أخطر كذبة عرفها التاريخ هي زعمهم بأن خطاب القرآن الكريم ملزم لجميع البشر، وهذا زعم يفنده القرآن نفسه.

الكثير من الآيات تدل ، تارة صراحة وبكل وضوح، وتارة ضمنيا، بأن خطاب القرآن الكريم خاص بقوم الرسول عليه الصلاة والسلام.

يقول الوحي :

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ….

لم يستثن أي رسول.

ويقول:

حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

الر، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

الهدف والغرض والغاية من إنزاله عربيا هو أن يعقله قوم الرسول ص لا غيرهم.

تأمل كذلك قوله في الآيات التالية:

وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا.

الضمير في “لعلهم” يرجع إلى قوم الرسول ص بالتحديد، لأن القرآن أنزل عربيا من أجلهم لا من أجل غيرهم.

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؟

لله الحجة البالغة، هل يعقل أن يخاطب قوما بغير لغتهم وهو يعلم مسبقا أن ترجمة خطابه إلى لغات أخرى شيء مستحيل، ولا سيما أن الكتابة ووسائلها لم تكن متوفرة عند معظم الشعوب في ذلك الزمان.

لو نزل القرآن الكريم على الرسول (ص) بلغة أعجمية، كالصينية أو الروسية أوغيرهما، فمن الطبيعي أن لا يؤمن به قومه لأنهم لن يفقهوا ما يقول، وليس من المنطقي أن يكلفهم الله مشقة تعلم لغة أجنبية من أجل الترجمة وهو قادر على أن يخاطبهم بلغتهم، وليس من المعقول أيضا أن يكلفهم عناء ترجمته للغات أجنبية وأغلبهم أميون ليس فيهم من يحسن تلك اللغات ولا من يستطيع أن يتخلى عن مشاغله وعن السعي من أجل قوت عياله ليتفرغ للترجمة، ثم إن الترجمة مستحيلة تماما بالنسبة للقرآن الكريم لأنها تختلف كثيرا حسب فهم المترجم وتأويله.
وبمقتضى العدل الإلاهي فإن ما هو صحيح بالنسبة للعرب فهو طبعا صحيح بالنسبة للأعجمين، بما أن القرآن نزل بلغة غير لغتهم فمن البديهي أن لا يؤمنوا به. هذه هي الحقيقة، أحب من أحب وكره من كره.

وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ.

“وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ” أي ولو نزلنا هذا القرآن العربي “عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم” أي فقرأه على أولئك الأعجمين مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، بالطبع لأنهم لن يفقهوا ما يقول. أعربي وأعجمي!!!

تبين هذه الآية بكل وضوح أنه من البديهي بالنسبة للأعجمين أن لا يؤمنوا بما جاء في القرآن الكريم، فهم غير مطالبين بالإيمان به أصلا ولا حجة عليهم بالمرة.

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.

تشير هذه الآية إلى حدود الإسلام الأصلية: أم القرى ومن حولها. القرآن نزل عربيا لينذر به أم القرى ومن حولها لا من أجل أن يترجم وينشر على نطاق واسع. الترجمة ليست مفروضة على الناس وإنما هي اختيارية وتطوعية، وهي في الواقع مستحيلة بالنسبة للقرآن الكريم كما هو معروف عند الجميع.

تأمل كذلك قوله :

وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ، وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ.

يقول : “لك ولقومك” ولم يزد شيئا على ذلك، وعندما يخاطب أهل الكتاب مثلا فإنما يخاطب اليهود والنصارى من قومه لا الأعجمين منهم.

لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ، أَفَلا تَعْقِلُونَ.

لقد أنزلنا إليكم يا معشر قريش كتابا فيه ذكركم، أي فيه شرفكم، من قبيل : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ. لو كان الخطاب موجها للاعجمين أيضا لما وجدت في القرآن الكريم مثل هذه الآية.

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ…

تبين هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى فوق جميع المذاهب والأديان، ولهذا فإن أي شخص لا ينتمي إلى قوم الرسول ص لا يجوز وصفه بأنه مؤمن أو كافر حسب المفهوم الديني الإسلامي، فهو بالنسبة للإيمان والكفر الإسلاميين كالطفل الصغير الذي لا زال على الفطرة أو كالرسول ص قبل البعثة إذ يقول فيه الوحي : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ .

تصفح القاموس المحيط مثلا إذا أردت أن تعرف هل القرآن الكريم نزل بلسانك أم لا.
لا يمكن لأحد اليوم أن يقول بأنه من قوم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مضي كل هذه القرون، ولكن بإمكان المرء أن يعتبر نفسه من أمة محمد ص أو من أتباعه إذا اختار ذلك أو إذا اقتضى الحال، وفي هذه الحالة يجب عليه أن يكون واعيا بما يعنيه أن يكون منتميا لأمة الرسول ص وحذرا حتى لا يسقط في فخ المتطرفين أوالمستغلين للدين.

كل رسول أرسل إلى قومه فقط :

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا.
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا.
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ.

