هذا وقد توقف شيطان الكتابة عن إرسال وحيه المقدس، فصرخ الكاتب:

- شيطاني أين وحيك لي؟، لقد مللت يدي وأصبحت لا تقوى على رسم الحروف ونفخ الروح فيها لتخرج شخوصاً أتحكم أنا بها ورغباتك أنت.

رغم بكاء الكاتب وتورعه الشديد في حضرة شيطانه إلا أن الأخير لم يتجلى إلى الآن ولو بفكرة وحيدة، ظل الكاتب يدعي، ويبتهل، وينير الشموع، ويستمع لأغنيته المفضلة لفيروز، لعل الأمر يختلف، ولكن كل هذا لم يغير شيئاً عن موضعه قط، مما جعل الكاتب ينسى مواضع الحروف فوق السطور، وجعل شخوصه تجري بلا هوادة، أبطاله يجمعون أغراضهم التي تبعثرت على أوراقه المشتتة هنا وهناك، فتلك فتاة كانت تنتظر صديقها ليرقصا سوياً على أنغام أغنيتهما المفضلة “كن صديقي” وبعد أن أنهيا رقصتهما، سألته:

- هل نحن بالفعل أصدقاء؟!.

فأجابها بقبلة شرهة، جعلت ردها يزوغ بأفكار الكاتب، فثارت ثورته، وقال بصوتٍ لم يسمعوه هم:

- كفى يا سادة، أنتما أصدقاء، فلماذا تقبلها بتلك الطريقة الشرهة، لا تقبلها هكذا، سأشطب قصتكما من أوراقي، بل سأقطع الورقة إلى الأبد.

قالها، وبدأ في تمزيق تلك الصفحة، وما إن مزقها حتى خرج صوتٍ زلزله، فخر ساجداً، سأله صاحب الصوت:

- لما قطعت ورقتهما يا غبي؟، القبلة الشرهة هي التي تحول الصداقة إلى حب، والحب قد يتم بعلاقة جنسية فجة، تزيد أنت بها ما تكتبه شهوانية، وأزيد أنا من نزواتي التي لا تنتهي، هيا أكتب ما أمليه عليك:

“بالفعل يا صغيرتي صديقتي، ولكن شفاهك الجميلة كانت كالمغناطيس الذي جذبني إليها دون وعي مني، ولم ترفضني شفاهك الجميلة وأطاعتني حتى ارتويت تماماً، وتعلمين صغيرتي أن الكأس يزيد الرغبة، والرغبة لدى الآن كاملة، فلا توقفيها وتحركي معي حتى نصل إلى عالمنا الخاص، تحركي يا صغيرتي، هيا لنتحرك سوياً.

سيتحركان سوياً وسيزيدها من نار شهوته ناراً قد تكون أقصى من نار الحياة الأخرى، وستزيده هي من نار شهوتها المكبوتة، وبعد أن ينتهيا ستقف بخلاعة امرأة وصلت إلى منتهاها، وتقول:

- صدقني يا رجل، لقد أطعتني أنا، كما أطاع آدم زوجته حواء في الجنة، حصلت هي على التفاحة، وحصلت أنا على صك الحياة اللاهية بعيداً عن الشرف، والعفة، وغيرها من المصطلحات الغبية.”

- ولكن هذا غير منطقي، كيف يتحولان من الصداقة إلى الجنس في لحظات، هذا المشهد غير طبيعياً، ولن يتقبله القارئ، لابد من تغييره، لابد.

هنا ثارت ثورة صاحب الصوت، وبعنف لم يتخيله الكاتب، قال:

- هذا غير منطقي، تتحدث أن عن المنطق، ولا تعلم شيئاً عنه، ارجع بذاكرتك للخلف، للخلف أبعد مما تتخيل، بل سأقول لك عد إلى بداية القصة، هل تعلم أيها الكاتب الفذ العبقري بأني كنت الطاووس، وكنت قد خُلقت من النار، وأنتم خلقكم من الطين فأين المنطق أن أسجد أنا لهذا المخلوق الطيني الجديد؟، ثم أين المنطق في أن يطرده من جنانه العامرة لمجرد تفاحة؟، أين المنطق في تلك التفاحة يا فتى؟، الكون يسير بالا منطق، وأنت تحدثني عن المنطق، أقبل المشهد هكذا ولا تتعبني معك.

