أصدرت محكمة مصرية حكم بالسجن ثلاثة سنوات لألبير صابر بتهمة إزدراء الأديان بعد نشره ما سمي بالفيلم المسيء للإسلام علي صفحته الشخصية علي الفيسبوك – و هو حكم يراه المتشددون حكم مخفف و لا يناسب قبح الجريمة التي تستوجب القتل و ربما التقتيل أيضا بتهمة “الإفساد في الأرض”.

أنا شخصيا أري أن يتم توجيه الإتهام إلي ألبير من أساسه هو الجريمة الحقيقية ناهيك عن أن يحاكم أو أن يصدر حكم عليه. لا أبالي ما هو محتوي الفيلم المسيء أو مدي حقيقة ما يقوله عن الإسلام أو الرسول – ده شيء من وجهة نظري لا علاقة له بالموضوع و لا يجب أن يعتبر جريمة بأي حال من الأحوال لأن نشر أراء غير مقبولة علميا أو إجتماعيا أو تاريخيا لا يتعدي علي العقد الإجتماعي بأي حال من الأحوال ده إذا كانت قواعد هذا العقد الإجتماعي إحترام حقوق الجميع في ممارسة حرياتهم و المساواة أمام القانون.

يحاول أن يسوق البعض ما يسمي بإزدراء الأديان بأنه تعدي علي حقوق الأخرين في ممارسة شعائرهم و حرية إعتقادهم و هو ما أراه مغالطة طفولية ممن لا يملكوا الثقة فيما يؤمنون (أو ربما يملكوا ثقة زائدة – الإثنين سيان) و ممن بلغوا الرشد قانونيا و لكن لا يزالوا محبوسين في طور المراهقة الفكرية. لا مجال هنا للحديث عن ثنائية المؤمنين و الكفار و أنه نتيجة طبيعية لأي شخص غيور علي دينه أو معتقده أن يطالب بمحاكمة من يسيء إلي أفكاره. هذا الطرح يناقض ما يمارسه بالفعل الكثير من المؤمنين و المفكرين و ما يملكوه من تسامح و تفهم و صلب نفسي في التعامل مع ما يخالف عقيدتهم سواء كان نقد ممنهج أو إندفاع عاطفي مجرح. هؤلاء المتسامحين لا يدفعهم فقط إدراكهم للتعددية في مجتمعهم و العالم أو مستوي ثقافتهم و لكن إدراكهم أن ما يسمي بإزدراء الأديان لا يتعدي علي حقوقهم و حرياتهم بأي حال من الأحوال – فالتعدي علي هذه الحريات يستوجب الإرهاب أو الملاحقة القانونية أو التهديد أو المنع المادي و هو ما لا يتسبب فيه بأي حال من الأحوال ما يسمي بإزدراء الأديان. بل علي العكس ما نراه تعديا علي الحقوق و الحريات و إكتمال جميع ملابساتها يكون دائما و أبدا من ناحية “المستثارين عاطفيا” و من يطالبون بمثل تلك المحاكمات أو ربما بالمزيد.

ما يسمي بجرائم الرأي هو عار علي أي مجتمع أن يقبلها كمفهوم مبرر للملاحقة القانونية. بل أنا أجد أنه إذا كان في الرأي جريمة فما يجب أن يستوجب العقاب هو الدعوة لزواج الأطفال و عملهم و ضربهم – ما يستوجب العقاب هو الدعوة للتفرقة بين أبناء المجتمع الواحد في أي أمر – ما يستوجب العقاب هو الدعوة لسلب الناس حقوقهم و حرياتهم. بل أكثر من ذلك أنا أري إنه إذا كان الإزدراء جريمة فإزدراء الإنسان هو ما يستوجب الإستهجان – من يعلم الإنسان أنه لقيط روحي أثم بالضرورة – من يعلم الإنسان أنه لا خير في عمل من أهداه ضميره و في أغلب الأحوال مجتمعه و الظروف المحيطة به إلي إله أو دين أخر أو حتي لا دين – من يزكي من و يبجل مذابح قتل فيها الجميع إلا النساء العذاري أو مذابح قتل فيها كل من بلغ و و لو كان طفلا – من يعلم الإنسان أنه فقط المستحق للخلاص و الرحمة و أن من ليس علي عقيدته فهو مستحق للهلاك و العذاب الأبدي و الفراق.

الحقيقة هي أن حرية العقيدة و حرية الضمير و التعبير عنه أمر واحد – تهمة إزدراء الأديان قد تصيب المؤمن و المؤمن بدين أخر و اللاديني و الملحد سواء. رفضي تهمة إزدراء الأديان هو الوجه الأخر للتمسك بإطلاق حرية العقيدة فالإثنان واحد – ما يسمح لمؤمن أن يمارس حرياته بلا قيد هو أيضا, بدون شروط, ما يجب أن يسمح لمؤمن بدين أو مذهب أخر أو لا دين بذات الشيء. و ما يقيد أي شخص أيا كان فكره أو عقيدته هو ما يمكن أن يوجه كسيف مسلط علي رقاب الجميع مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين.

أنا أري إنه حان الوقت للجميع أن يتحملوا مسؤلية أنفسهم و إختيارتهم و أن يقبلوا أن الدين و الفكر كالسلع في السوق المفتوح – و من يشاء فليؤمن و من يشاء فليكفر. أنا أري إنه حان الوقت أن نمد تعاطفنا الفطري الإنساني إلي كل البشر بدون شروط غير العقد الإجتماعي الذي يربط بعضنا بالبعض. أنا أري أنه حان الوقت أن ندرك أن الحرية كقيمة لا تقل عن أي قيم أخري نعلي من شأنها بل و أجزم أنه بدون حرية لا مجال للحديث عن قيم العدالة و المساواة و الرحمة و الإيثار لأن بدون الحرية لا يستقيم أي من هذه القيم. و إلا أصبحنا منافقين و كاذبين … علي أنفسنا أولا و أخيرا.