المسيحية كذلك موجهة إالى بني إسائيل فقط ، أما غيرهم فليسوا بمعنيين بها، وما تبنوها إلا إكراها أو انتهازا أو وراثة أوجهلا بطبيعة الرسالة:

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ،
وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ،
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ.

تأمل، قال “ابْنُ مَرْيَمَ” ولم يقل عيسى بن مريم. وذلك تقليلا من شأنه حتى لا يعتقد قومه بأنه يهدف إلى إشراكه في الألوهية. ثم قال:

إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ.

فاطمئنوا، إنه لا يعنيكم أنتم يا أهل قريش، إنما أرسل عيسى إلى قومه فقط.

وفي آية أخرى:

وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ. مشيرا إلى عيسى بن مريم.

وفي زمن موسى كذلك كانت التوراة خطابا لا يعني إلا بني إسرائيل فقط، وما كان خطابه لفرعون إلا من أجلهم :

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

لا توجد في القرآن الكريم أية آية تدل على أن خطابه ملزم للجميع، ولا يمكن أن توجد مثل هذه الآيات وإلا فستكون في تناقض تام مع ما ذكرناه.

ولما انتقل الرسول ص إلى الرفيق الأعلى بادر المنتهزون إلى فرض فكرة أن القرآن الكريم خطاب موجه لجميع البشر، وأنه هو آخر خطاب إلآهي، وأن الناس جميعا ملزمون باتباع كل تفاصيله، وهذا مستحيل طبعا، لأن ذلك يعني بالنسبة للأعجمين أن يتبعوا المترجمين والمؤولين على اختلاف آرائهم وتناقضاتهم. وقد حرصوا على هذه الفكرة حرصا شديدا من أجل السلطة والغزوات وجمع الزكوات والجزية بغير حق. وسخروا لمزاعمهم كثيرا من الأحاديث المكذوبة، كما ألصقوا لبعض الآيات العامة من القرآن الكريم تأويلات تخدم أغراضهم.

الذين يصرون على فرض ما يسمونه بالشريعة الإسلامية على الناس جميعا ويجاهدون من أجل ذلك هم أخطر الناس على المجتمع البشري، أغلبهم أميون شحنت أدمغتهم، وكثير منهم إنما يستغلون ميول الناس للتدين فيستعملون الدين كوسيلة للوصول إلى السلطة والتحكم في البشر، وكلا الصنفين عدو لحرية الفكر التي هي من الفطرة ، وحرية المعتقد، ومنبع للعدوان والإرهاب.

الرسالة-النبوءة ظاهرة طبيعية في جنس الإنسان، ظهرت منذ أزمان غابرة وستستمر ما دام الإنسان موجودا، ولكل رسول-نبيء أمته وأتباعه، من قومه ومن غير قومه، ولا معنى أن يكون واحد منهم هو آخر النبيئين أو آخر المرسلين كما يدعي المسيحيون والمسلمون عموما فهذا من أعظم الكذب على الله.

ومن الجور الرهيب أن يفرض على أحد أن يؤمن برسالة ما أو بمذهب ما وهو في داخله غير مقتنع، فإن ذلك يتعارض مع الفطرة السليمة ويلحق أذى كبيرا بالكثير من الناس ولا سيما العقلاء منهم أصحاب الفطرة السوية.

الإيمان بالله ودعاؤه وحمده على نعمه والإلتزام بالقيم الإنسانية والمبادئ النبيلة باسم الله شيء مريح ومطمئن، والإنتماء إلى مجموعة دينية أو مذهبية أوصوفية واتباع ما جاء به أحد الرسل غالبا ما تكون فيه مصلحة نفسية ومادية وسكينة روحية بالنسبة للكثير من الناس ، أما الإيمان بأساطير الأولين مما يرويه فلان عن فلان عن عن عن والإحتجاج بذلك لتكفير الناس ومحاربتهم فذلك شيء مرفوض فطرة وعقلا.

الذين يزعمون بأن الخطاب القرآني بشريعته ومناسكه ملزم لجميع البشرغالبا ما يستندون إلى بعض الآيات القرآنية من قبيل:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ.

وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

لنتفحص هذه الآيات:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .

في بعض التفاسير:

وما أرسلناك إلا كافة للناس أي كافا لهم عن المعاصي…

حتى لو افترضنا أن “كافة للناس” تعني جميع الناس، كما جاء في معظم التفاسير، فهذا لا يعني سوى أن الخطاب موجه إلى جميع الفئات من قومه لأن فيهم المشركون والدهريون والصابئون واليهود والنصارى وغيرهم، لأن الخطاب أصلا موجه إلى قومه فقط.

وحتى لو ذهبنا بعيدا واعتبرنا أن “كافة للناس” تعني جميع الناس بدون استثناء، فقد وضح نوع هذه الرسالة بقوله “بَشِيرًا وَنَذِيرًا”، أي أن الرسالة الموجهة للجميع إنما هي رسالة تبشير وإنذار وليست رسالة من أجل فرض شيء معين.

