قرب نهايات الثمانينات وجدتني مهتما بالحوار مع الشباب ،وكنت ما أزال واحدا منهم، تبلو عندي فكرة أن نجتمع معا شبابا و فتيات و نستضيف ضيفا من جيل أكبر ليكلمنا في موضوع يهمه أو يكتب فيه،وكان ضيفنا الثاني في هذه الصالونات الثقافية،أستاذي الراحل..فيما بعد .. الدكتور  عبد  الوهاب  المسيري.. و توالت اللقاءات حتى انقطعت بسبب غزو العراق للكويت،ثم عاودت الكرة بعد انقشاع آثار الغمة،وعدنا نتقابل ، في جلسات أنظمها للشباب و الفتيات من طلاب الجامعات.

و في  يوم قابلت أحد الدعاة المشهورين اليوم .. فقال لي: هذه اللقاءات حرام لأنها مختلطة،تجمع الشباب و الفتيات،وتناقشنا،فلم يقتنع برأيي،ولم أقتنع بكلامه،حتى تغيرت أفكاره فيما بعد ، و لم يعد يرى في لقاء الناس في المجال العام بأسا ، كما أعتقد أنه موقف الإسلام بوضوح.

   و يبدو أن أنظمة سلطوية ما أرادت ضرب الإجتماع الإنساني و الأهلي لشعوبها،لأن  هذا الإجتماع هو  أصل  السياسة و التنوير و التفاعل الإنساني ، و التعبئة الفكرية،فخرجت هذه السلطات ببدعة الإختلاط ، و هو تحريم لقاء الرجال ، بالنساء .. بما  لم   يأت  به  قرأن و لا سنة و لا سيرة .. و انطلت هذه الفرية على جموع الطيبين ، فصار الأصل عندهم اجتناب اللقاء العام ، حتى تآكل المجال العام ، الذي هو كما أسلفت أصل التمدن ، و التجديد الفكري و النفسي ، و لولا فرضية صلاة الجماعة و الجمعة ، لألغتها نفس  السلطات حتى لا يقابل الناس بعضهم بعضا.

تداعت هذه الذكريات إلى رأسي ، و أنا أتابع بإعجاب ما يقوم به شباب ، و يسمونه “اللمة” ، التي تنعقد أسبوعيا لنقاش متميز بعناوين جذابة ، و حضرت جانبا من لقاءين لهذه “اللمة”.

نحن محتاجون بشدة إلى اللقاء و الحوار  المتبادل في كل الوطن،خارج القاهرة و المدن الكبرى لا يكاد الناس يجتمعون بهذا الشكل لمناقشة شأن عام في الثقافة أو الآداب ، اللهم إلا مجموعات محدودة معزولة ، بينما الإنعزال الاجتماعي هو السمت الغالب ، و هو مناخ يولد من الأمراض و العلل النفسية .. ما أراه في عيادتي ، بشكل  يومي!

لقد  كانت الثورة المصرية فرصة رائعة لنكتشف قوة اللقاء و اللمة معا ، و نكتشف  أن العزلة السابقة كانت من تدابير  الاستبداد لإحكام السيطرة على شعوب لا تشعر بقوة ال نحن ، العامة ، و لم تعدم هذه السلطات أنصارا من سفهاء العقل ، و من أصحاب الفقه المنقوص في قمع لقاء الناس ببعضهم لمبررات يسوقون أنها دينية.

و لم  نسمع منهم حتى الأن تصورهم حول حكم الدين .. كما يفهمونه .. في  المظاهرات و الاعتصامات التي هي ثورة مصر ، من جهة أنها اجتماع للناس  رجالا  و  نساءا  ، في مكان عام ، هل  هي  حراك  محمود ، أم  اختلاط مذموم ؟؟

هذه  السطور  هي  تحية  و إشادة  باستعادة  الجماعية  و  الحوار  المجتمعي  و  اللمة التي  أتمنى  أن  تنتشر  في  كل  حي ، و منطق  ،  و  محافظة  لنعيد  بناء  العلاقات المفككة ، و الأمة  المبعثرة على يد  الاستبداد السياسي ، و أعوانه من أصحاب العقول الضيقة ، و الفهم المختل  للدين  الحنيف  ،  و  الشرع  الشريف.