من الخطأ الهائل أن نختصر الأوطان بالأشخاص. نعم الأشخاص زائلون لكن الأوطان باقية.

جريمة أن ندافع عن بشار لأننا نريد الدفاع عن سوريا الوطن، سوريا الشعب. لماذا نتشدّق بالحديث عن الديموقراطية لكننا عند الحديث عن الحكام نصبح عبدة لأشخاص! نصبح إمّعات، أذلّاء ونضفي على هؤلاء الأشخاص هالات البطولة والقداسة، بينما كانوا بشرا أقل من عاديين منذ فترة قريبة.
الرئيس بشار له كل الإحترام كرئيس حالي رسمي، لكنه ليس كما يحاول البعض تصويره. لو وجدت ديموقراطية حقيقية لتغير رئيس سوريا حتى الآن مرتين أو ثلاثا.
كان بإمكان الرئيس السوري أن يكون قائدا عظيما لو انتهج منذ أول يوم من حكمه سياسة جديدة غير التي انتهجها والده، لكنه لم يقبل إلا أن يكون أداة منفذة لحزب. كما يجب أن نعترف أنه لو كان غير ذلك لقام حزبه بنفسه بتغييره. وليس أدل على ذلك أكثر من أن الحزب قد غيّر الدستور خلال ثلاث ساعات لأجله.
وسواء كنا في صفّ بشار أم ضده، فيجب علينا أن نعترف أن بشارا لم يكن يوما ديموقراطيا، يجب أن نعترف أن بشار ا- كوالده – مارس وبشدة الإذلال والسجن والتعذيب لكل من ساوره مجرد إحساس بالإختلاف. يجب أن نعترف أن بشارا فقد كل الفرص بأن يكون قائدا أبديا لسوريا، ولا أقصد بالأبدية أن يكون قائدا جسديا وإنما قائدا يذكره شعبه كقائد ملهم كما نذكر جمال عبدالناصر على سبيل المثال.
إن سجون سوريا امتلأت عشرات المرات بالمواطنين السوريين حتى دون ذنب اقترفوه، وحتى دون القيام بأي فعل من أفعال المعارضة. امتلأت وفرغت بالموت لمجرد الشبهة، ونعلم أن بعضا منهم (مثلا) اتهموا بأنهم من الجماعات الإسلامية مع أنهم مسيحيون!
وبالشأن الإقتصادي فبالرغم من أن سوريا لم تكن دولة مدينة إلا أنها لم تكن دولة مزدهرة إقتصاديا. إن الشعب السوري من الشعوب الفقيرة ومن أكبر ظواهر الفقر حجم الفساد الذي كان يرعاه النظام ويمارس تحت عيونه وبعلمه. كلنا نعرف أنه ما كان بإمكاننا أن ندخل سوريا وبختم جواز سفر أو دفتر مرور للسيارة إلا بمبلغ ما يوضع داخل الجواز أو الدفتر. كنا ندفع الرسم الحكومي خمسين ضعفا وبيد الضباط قبل الجنود، كلنا نعلم أن كل الموظفين السوريين بلا استثناء كانوا يتقاضون الرشوة وبشكل علني وواضح، بل إن تولي الوظيفة كان مقابل رشوة للأعلى فالأعلى، حسب مكانة الوظيفة من حيث إمكانية جمعها للرشوات. إن الفساد كان مستشر في الدولة السورية ليس حتى العظم بل في داخل العظم، ولا يمكن أن نعتبر دولة مثل هذه، دولة مزدهرة اقتصاديا. إن مجانية العلاج في سوريا يجب أن لا تنفي أنه لم يكن في سوريا علاج أساسا، اللهم الدواء، أما المستشفيات والأدوات العلاجية الأخرى فقد كانت في أزرى حالاتها، ولم يكن هناك مسؤول سوري واحد يجرؤ على تلقي العلاج في سوريا.
وعودا على الوضع الحالي وما يجري في سوريا الآن، فقد كان بإمكان بشار الأسد والنظام السوري أن يعالج أزمته الحالية منذ أن بدأت في درعا وما قبلها بالحكمة والعقلانية وإستيعاب الدروس، لكنه ونظامه مارسا القمع والأسلوب ذاته الذي اعتادا على ممارسته منذ أول يوم بدءا فيه بحكم سوريا. إلا أن الموضوعية يجب أن تجعلنا أن نقر بحجم المؤامرة على سوريا المخطط لها مسبقا. ربما نفهم تصرفه هذا بعد ما أرعبه ما حدث في تونس وليبيا ومصر وتوقع كبقية الحكام القمعيين أنه شيئ مختلف عن غيره، بالإضافة إلى أن تسارع الأحداث لم يعطه المجال ليعيد التفكير ويرسم خطا” جديدة، وحدث معه كما يحدث مع الذي يغوص في رمال متحركة أو الوحل، فانتهى إلى ما أصبح عليه من دمار وقتل وجرائم.