ومثل ذلك قوله:

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ .

وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.

أما قوله :

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

أي ومن يبتغ من قومك غير الإسلام دينا…

و المراد بالإسلام في هذه الآية هو الإسلام الإبراهيمي العام أي عقيدة التوحيد، “مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ” وهذا الإسلام العام لا يتضمن مناسك محددة ولا تشريعا محددا. الهدف من هذه الآية هو توطيد أسس الحكم ودرء الفتنة وجمع العرب على كلمة واحدة. أما كلمة الآخرة هنا فلا تعني بالضرورة ما بعد البعث، ربما تعني: في آخر المطاف، عندما ينتصر المسلمون على مشركي مكة ويصبح الأمر بأيديهم. قال: وهو في الآخرة من الخاسرين، ولم يذكر ماذا عساه أن يخسر، ولم يتوعده بالعذاب الأليم كما جرت العادة. وفي جميع الأحوال لا يجب  أن ننسى أن الخطاب بطبيعته خاص بقوم الرسول ص فقط، وإلا فسيكون خطابا مستبدا وغير مقبول بالمرة.

إن أقصى ما يمكن أن يدافع عنه الذين يريدون أن يفرضوا على الناس عالمية الخطاب القرآني هو قولهم بأن القرآن الكريم ذكر للعالمين، أي لجميع الناس، و أن الرسول ص نذير وبشير للجميع. أما أن يكون الخطاب بشريعته ومناسكه وجميع تفاصيله ملزما للجميع فهذا يتناقض مع قوله الصريح:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ …

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً…

وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ.

وغيرها من الآيات التي أشرنا إليها سابقا.

يقول الوحي:

“وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”

في القرآن الكريم غالبا ما تأتي لفظة العالمين كمرادف للفظة الناس وتحل محلها من أجل القافية. “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” أي وما أرسلناك إلا رحمة للناس أي لقومك، يعني أن الهدف من الرسالة هو أن تكون رحمة لمن بلغته وفهم لغتها ومغزاها لا أن تكون بجميع تفاصيلها ملزمة للجميع، وهل في الإلزام والإكراه رحمة ! التأويل الخاطئ لهذه الآية ومثيلاتها يدفع بالكثير من الناس إلى التعصب في الدين وإلى اعتبار كل من يخالفهم في المعتقد عدوا تجب محاربته، وذلك ضدا عن الوحي الذي يقول:

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ.

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.

وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.

لو كان الرسول ص يمتاز على غيره بكونه آخر النبيئين أو آخر المرسلين لقالها الوحي صراحة وبكل وضوح حتى لا يكون في الأمر غموض، لأن المسألة في غاية الأهمية، ولا يتصور أن يسكت عليها الكتاب المبين.
هل يعقل أن يحبس رب العزة الرسالة عند قوم معين ويترك الناس يتخبطون في التفسيرات والتأويلات التي لا تنتهي وفي الأحاديث المعنعنة الكثيرة التي بالرغم من اجتهاد المجتهدين يستحيل أن يحسم في صحتها وسلامتها من الزيادة والنقصان!
لو كان الرسول ص هو آخر المرسلين كما يدعون لكان ذلك فيه حيف كبير بالنسبة للشعوب الأخرى التي لم ينزل القرآن بلسانها. فلا معنى أن تحاسب هذه الشعوب على مضمون خطاب لا يصلها إلا عبر مترجمين غير متفقين فيما بينهم.

الإعتقاد بأن الرسول ص هو آخر المرسلين أو آخر النبيئين ليس من شروط الإسلام ولا من أركانه وإنما هو بدعة وضلالة أحدثت لأغراض معروفة. الرسالة-النبوءة ظاهرة طبيعية في جنس الإنسان ولا معنى أن تكون قد انقطعت في وقت معين عند قوم معين. وحتى لو افترضنا أن القرآن خطاب موجه إلى كل البشر بدون استثناء كما قد يفهم البعض من قوله : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا…، فهذا لا يعني أن الرسالة -النبوءة قد انقطعت.

نعم، أخطر كذبة عرفها التاريخ هي زعمهم بأن الخطاب القرآني ملزم لجميع البشر. كذبة استغلوها، ولا يزالون، كمبرر للترهيب والظلم والعدوان وسفك الدماء وغزو الشعوب، وذلك ضدا على القرآن الكريم الذي يقول:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ، لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

انظر وتأمل كيف يعاني المسلمون وغير المسلمين اليوم من انعكاسات هذه الكذبة المشؤومة وتداعياتها في الكثير من بقاع العالم. لولاها لما ظهرت تلك الفرق الظلامية التكفيرية الخطيرة التي تعرفونها بأسمائها.
النبي عليه الصلاة والسلام بريء من جميع الجرائم التي ارتكبت من بعده باسمه، ويتحمل وزرها من أطلق هذه الكذبة نصبا واحتيالا من أجل السلطة وجمع الزكاة والجزية والفتوحات الظالمة.

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ.