذين حكم عليهم بالإعدام في تفجيرات طابا، بينما الاتصالات تجري هنا وهناك كي لا يصدق مبارك على الحكم، ويذهب الشباب الثلاثة- ربما ظلما، ومن المؤكد أنه ليس وفق إطار محاكمات عادل- لحبل المشنقة.

يتفاعل حسام معهم فأعتقد أنه نسى وجودي بجواره، وأترك أربعتهم في حديث لا يبدو أنه سينقطع أبدا، بين رفاق قدامى يعرفون بعضهم بالأسماء فحسب، بينما أتناول عبوة البيبسي التي لا أعلم من أين حصلوا عليها ولا في أي مفارقة هزلية سأشربها في سجن طرة اللطيف، بعد أن أصروا على أن أشرب واحدة وأن يشرب حسام أخرى (الدايت بالطبع).

كنا بالأحرى نبدو في بيت عائلة، لا في معتقل، فطقوس المضايفة واحدة، او هكذا هم المصريون أين كانوا!

(من وقت لآخر كنت أنتظر أن يقول أحدهم: الزنزانة زنزانتك)

وبينما نهم بالرحيل نلتقي “محمد الأسواني”..أسطورة أخرى، تتحرك على ساق سليمة، وأخرى أنهكها المرض، فلا تبدو صحة الأسطورة بخير.

أسطورة الأسواني انه معتقل منذ 31 عاما! على خلفية اتهامات كثيرة، يبدو أغلبها منتميا لفلكلوريات اتهامات أجهزة الأمن المصرية.

هكذا يمكن لبشري مثلك أن يدخل المعتقل دون محاكمة وهو في سن الثالثة والعشرين (هل كانت له حبيبة في هذا الوقت؟ هل كان مفعما بآمال ما؟ ماذا كان يعمل؟ وإلى أين كان يحلم أن يحط رحاله؟) فيظل داخل السجن حتى يبلغ الرابعة والخمسين من العمر!

أكثر من ثلاثين عاما مرت دون أن يشعر أحد ضباط عصر مبارك بوخز ضمير لأجل إنسان فقد حريته، وانتهى به الحال “رقما” داخل سجلات سجون الدولة المصرية، بينما يجثم عليه المرض رويدا رويدا، للدرجة التي تجعله يسير متأبطا مجموعة من الأوراق التي توثق حزمة الأمراض الكاملة التي يحملها بداخله.

كان الأسواني يرتدي قميصا كاروهات وبنطالا “جبردين” من الطراز الذي أفضله، فلا يبدو على وجهه الأسمر المتصالح مع الحياة (وهل هذه حياة؟) أي فرق صاعق في هيئته، التي تخفي بين أضلعه قصة أسطورية، ربما تجعل من سجن مانديلا (مع فوارق قيمية كثيرة) مجرد رحلة ترفيهية، فهي 27 عاما فحسب..بينما قضى الأسواني 4 سنوات زائدة..هل تضحي أنت بـ 6 سنوات زائدة من حريتك؟

أخرج وحسام، بينما قد دون هو الكثير من الملاحظات وبينما كنت أتنقل لاواعيا بين حالة من الوعي المشوش، وحالة من اللاوعي الكامل، نسير تحت الشمس الحارقة حتى بوابة السجن، بينما شعور بالغثيان يسيطر على كلينا، يبدو آخذا في التبدد كلما ابتعدنا عن مكان السجن.
**
حسام وسهى، زميلا عمل لمن لا يعرفهما