تتطور المجتمعات البشرية من فطرية الى طبيعية، عبر عدة مراحل الأجتماعية مدروسة و مخطط لها عبر الدولة المنظمة قانونياً وسياسيا وداخل حدود معينة، كما يجب أن تكون متكاملة عقلياً و فكرياً بحيث يحكمهُ مجموعة من النخب السياسية من مجتمع عريض أُنتخِب ليدير امورهِ اليومية عبر مجالس و مؤسسات مختارة لهذه المهمات. أحد المفكرين الأجتماعيين الفرنسيين في عصر النهضة؛ يقول:” تطور المجتمع يأتي عندما يتنازل افراد المجتمع عن جزء من حقوقهم للدولة، مقابل ضمان أمنهم و تطورهم الأجتماعي”. جان جاك روسو يؤمن بأن للدولة حقوق اكبر مقابل حقوق الفرد، إذا تنازل عن بعض من هذه الحقوق مقابل ان تدير الدولة هذه المهمات بدلاً منهم، ويتفق معه ايضا جون لوك بهذا الصدد. ولكن كيف يمكن أن تحدث هذه الأتفاق الأجتماعي بين الفرد و الدولة ؟، التي غير موجودة في الدولة العراقية الحديثة القديمة!، وتطرق اليهِ روسو في كتابهِ الشهير ” العقد الأجتماعي”. عندما تأسس الدولة العراقية بداية العقد الثاني من القرن العشرين، تأسست بعجلة من أمرهِ، ولم يخطط لتأسيس دولة ذات مكونات مختلفة ومتباعدة فيما بينها فكرياً، سياسياً و اجتماعياً و بعدها أقتصادياً. اراد البريطانيون و معهم فرنسيون بتقليص الحدود الأمبراطورية العثمانية العجوزة وحصرها في بقعة جغرافية صغيرة بحيث تكون سهلة التحكم بها، عبر مجموعة من دولة صغيرة مشاغبة وحاقدة لها ومنها الأرمنية الإيرانية العراقية السورية اللبنانية ويونانية ايضاً الذين رأوا مالايراه البشرية بيدهم عبر ابادات و تهميش و تقليص النفوذ لهذه المجموعات البشرية داخل الأمبراطورية التي كانت مترامية الأطراف في الأرض. تأسس العراق وتم تنصيب ملك خارج حدودها الجغرافية بأسم الدين والأصل العربي، وكانت هذه رسالة للجيل الأول من مواطني الدولة حديثة التأسيس بأن ” لايوجد شخص من يستطيع ان يمثلكم في المحافل الدولة”، وأن ملك فيصل الأول هو مرجعكم و قائدكم الوحيد في الجزيرة العربية و العراق. وكانت العراق في ذاك الحين ناقصة التطور، بحيث كانوا مجموعة من قبائل عشائرية وبدو، تترحل في ارجاء الأرض بدون الأعتراف باي حدود مرسومة في الأوراق الدولة وكانت هذه البدو تتحكم بمصير شعبها وكانت دولة بحد ذاتها آنذاك. وقامت بعدها و بعد ان استطاعت أن تبني مجموعات كثيرة من النخب السياسية للإدارة الدولة، واستطاعت ان تستفيد من بعض العقول العربية في الأمبراطورية المنقرضة و بعض المفكرين سابقيين عربية و أجنبية. لكن نقطة التحول من مجتمع فطري الى مجتمع طبيعي تطوري كانت بسرعة اكبر مما كانت طبيعية أو صحية، في سنوات العشرينات من القرن المنطرم كانت 10 بالمئة من الشعب العراقي بكل مكوناتهِ الأجتماعية – العقائدية – القومية من سكاني المدن وعشرة آخرون من سكاني الحضر، والبقية الباقية كانت إما بدو أو قبائلية عشائرية تسكن بين القرى و الصحاري. وبعد اربعون عاماً أي في سنوات الحكم البعث للعراق تحول الرقم الى شيء قريب من المعجزة و هو تحول المجتمع العراق من البدو الى سكاني الحضر!!