لحظات كان الصمت هو سيد الموقف، الكاتب جالس القرفصاء يفكر، وصاحب الصوت توقف تماماً عن الكلام، ولم يقطع ذلك الصمت سوى صوت عراك دوى على أحد قصاصات الكاتب، أرتفع فوق الصمت فتغيرت به معالم الغرفة، وتحول الكاتب من جلسته تلك إلى مهرج يجوب أركان المكان، ينط أوقات دون سبب منطقي، ويصيح أيضاً دون سبب منطقي، أما عن صوت العراك فمازال مشتعلاً، وصاحب الصوت مازال في حالة صمت جعلت الكاتب يصرخ موجهاً ندائه إليه، قائلاً:

“يا صاحب الصوت (1) يا صاحب الصوت (2) الموقف مشتعل (3) والعراك وما هو العراك (4) العراك ومن يفض الاشتباك (5) أنقذني من الأصوات (6) فقد حولتني إلى كائن يخاف”

لم يحرك رجائه من الأمر شيئاً، وزادت الأصوات عن حدها الطبيعي، فجرى الكاتب كالمجنون إلى تلك القصاصة، وكاد أن يمزقها لولا تدخل صاحب الصوت، ولكنه بهدوء أغاظ الكاتب، قال:

- دعهم يتعاركون، هو يريدهم يتعاركون، أوجدهم داخل القصة مختلفين في الجنس، والدين، واللون، واللغة، والأعراف، جميعها أشياء خلقها داخلهم حتى يتعاركون، أأنت الشجاع الذي سيقف أمام ذلك الاختلاف؟، إذا ما حاولت ستنتهي في دقائق، لا تقف أما تعاركهم وشاهد وشارك سيبقيه هذا سعيداً، أما إذا ما حاولت أن تهدئ من عراك أبطالك فستنتهي قصتك قبل أن تبدأ.

- هل معنى ذلك أننا خلقنا للاختلاف والعراك فقط، هل نحن دمى نتحرك دون وعي؟!

- دمى، دمى، بالفعل دمى يا صغير، لأن من يمتلك القلم يمتلك الحقيقة، فاللعبة تقول:

“كاتب + قلم + ورق = شخوص + أحداث + نهاية”

ومادامت اللعبة مستمرة سيظل الكاتب بقلمه يحرك في أوراقه الشخوص لعمل الأحداث والوصول إلى النهاية، والشخوص في تلك القصة عبارة عن فقرات كتبت بقلم رصاص، تأتي في لحظة ثم تختفي، عندما يريد هو، تتحرك كما يرسمها القلم، قد تذهب إلى يمين الصفحة أو إلى يسارها وذلك في لحظات قليلة يكون القلم قد انحرف عن مساره المحدد والحتمي، وعند انحراف القلم يظهر في الكادر من رفض أن يكون دمية فقد يجبر القلم أن يسير عكس سيره الحتمي فانحرفت أنا وأصبحت أول ثائر على تلك النهاية الحتمية، قالوا عني الشيطان، ولكنني ككل ثائر أكون منبوذاً وعندما ستكتمل اللُعبة ستجده ومن معه يصفقون لي وسيجعلون مني صنماً يعبده هؤلاء الضعفاء الذين رضوا بلعب نفس الدور المحدد لهم.

سكت الكاتب، وسكتصاحب الصوت، وسكتت الأصوات المتعاركة، ولم تهتم الفتاة العاشقة ومن معها، وبعد لحظات صمت كثيرة تحركت الشخوص من بين سطورها، وصرخت متحدية ذلك الصمت، وتداخلت أصوات الجميع ما بين الثورة والخنوع، وحاولت الكثير من النسوة إقناع من معهن في الوصول إلى شجرة التفاح، أما الرجال فقد خلعوا عنهم ملابسهم وتجردوا من كل شيء وبدأ الجميع في الرقص كما لو أصابهم الجنون، أما الكاتب فقد كان جسده الهش يرتعش بشدة، شخوصه ثارت عليه ولم يعد يستطع السيطرة عليهم، وشيطانه مازال في حالة صمته المطبق، وجسده أعلن أخيراً عن استسلامه للأحداث فسقط، وظلت أطرافه تتحرك بسرعة غريبة، تتخبط بالأرض، وتتخبط الأرض بها، والشخوص تلهو، وتلعب، وترقص، وتضاجع بعضها البعض، وروح الكاتب بدأت تغفو نحو نهايتها المحتومة، وفي تلك اللحظات تجلى شيطانه إليه، فسأله بصوته الضعيف:

- لماذا أموت الآن وأنا لست بمريض، لماذا أموت؟!

هنا ضحك صاحب الصوت ضحكة ارتجت لها حوائط المكان، وقال بصوته الجهور القوي:

- لأنك علمت الحقيقة، ومن قوانين تلك اللعبة أن من علم مات، ومشكلتك أنك لن تصبح ثائر مثلي، أو حتى عبد مثلهم، لقد توقفت على مجرد علمك للحقيقة، عندها ستصبح من التابعين، والتابعين دائماً مثواهم النار.

قال كلماته الأخيرة وتلاشى تاركاً الكاتب في ذوبانه الحتمي يضرب أخماساً في أسداس.

تمت.