وإن كان الدكتور بشار الأسد قد بدأ بعثيا، إلا أن النتيجة كانت أن ثنائية الحزب والأسد ما عادت تحكم سوريا واستبدل بها ثنائية الأسد والعلويين، الأسد وقرداحة. من يعرف سوريا الآن يعرف أنه لا وظائف ولا مال ولا حكم إلا للعلويين. حتى القضاء والمحاكم والمحامين أصبحوا بيد العلويين ومن أراد أن تنجح قضيته في المحاكم فعليه توكيل محام علوي وليس ( حزبيا بعثيا ). هذه أمور يجب أن نعترف بها إن أردنا مناقشة الأمور بموضوعية ومنطقية، بعيدا عن العواطف والتحيّز والتحّزب والمكابرة والمغالطة.

بالرغم من كل ما سبق فإننا وبكل موضوعية أيضا، يجب أن نعترف أن ما يحدث في سوريا ليست قضية معارضة لنظام حكم أو مناشدة للديموقراطية أو حربا على الفساد. إن هدف إسقاط سوريا هو هدف العصابات المسلّحة. نفقد كل الموضوعية والعدالة إن طالبنا الرئيس الأسد بتسليم الحكم لهذه العصابات طوعا. لا نشك أبدا بأن ما يحدث في سوريا هو بدعم خارجي وكجزء من تنفيذ مؤامرة كبرى على المنطقة. إن إرتباط الدول الداعمة للعصابات الإرهابية بالقوى التي تتآمر على المنطقة وقضيتنا الأساسية الفلسطينية لا شك فيه. مصيبتنا أننا ننجرف وراء مظاهر مزيفة خبيثة ترتدي اللحى وتتدثر بغطاء الدين لتنفّذ أكبر وآخر خطوة في المؤامرة الكبرى على فلسطين. مشكلتنا تنشأ حين نتصور أن الصراع في سوريا هو صراع ديني فننحاز طبيعيا وتلقائيا للدين، بينما في الحقيقة فإن من ينحازون لهذه العصابات لا يدركون أنهم يشاركون بأكبر مؤامرة على القضية الفلسطينية أولا، وعلى الدين ثانيا.
يوجه اللوم للنظام السوري على قصفه الأحياء المدنية وقتله المدنيين، لكن اللوم لا يوجه للإرهابيين الذين يضربون ضرباتهم للجيش والنظام السوري، وحتى للمدنيين في تفجيراتهم وسياراتهم المفخخّة، ثم يختبؤون في أحضان النساء وبين الأطفال. عيب أن نطالب النظام السوري بالإلتزام بالمعايير الإنسانية في الوقت الذي يفتقد عدوه لكل أسس الإنسانية. بل إن كثيرا مما يحدث من قتل للمدنيين ودمار للتجمعات الشعبية، يحدث بأيدي هذه العصابات وينسب زورا وبهتانا للنظام السوري. يحدث أن نسمع التعذيب والقتل لأشخاص وينسب هذا الفعل للنظام وشبيحته، بينما في خلفية الصورة لحى وأصوات بالتكبير. لا ننكر ممارسات النظام السوري لكنه عيب أن نصوّر الطرف الآخر كالحمل الوديع. نعرف يقينا أن وحشية النظام أقلّ من وحشية الطرف الآخر الذي اعتاد الإجرام واعتبر قطع الرؤوس من أولى أدواته كما فعل في العراق وفي أفغانستان.
تلقى الإتهامات جزافا وبغوغائية للنظام السوري بقطع الكهرباء وعدم توفير المشتقات البترولية وقصف المخابز، وننسى أن حكومة في خضمّ كل ما يحدث لا زالت توفر الكهرباء والمشتقات البترولية والخبز والخضروات لشعبها. لا نعتقد أنه سبق لحكومة أن اهتمت بشعبها إلى هذا الحد. نعترف أن الحكومة السورية تعرف وتدرك أن من يقف وراءها فعلا هو الشعب السوري.
وأنهي مقالي هذا بالإقرار أنه لا يوجد نظام استمر وبقي في مواجهة شعبه ( سوى النظام الكوري الشمالي )، وأن الإنتصار مهما استمر القمع فهو للشعب، إلا أن ما يحدث في سوريا ليس أبدا ثورة شعبية وإنما محاولات للمرتزقة وللعملاء للقضاء على سوريا الوطن.
لا نقف مع النظام السوري السابق – بإعتبار إيماننا بحتمية حدوث تغيير في عقلية النظام الحالي – في قمعه لشعبه وممارسته وإقراره للفساد والسماح لثلة فاسدة بالسيطرة على مقدرات الوطن الإقتصادية والإثراء على حساب شعب جائع، إلا أننا نؤمن إيمانا مطلقا أن ما تتعرض له سوريا هو مؤامرة خارجية ليس للشعب يد فيها، وبأن هذه العصابات التي تتستر بالدين تتآمر على الدين والعروبة وفلسطين سواء بعلم أفرادها أم بجهلهم وانجرافهم بحماسة التدين.
نتوقع انتصار الدولة السورية ( وليس النظام الأسدي العلوي ) على هذه العصابات. نعتقد أن النظام السوري لا بد أنه أصبح يعرف يقينا ممارساته الخاطئة طيلة عهود سابقة. لا ندعو لبقاء الحكم الأسدي لكننا ندعو لبقاء سوريا الوطن، الشعب، الدولة.