، ثمانون بالمئة منهم كانوا ساكني المدن و وعشرون بالمئة من الشعب في القرى و أخيراً انقرضت البدو في العراق، حسب احصاءات الدولة العراقية. طبعاً أحصائيات اي دولة في الشرق الأوسط غير صحيحة لعدد من الأعتبارات منها الألتفاف عن الواقع، ومنها اظهار بأنهم ” مختارون من الله”، ويمكنهم فعل المستحيل وكسوا الشعب و طوروها و يرجع الفضل اليهم في هذا التقدم !. بريطانيا الدولة التي كانت لاتغيب الشمس عن اراضيها عندما بدء بسن أول قانون للحفاظ على الديمقراطية و بدء بمرحلة تحول المجتمع من قبلي الى حضر في سنوات القرن الثالث العشر ولحد سنوات ثمانينات كانت الرقم غير معقول وغير منطق وهو ستة وثمانون بالمئة منهم كانوا حضريين والبقية الباقية كانت من بدو و القبائل، هل من المعقول فشلت الخطة البريطانية التي احتضنت كثير من مفكريين و ادباء دخلوا تاريخ بأبوابها العريضة و نجحت الخطة العراقية العربية بشكل عام!؟، هذا السؤال يجيب عليهِ الدول و الأرشيف الوطني للدول الشرق الأوسطية اكثر. تراكمت المشاكل و غطتها الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق عبر أنقلابات عسكرية دموية بأستثناء عام 1968 كانت انقلاباً بيضاء ضد رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف، الذي ترك السلطة طواعياً بدون اي سفك الدماء تذكر. في عام 2003 عندما انتهت حقبة البعث و الرجوع الى زمن الأحتلال، فتحت غطاء الأمان كما قال آخر رئيس الوزراء العراقي في زمن الملكية العراقية و أحد أبرز السياسين الدبلوماسيين المخضرمين في ساحة العراقية والشرق الأوسطية نوري سعيد عندما قال:” ستندمون على فعلتكم هذا فأنا غطاء الأمان لكل فساد العراقي”. و ظهرت الفساد والتخلف التي كانت الحكومة تنفيهِ بعدم وجود هذه المصطلحات الغربية الأمبرالية، و اظهرت ايضا مدى تباعد الشعب فيما بينها، وكم كانت الشعب تجامل لبعضها الآخر على حساب مصلحتها الخاصة. لأول مرة تضارب الشعب ضد الآخر بعد تفجيرات 2006 في سامراء، وظهرت بوادر الحرب الأهلية بين شعب الواحد وطائفتين مختلفتين منذ اكثر من قرن ونصف قرن، وبدءت القتل و التدمير فيما بينهم بشتى الوسائل الممكنة و دخلت الدولة في هذا الصراع ايضا و الكل حسب مرجعيتهِ الطائفية. دخلت العراق مرحلة لايحمد عقباه، كما دخل الأقليم الأمين الوحيد قبلها في بداية تسعينات القرن العشرين، الذي قسم الأقليم الى حكومتين سياسيتين غير متحابين، و ادى هذا الأنشقاق الى تدخل الدول الأقليمية لتصفية صراعاتها عبر بقعة جغرافية يتراوح مساحتها 80,000 الف كيلومتر مربع اسمها كوردستان، و قامت الدول الكبيرة بتثبيت قواعدها والدول الجارة بتصفية عدوها؛ والتي استمرت الى نهاية تسعينات بعد التدخل الأمريكي لأنهاء الصراع المسمى ” لاسلم ولاحرب “، وبدء بمشروع اكبر وهو التغير في العراق. نحن كعراقيين نفتخر بكوننا صاحب الحضارة وتاريخ و صاحب كذا من شيء، ولكن لا نتذكر يوم من الأيام كيف الحياة لو فكرنا بمستقبل أفضل، وأصبحنا سوداويين أكثر و مشائمين اسوء من وجوديين وجهاديين. اصبحنا يومياً نحتضن كل فكرة و كل نظرية و آمنا بنظرية المؤامرة اكثر من نظرية نفسها، و اصبحنا عدواً اللدود لأنفسنا. لكن كيف العلاج لهذه الحالة المستعصية التي كلما نتذكر ارضنا نتذكر أرض الشقاق و النفاق، وارض الأنبياء المقدسة المدنسة من قبل الآخر!؟. طرح نائب الرئيس الولايات المتحدة الأمريكية جون بايدن، عندما كان خارج السلطة بتقسم العراق إدارياً الى ثلاث أو اكثر أقليم بحيث تسهل التنحكم والعمل فيها، ويكمننا التطور بأسرع من الموجود في الأرض الواقع. قوبل المشروع بوابل من النقد في الداخل والخارج البلد، و صرح بأنه مشروع صهيوني يقسم العراق الى دويلات لمصلحة دول الجارة!