شقة رقم 8

يسكن قبالتي مراهق منحدر من أصول فرنسية، ينظم حفلات منزلية كل أسبوع، ويستمع لموسيقى صاخبة كل صباح من الحادية عشر حتى ميعاد رجوع أمه المصرية من عملها.

لا تجدي محاولاتي المستمرة في إقناع جاري المراهق بضرورة احترام حقوق الجيرة، وتشغيل الموسيقى بصوت منخفض، والتي توقظني من نومي يوميًا، مما جعلني أفقد الأمل وأتأقلم مع الوضع الفرنسي الحالي. نحن لسنا في ربيعنا السادس، ولكننا لسنا مراهقين على أيّ حال!

في مصر، تنتشر مقولة مغزاها أن “أولاد الحرام” لم يتركوا “لأولاد الحلال” شيئًا. معظم المصريين يرددونها، إلا أننا لم نعرف حتى الآن ماهية الشيء الذي لم يتركة “أولاد الحرام” “لأولاد الحلال”، كما أننا لا نقابل عادة في مصر “أولاد حرام” بكثرة في الشوارع، وحتى لو قابلنا، فهم لا يعلنون إذا كانوا “أولاد حلال” من عدمه، ولذا فإن لغز هذا الشيء الذي أخذه “أولاد الحرام”، ولم يعثر عليه “أولاد الحلال” مازال حائرًا وممتدًا على مدار أجيال.

يتعارك جاري المراهق مع والدته بالفرنسية لفترات طويلة من اليوم. ولكن في مرّة من المرات، صرخت أمه صرخة مدويّة بالمصري، سمعتها بينما كنت أغسل الصحون بعد الغذاء في مزاج رائق، “كيف تفعل ذلك يا أيمن؟! كيف؟! ماذا كنت لتفعل، إن كنت ابن حرام؟!” رنّ السؤال في مسامعي لأيام طويلة، ولم أعرف له إجابة.

أحيانًا ما يرنّ جرس الباب مرتادو حفلات جاري الفرنسي في منتصف الليل بالخطأ، حيث لا يرون، سواء من أثر الشراب أو عتمة البناية، أن منزلنا هو رقم سبعة وليس ثمانية، وأحيانًا أخرى أخرج من منزلي في منتصف اليوم لأجد مراهق ومراهقة غارقين في قبلات فرنسية على سلم البناية بانتظار أن يفتح لهما المراهق باب منزله.

من هو “ابن الحلال” ومن هو “ابن الحرام” على أيّ حال؟

الشرفة الخلفية للغسيل والحشيش

يصعد مالك العقار، وهو يشبه كثيرًا مُلّاك العقارات التقليديين في الأدب الإنجليزي الكلاسيكي، للطابق الرابع إمّا لتحصيل الإيجار، أو لاستئذان الأم وابنها في خفض صوت ملحمتهما اليومية التي عادة ما تنتهي بمغادرة الإبن المنزل للفّ سيجارة حشيش على ناصية الشارع.

لا يلفّ المراهق الحشيش في الشارع فقط، بل كذلك في حفلات عطلة نهاية الأسبوع المتعاقبة في الشرفة الخلفية للمنزل، وهو الحشيش الذي أشمّ رائحته بينما أعلّق الغسيل.

في تعريف المجتمع، يُعدّ “ابن الحرام” هو ذلك الإبن، أو الإبنة، الذي جاء من خلال علاقة جنسية لم يعترف بها مأذون يمثل الدين الإسلامي، أو محكمة شرعية تمثل الدولة، أمّا “ابن الحلال”، أو “بنت الحلال”، فهو العكس من ذلك.

كرّس المجتمع، وبعض الأفلام المصرية السينمائية التافهة، لمفهوم “ابن الحرام” بأنه السكير العربيد الذي يغتصب الفتيات، يسرق، يقتل، ويتاجر بالبانجو، وهو دائمًا مُلاحق من قبل السلطات، التي لم تعترف بنسبه، ولذا فهو غالبًا لا يترك “لابن الحلال” شيئًا في التراث الشعبي المصري.

يرسل سكان العقار لبعضهم عبارات خفية ممثلة في أسماء شبكات واي فاي، ففي حين نشوّه نحن اسم مالك العقار بكتابة اسمه مختلطًا بكلمة “سمين” بالإنجليزية، يهمس لنا المراهق الفرنسي بشبكة اسمها “أستطيع أن أسمعكما أثناء ممارسة الجنس ليلًا”، في حين أن الاسم الحالي لشبكة شهاب، الذي يسكن الطابق السادس، هو “وطّي الموسيقى يابن اللبوة” موجهًا كلامه بالقطع لجاري المراهق.

السؤال الآن، هل ترك “أولاد الحرام” شيئًا “لأولاد الحلال”؟ إن كانت الإجابة لا، فما هو هذا الشيء؟ وإن كانت الإجابة نعم، فأين هو هذا الشيء؟

الأمر الغريب هو أننا لا نمارس الجنس في الليل فقط.

يكمن عوار كبير في طيّات هذا المفهوم المضطرب، ليس فقط لأنه في بعض الحالات ينشأ “ابن الحرام” في كنف أسرة غير تقليدية، وفي هذه الحالة لن يصبح مجرمًا في الأغلب، ولكن كذلك لأنه ليس من الضروري أن يصير المطعون في أنسابهم مجرمين بالتبعية. علاوة على ذلك، فإن كثيرين من “أولاد الحلال” يصيروا مجرمين، وذلك لأن العلاقة بين الحالتين مشوشة، والقياس معلول تمامًا.

أمّا في الحالات النادرة التي يصير فيها “ابن الحرام” ابن حرام فهي على الأرجح بسبب أن القانون لم يعترف بنسبه لأبيه، بينما يتهم المجتمع الأم، الضحية، بإغواء المغتصب ويلومها، بينما يترك القانون المغتصب طليقًا هائمًا على وجهه في حالات عديدة. يمسي “ابن الحرام” ابن حرام لأن المجتمع يصمه بالعار، كونه لم يأت إلى الدنيا من خلال علاقة مختومة بخاتم الدين والدولة، بالرغم من عدم ضلوعه في هذا “العار”. وكأن السائل المنوي والبويضة يدركان قبل التخصيب إذا كان مصدرهما يرتديان خاتما زواج أم لا. في الحقيقة، المجتمع هو اللي ابن حرام! و”أولاد الحرام” لا يختلفون عن “أولاد الحلال” في شيء.

“ابن الحرام” لا يأتي جرّاء اغتصاب فقط، بل يطول المفهوم المصري لتعريف “ابن الحرام” ليشمل هؤلاء الذين تم تخصيبهم قبل يوم واحد فقط من الزواج الرسمي. إذن، فالفاصل بين “ابن الحرام” و”ابن الحلال” قد يقترب من يوم، وأحيانًا لا يتجاوز خصلة شعر أو خط رهيف غير مرئي.

يشغّل جاري موسيقى فريق الروك الأميركي آر.إي.إم، ويغني مُحششًا، “أنا أخسر ديني يا ولاد المتناكة…”

المهم هو أن “أولاد الحلال” لم يعرفوا ماهية الشيء الذي لم يتركه لهم “أولاد الحرام”، ولكن الأهم هو أن “أولاد الحرام” أنفسهم لم يعثروا على هذا الشيء بعد.