الإسلام في البدء كان يخاطب قوما معينا في زمن معين ، والمصحف الكريم الذي بين أيدينا اليوم لم يكن مكتملا ولا متوفرا في ذلك الوقت، وإنما كان الناس يلجؤون إلى الرسول كلما احتاجوا إلى ذلك، ولذالك كانت وفاته ص حدثا عظيما بالنسبة للمؤمنين.

في زمن الرسول ص كان القرآن حيا يتفاعل مع متطلبات الناس وينزل تلبية لحاجياتهم : ويسأللونك عن كذا …وقالوا كذا… قد سمع الله قول التي… ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها…
وعند وفاة الرسول لم يكن في قومه من لديه استعداد لاستقبال الوحي حتى يستمر نزول القرآن ، فأصبح أمر السلطة التي كانت بيد الرسول “دنيويا” بعد أن كان أمرها “سماويا”، فبادر بعض أصاب الرسول إلى تنصيب واحد منهم كخليفة دنيوي لرسول الله، غير أن الناس كانوا متعودين على أن يحكمهم رجل يوحى إليه من السماء، ولهذا لم يكن من الهين على ذالك الخليفة المفروض أن يجمع حوله الناس، فأرسل الجيوش لإذعانهم بالقوة ولإجبارهم على دفع الزكاة له حتى يتمكن من بسط سلطته على كل القبائل المجاورة، وقد أدرك ذلك الخليفة أن أكثر شيء يهدد سلطته هو وحي السماء لمسيلمة وغيره من النبيئين فبدأ بمحاربتهم ظلما وعدوانا، رغم معارضة معظم الصحابة له، وكان نبي الله ورسوله مسيلمة عليه الصلاة والسلام أكبر عقبة في طريقه، فقد كانت له مكانة عظيمة في قومه، وكان يستقبل الوحي قبل بعثة الرسول محمد ص.

يقول الدكتور جواد علي في المفصل:

“وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى ردّ الله عليهم ذلك بقوله: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى. ولهذا قال كفّار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري. وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة.
وذكر أن المشركين سمعوا النبيّ يدعو ربه، يا ربنا الله ويا ربنا الرحمن، فظنوا أنه يدعو إلهين، فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحداً، وهو يدعو مثنى مثنى. وأن أحدهم سمع الرسول يقول في سجوده: يا رحمن يا رحيم فقال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة دعا الرحمن الذي باليمامة.

وورد ان قريشاً قالوا للرسول: “انا قد بلغنا انك إنما يعلمك رجل باليمامة، يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبدا”. فنزل فيهم قوله: “كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا اليك، وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي لا إلهَ إلا هو عليه توكلت واليه متاب”.

وذكر بعض أهل الأخبار: كان مسيلمة بن حبيب الحنفي، قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين، وذلك قبل أن يولد عبد الله أبو رسول الله”

وذكروا أنه كان يسمى ب “الرحمان” قبل مولد “عبد الله” والد رسول الله، “وكانت قريش حين سمعت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلهم دق فوك، إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة “.
وذكروا أنه دعا إلى الرحمان، أي إلى عبادة الرحمان. بينما عرف نفسه ب “الرحمن”، فقيل له: “رحمان اليمامة”. وأنه دعا إلى عبادته هذه قبل النبوة، وقد عرف أمره بمكة، فلما نزل الوحي على الرسول، قال أهل مكة إنما أخذ علمه من “رحمان” اليمامةّ. وقالوا له: ألا إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبداً “. فأنزل الله سبحانه: “وهم يكفرون بالرحمن. قل: هو ربي”. كان مسيلمة بن حبيب الحنفي، ثم أحد بني الدول قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين. ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله ابو رسول الله صل الله عليه وسلم.
وأرى أن “مسيلمة” كان قد دعا إلى عبادة الرحمن متأثرا ًبدعوة المتعبدين له ممن كان قبله على ما يظهر، وهي عبادة إله اسمه “الرحمن” فعرف مسيلمة ب “الرحمن” وب “رحمن اليمامة”. وعبادة الرحمن ديانة متأزرة بفكرة التوحيد، وبوجود إله واحد هو “الرحمن” رب العالمين..

وأنا لا أستبعد ما نسب إلى “مسيلمة” من دعوى نزول الوحي عليه، وتسمية ذلك الوحي “قرآناً” أو كتاباً أو سفراً، أو شيئاً آخر، ولكني أستبعد صحة هذه الآيات التي نسبتها الكتب إليه، وأرى أن أكثرها ورد بطريق آحاد، فلما نقلها الخلف عن السلف، وكثر ورودها في الكتب ظهرت وكأنها أخبار متواترة، وصارت في حكم ما أجمع عليه.(…)

انتهى ما نقلته من المفصل.

فأرسل الخليفة المفروض قائد جيشه لقتل مسيلمة وأصحابه رغم اعتراض الصحابة على ذلك، فأبادوهم في ما يسمى بحديقة الموت ومحوا كل أثر لقرآن مسيلمة حتى لا يقوم أتباعه بإحياء تراثه وحتى لا تقوم لهم بعد ذلك قائمة، وأنشؤوا مكان قرآن مسيلمة قرآنا مضحكا نسبوه إليه، واتهموه بالكذب وادعاء النبوة ولعنوه في كل مناسبة. جاحدين لقوله تعالى بأن “الرحمان” هو الذي “علم القرآن” وقوله “قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى”.
ولملء الفراغ الذي أحدثه انقطاع الوحي بادر الخليفة إلى جمع القرآن في مصحف واحد واتخاذه كدستور لدولته الحديثة، وسار على نهجه من تبعه. وحتى لا ينازعهم أحد في الأمر، ويتمكنوا من غزو الشعوب الأخرى، أحدثوا أركانا أضافوها إلى أركان الإسلام الخمسة وهي إجبار الناس على الإعتقاد بأن الرسول ص لا نبي ولا رسول بعده وأن خطاب القرآن الكريم ملزم لجميع البشر وأن الجهاد فريضة على كل مسلم، وأن مسيلمة كذاب يجب لعنه في كل مناسبة، فخلقوا بذلك إسلاما مشوها، غير مطابق للأصل، وهو الإسلام الإرهابي الشائع اليوم.

إن أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله ص هو نبي الله ورسوله مسيلمة لا غيره.

سؤال ينتظر الإجابة: ما هي الأسباب التي جعلت الناس يرجحون رأي أبي بكر على رأي عمر بن الخطاب وباقي الصحابة على مدى كل هذه القرون وهم يعلمون أنه قاتل لألوف من الأبرياء؟ ولماذا يستمرون في تكذيب وتكفير مسيلمة رغم الدلائل الكثيرة التي تبين أن رسالة الإسلام بدأت منه؟

للمزيد من التفاصيل ابحث عن سقيفة بني ساعدة  وعن ندم عمر بن الخطاب على مبايعته لأبي بكر وغير ذلك من الأحداث التاريخية المفيدة في الموضوع.

_______________________

مختصر من مدونة: خطاب القرآن الكريم خاص بقوم الرسول ص