، لكن لم يفكر اي احد أو يطالع المشروع بدقة أكثر موضوعية خارج العقل المغلق القبلي، ويطرح نقطة واحدة هل يفيد هذا المشروع لي ولبلدي أم هو مشروع خطط لها وفق مصالح دول أقليمية. وانا شخصياً ضد التقسيم في عصر تتجه العالم نحو الأتحاد، هل نتجه نحن نحو التقسيم؟، فلا يمكن هذا لكن انا مع تقسيم الإدارى للدولة، وتقسيم الواردات و الموارد الطبيعية كما هي الآن في كوردستان العراق، عبر قانون النفط والغاز، صحيح هذا القانون موجة من الغضب و الأحتجاج السلطة المركزية في بغداد لكن ادت فوائدها بناء مدن الأقليم الذي دمرهُ حروب سابقة و فتح ابواب العمل والأستثمار في الأقليم بحيث اصبح دولتين داخل حدود الواحد شمال الغني و جنوب الفقير (قسم العربي من العراق). في حزيران عام 2004 عندما سلم السلطة من قوات التحالف الى السلطة مجلس الحكم المؤقتة، تم تسقيط المشروع الذي كانت تفيد المجتمع جملة وتفصيلاً، وهو” مشروع الاسكا “، والمستفيد من ولاية الآسكا الأمريكية عن كيفية استفادة من الوفرة الأقتصادية التي قسمت على ولاية والتصرف بها في بناء الولاية. مجموعة من خبراء الأقتصاد الأمريكي وبتعاون مجموعة من العراقيين والدوليين تم اعداد المشروع لبناء العراق بعد حقبة البعث، و خصصت جزء من فوائد النفط المصدرة الى بناء الشخص العراقي وتعويضهِ عن الأضرار التي لحقت بهِ عبر الحروب المدمرة في البلاد. يتضمن المشروع بتخصيص نسبة 20 الى خمسة وعشرون من المئة من واردات النفط الى الشعب العراقي وحسب الدراسة التخمينية خصصت سعر البرميل الواحد للنفط بـ” 30 ” دولاراً واحداً، والشعب العراقي نسمتهُ سبعة و عشرون مليون نسمة، يتم تخصيص النسبة الأعلى للشعب ويعطى لهُ كما يتوزع عليهِ ” الحصة التموينية “، عبر بطاقات خاصة. وهذا المبلغ الموزع يتم قطع منهُ ضرائب ماء وكهرباء و الضرائب الخاصة للمواطن، ويحصل المواطن خلال سنة مبلغ مايتراوح “500 – 600″ دولار سنوياً، هذا المبلغ بسيط مقابل راتب شهري لبعض موظفين الدولة؛ لكن لو احتسبنا المبلغ بسعر صرف البرميل اليوم هو بين 60 الى 80 دولاراً للبرميل الواحد طبعاً سيضعف المبلغ، و رفع السقف النسبة المئوية الى النصف، فماذا يحصل الشعب العراقي؟. المشكلة في المشروع انه هناك بعض مرافق الخدمات الأجتماعية غير موجودة في الأرض الواقع، ومنها قطع التيار الكهربائي بأستمرار وخاصة في الصيف، وعدم وجود مياه نقية للشرب والصحة متدهورة في ظروف الأمنية المتردية. في الحملة الانتخابات العامة في السابع من آذار (مارس) الماضي، تابعت كثير من المشاريع الكتل السياسية واعجبني وكانت قريبة للوضع العراقي، هو مشروع احد الكتل الذي طرح مشروع أستثمار الأجنبي و جمع مصاريف المشروع عبر ضرائب بسيطة أو معقولة للواقع المعاشي. الأستثمار الأجنبي أو الوطني في بلد تنهض من تحت الرمال الحرب، تكون مربحة وكما كان ولايزال يقال بأمريكا أرض الفرص، فإن العراق فرصها ذهبية، لأن لديها جيوش من عاطلين عن العمل، و جيوش من عقول الجاهزة للابداع، فكيف يتم استغلال هذه العقول؟ هذه المشروع [ الآسكا ]، كانت قيد الأنجاز في زمن الحاكم المدني في العراق بول بريمر [ بعيد عن سلبياتهِ السياسية والأمنية]، كان من شخصيات القليلة الذي استطاع التحكم بكل سياسي عراقي [ قبلي ] الذين ارادوا ملء جيبوبهم الكبيرة بحفنة من دولارات، بعيد عن المصالح العليا. اتذكر عندما في بغداد صرح أحد المسؤولين الأمريكين رفيع المستوى قال:” جاع صدام حسين الشعب، اصبحوا وحوش ضارية جائعة، ونحن نشبع الشعب لكي يكونون نائمين”، والمقصود في كلامهِ القدرة على سيطرة الشعب. بريمر و العقول المؤسسة للمشروع ارادوا أن يتعلم المواطن بدفع المال للدولة وليس العكس، بحيث هو يتحكم بدولة وليس الدولة تتحكم بالمواطن حسب هواه القائد. اراد قلب المعادلة العراقية ” الشعب على دين ملكها” وعدم ظهور دكتاتورية أخرى على الأرض بسيطرتها على كل موارد الأقتصادية والوفرة النفطية. ديمقراطية العراق لاتأتي بأنتخابات كل اربع سنوات كمونديال رياضي الكل يهرول نحو السلطة، وأنما بأعادة صياغة بناء المواطن سياسياً، أجتماعياً واقتصادياً. العراق الجديد هو بناء مشروع مشارك من كل فئات الشعب، عبر نخبهِ السياسية وبأستفادة من خبراء دوليين بغض النظر عن فوائدهِ اليومية أو أضرارهِ الأجتماعية، فالعراق يحتاج الى تقليص سكان المدن و ارجاعهِ الى اصولهِ القبلية الريفية، ومن هناك بناء المواطن حسب الهوية الوطنية الموحدة التي تفتقر العراق اليهِ منذ يوم تاسيسهُ. الهوية الوطنية ضروري للعراق، ولكن اي هوية وطنية نكون؟، هل عربي اسلامي ، أم عربي قومي، أشتراكي يساري، كوردي تطرفي يميني، أم عراق الجميع بلد ديمقراطي تعددي حضاري؟، واظن هذا هو المطلوب للوطن. بناء الشخصية تأتي باشباع الجائع أولاً ومن ثم تعليمهُ و التغير في المنهاج التدريس من الأبتدائية الى اعلى مستوياتهِ، وفتح أبواب امام الأستثمارات متعددة الجوانب، وضمان الحرية العقيدة و رفع ” الحالة الدينية ” في البطاقة التعريفية [هوية الأحوال المدنية]، للمواطن وضمان حقوق المرأة، عبر مشاريع تنموية واعطاء الفرص الأكبر للشباب للبداع الفكري. شخصياً مع تقسيم العراقي الى أقاليم إدارية و تتوزع السلطة عليها مع صلاحيات كبيرة، بأستثناء العملة و الجيش، ويكون مخيراً بإدارة الأقليم وبناءه اقتصادياً يكون سهلاً والخدمات تتوفر بأسرع من الدولة المركزية، الذي نرى الروتين اليومي في مؤسسات الحكومية عبر ” ذهاب واياب وراجعنا غداً “، لأجل توقيع أحد موظفين لعريضة تصليح ماء الشرب. عندما تقسم العراق سيحصل الكل العمل والخدمة بدون اي حواجز أو تهميش، وستظهر ايضاً مدى ضعف الأقليم لوحدهِ أمام الهجمات الأقليمية، بحيث يركض الى المركز لأحتماءهِ وحمايتهِ من الهجمات، ويجبر على الأتحاد العسكري والأقتصادي. ادلى أحد اعضاء كونغرس الأمريكي عام 2002، بأن لدى امريكا مشروع تغيير في العراق رأسا على عقب، وهذا التغير يفيد العراق بحيث هو من يتسلم زمام الشرق الأوسط أقتصاداً و سياسياً وأقليمياً، سألتُهُ:” كيف ؟ “، فقال بالحرف الواحد:” للحرية ثمن”. اليوم اقتنعت لو اراد الشعب الحياة فلابد لليل ان ينجلي و القيد ينكسر، والحرية لها ثمنٌ باهض؛ فهل نستطيع دفع هذا الثمن لأجل مستقبل زاهر وحر ومتعافى؟ هذا الجواب أتركهُ لأطفالي عندما يكبرون أسالهم عن كيف يقضون حياتهم اليومية، وهل مستقبلهم مضمون في ظل التطور المعكوس من الحضرية الى الريفية الى البدوية، وظهور البدو من جديد ولكن في وسط الحضر، وبين للدولة بأنه باقٍ وسيبقى للأبد مالم يتغير عقليهِ و منهجيتهِ الأستراتيجية للتغير الأصلح وبناء الهوية الوطنية بأسم ” العراق “، بعيداً عن محيطهِ المتذبذب. 21 ئايار (مايو) 2010