ـ”كشف حمااااااااامه” كلما إستمعنا إلى هذه الصيحة المُلحنة داخل الفصل، كان كل فرد منا يأخذ وضع الإغلاق على جسده، مع الإستعداد لإظهار ردود فعل عنيفة قد تترك إصابات أو كدمات على الطرف المبادر بالهجوم!!. كشف حمامة هي تلك التسميّة التي إعتدنا إطلاقها على ذلك الفعل الساذج الذي كنا نقوم به في المرحلة الإبتدائيّة والإعداديّة وربما الثانويّة أيضًا، حيث كان يتفق مجموعة من الطلبة على الهجوم على طالب آخر وأنزال بنطاله لأسفل بالقوة، وإظهار عضوه التناسلي، أحيانا لمعرفة من أتموا مرحلة البلوغ، وأحيان أخرى لإهانة الشخص والسخريّة منه ليس أكثر، ولكن الخلاصة من الفعل أن يتم “الكشف عن خصوصيّة شيء لا يرغب الآخر في إظهاره”، نعم إنه نوع من التطفل والفضول يعد أحد أهم السمات المميزة للشخصيّة المصريّة، ويصل في أوقات كثيرة إلى حد الوقاحة!!.
 الآن وبعد أن أصبحنا في مرحلة عمريّة مختلفة عادت ظاهرة “الكشف” ولكن بشكل مختلف مواكب لتطورات العصر الحديث الذي نعيشه، فأصبح كل مواطن في مصر يملك عقليًا ما يشبه جهاز (Bar code Reader) سواء أعلن ذلك أو لم يعلنه، سواء أظهر الجهاز أو لم يُظهره، فدائمًا تجد كل شخص تجلس معه، يقوم بتشغيل الجهاز ليتم وضعك في رف أو درج مناسب لك، محاولة سخيفة للقولبة، وحتى يسهل عليه التعامل معك!!، ويبدأ في فحصك لقراءة تصنيفك، فيبدأ سيل من الاسئلة عديمة المعنى؛ أنت بتشتغل، مبسوط في شغلك، مرتبك كم، إيه علاقته بمجال تخصصك!؟.. أنت مثلي ولا طبيعي كباقي الناس، ولا متعاطف مع المثليين بس!؟.. أنت ملحد، ولا اجنوستيك، أصل فيه متدين اجنوستيك وفيه ملحد اجنوستيك، طب إنت يساري، أقصد يساري لينيني، ولا تروتسكي، ولا ستاليني، ولا ماوي، أو ممكن تكون يساري ديمقراطي، أو اشتراكيّة علميّة!!؟، أنت ليبرالي، ولا ليبرتاري، أو رأسمالي، أو بورجوازي، ممكن تكون أناركي، أو لا سلطوي.. مش فاهم يعني حضرتك مثلا سادة!!، ليس لك أي إيديولوجيا أو تعريف أو تصنيف!!؟.
 إن كان من الصعب أن تتعامل مع أي شخص دون أن تعرف أرضيّة مُتفق عليها، ربما لأنك تخشى أن تهينه دون أن تقصد، أو تخاف أن يُظهر لك جهلك بموضوع النقاش، ستجد هناك  بعض القضايا الإجتماعيّة مفتوحة لم تنته، وصالحة للنقاش أي وقت، وفيها، ومن خلالها، يمكن معرفة توّجُه أي شخص بكل سهولة، دون أن يعلن لك أي شيء.