أنت معيار وجودك
فكرة أن العالم موجود في حدود تفكيرنا قد تعني أن هناك عوالم أخرى في تفكير غيرنا، أو أن عوالمنا تتشّكل بشكل تفكيرنا، فيكون الوجود مجرد تمثلات ذهنية لا منتهية بلا إنتهائية العقول ذات الأذهان. وربما بعد الموت لن ينتهي الإنسان، بل سيعود لتلك الحالة التي كان فيها قبل ميلاده، سيعود لتلك النقطة الصفرية في فراغ الكون اللا مُنتهي لينتظر استحضاره للواقع من جديد – أو إستحضار واقعه وعالمه إن شئنا الدقة – فيتحول من قوة إلى فعل، ومن إستعداد إلى كينونة متجسدة.
نحن لا نتخيّل العدم لاننا لم نمرّ به من قبل. مثله كمثل الموت تمامًا. وحينما ننتقل من الوجود إلى العدم، ومن الحياة إلى الموت، أو ما ندعوه كذلك، يصير العدم/ الموت – وجود/ حياة جديدة لنا، والوجود السابق عدم، وعينا مُستمر لا ينقطع، إستمراريّة النوع لا تعني بالضرورة إستمرارية الروح المُنبّث.
هل رجال الدين يرعبونك من الموت وسَكراته وكأنهم مرّوا بهما من قبل!!؟، هل يحدثونك عن أنقباض الروح وعذاب القبر وسؤال المَلكين وثعبان أقرع، وكأنهم حضروا هذه الأحداث بأنفسهم!!؟، ببساطة أنهم يضحكون عليكم ليخبرونكم قصة عن عالم آخر ومكان آخر، لم يرجع منهما أحد ليخبرنا – ببساطة – عن ما رآه هناك، وحتى لو رجع أحد، كما في الأساطير الإبراهيمية وغيرها؛ فشهادته، في أحسن الأحوال، شهادة شخصية، نسبية، تتوقف على معطياته وإدراكاته وحالته النفسية أثناء مروره بالتجربة، فلا أدلة معه يمكن التحقق منها بل حالة سردية ليس أكثر.
انظر من نافذتك، أنت ترى شجرة الموز الموجودة هناك، يمكنك لمسها والإحاطة بها، ولكن، لنفترض أن هناك حديقة والفلاح يرى فيها شجر التفاح والموز والمانجو فقط، ولكن طوال حياته لم ير أيّ شجرة توت، هل سيعرف أن هناك شجر توت من الأساس!!؟. بل سيظن أن التوت إسم بلا مُعطى ينطبق عليه!!.. هذا إفتراضك عن الفلاح في الحديقة المُفترضة، أنت معيار وجودك، ووجودك عالمك، ولكن لم تأخذ رأي الفلاح في كلّ هذا، لأنه، بالنسبة لك، كيان مُفترض، رغم أنه هو الأدرى بعالمِهِ؛ الذي سيظلّ مُفترض.