بعد دخول جيوش البريطانية – الأميركية الأراضي العراقية، دخل البلد في حقبة تاريخية جديدة، وسمي بعصر مابعد الدكتاتؤرية و زمن الحريات والديمقراطيات الدولية.

ودخلت مع القوات العسكرية الكثير والكثير من سياسين و دخلاء السياسة، من كان منهم في المهجر ومن كان منهم في الدول المجاورة للعراق، وبدءو بحشد ناس  والمواطنين الى احزابهم القديمة الجديدة كقبائل و كأفراد بدون مراعاة الخصوصية الأجتماعية للشخص المنتمي للجهة السياسية الحاضرة الغائبة عن الأرض الواقع العراقي.

يطرق الباحثون الأجتماعيون بإن كلما ضعفت الدول سيطرتها على البلد، كلما قوت نفوذ القبائل في داخل الحدود الجغرافية المحددة، وهكذا كان الوضع في العراق قبل السقوط (أو كما يسميها البعض تحرير، او احتلال أو اي كان مايسمى).

بنى الحزب البعث دولة من مجموعات سياسية صغيرة بحيث يمكن سيطرتها و قسمها الى قطاعات عسكرية – أمنية _ استخباراتية متينة، بحيث لايمكن خرقها بسهولة، وعلى رأس كل قطاع شخص قَبَلي – عسكري، وكانت هذه أولى بوادر التقسيم العرقي الطائفي للدولة المركزية التي تأسست بعد خلافات بريطانية – فرنسية ضد عثمانية من جهة، و قومية عربية ضد الطورانية من جهة أخرى.

استمرار الدولة في بسط يدها بقوة الحديد والنار، ادى الناس الى الأنعزال عن الى ماوراء الكواليس و اصبح المواطن مجرد دمى تتحرك كما يشتهي السلطة (يساق للذبح كالخرفان)، بدون اي تذمر أو معرفة اسباب ذبحها ايضا ومرات كانت الذبح على حساب المذبوح بأدق المصاريف.

انتهت زمن الحرب الخليج الثانية  وبدءت زمن المجاعة الجماعية والعقاب الجماعي، ذبح العشيرة من أجل فردٍ واحد، و جفف الأهوار من أجل انتفاضة حفنة من جنود منزعجين من خسارتهم في الحرب، ودمر قرى بأكملها من أجل فكرٌ مغاير للفكر القائد الأوحد أو نظام المركزية.

بدءت الناس تحس بجوعها بدون أن تطلب الأكل، وحددت له كم يأكل وكم يصرف من جيبهِ، واصبح الكل اشتراكياً و تقشفياً خوفا من ملاك الموت الذي حصد أرواح مئات أو الآف الأطفال بسبب نقص الطعام.

وسمن السلطة أكثر وأنتشر الفساد و زرع جذورهِ الى اصغر مكون أجتماعى في الدولة وهو الأسرة الواحدة بحيث بدء الكل بتوسل من أجل حنفة من دينارات التي لم يتجاوز سعرها آنذاك نصف دولار للالف الواحد اي خسر الدينار بريقها أمام الدولار التي كانت في سبعينات القرن المنصرف دينارا واحد يساوي أكثر من خمسة دولاراً امريكياً.

ورحل الصنم و زرع في مكانهِ ايقونة الحرية، وبدء الشعب بتنفس صعداء برحيلها و لم يرحم أحد زمنهُ، ولكن الجوع مازال موجوداً والفساد متشعب الجذور يعمل في أوساط المجتمع وحتى الدولة، والسياسي الذي كان في الأمس ديمقراطياً ويحارب الدكتاتورية اصبح هو ايضاً دكتاتورياً، وكما قال الجنرال الفرنسى “وطني اليوم خائن الغد وخائن الأمس وطني اليوم”، وهكذا اصبح العراق في ظل الديمقراطية الحديثة أو الديمقراطية حسب التعبير العسكري.

حارب الشعب الأرهاب وكل بطش الظلم خلال 2003 – 2010، وحارب العبوات وقنابل لاصقة التي كانت غريبة عن تفكيره، و كذلك الذبح على طريقة القاعدوية، وتعرف ايضا على وجوه الضيافة عند مجاميع المسلحة عندما يخطفوك من أجل مئات الآف من دولارات، والله أعلم إن كنت ترى الحياة مرة أخرى أو لا.

واصبح الحياة والرزق بيد البشر و هم أصبحوا اله على العراقيين ونصبوا انفسهم أنبياء ومنورين الطرق، كما بدء الشيوخ ومراجع الدينية بفتوى تحريم قائمة كذا و تصويت لقائمة كذا.

واصبح السياسة بيد حنفة من تجار البترول و السلطة، واصبح الشعب هذه المرة سلعة بيد 25 سياسياً عراقياً، قاموا ببناء العراق الجديد.

الكل يحارب والكل يقاوم كما يوصفه ” توماس هوبس” ( الحرب الكل ضد الكل)، الكوردي بدء يحارب العربي اقتصادياً وسياسياً، والعربي سني بدء يحارب الشيعي تفجيرياً، والشيعي يقتل السني عبر وسائل الدولة التي سيطر عليها بعد حرمانه منه منذ اكثر من 80 سنة.

الكل يرى نفسه أحقية في استلام السلطة ولكن لم يتذكروا بأحقبة السعب لهذه السلطة، لأن لولاه لما وصل اي منهم الى هذا السلطة، و الكل يتصور بأنه السياسي المخضرم، ولكن ينسى أن العراق مليء بالسياسي ولكن ينقصه أقتصادي مخضرم، على الوردي يقول ( كلنا خبراءفي الكلام ولكن كلنا جهلة في التطبيق).

حاربنا دكتاتوراً واحد وظهر مئات من الدكتاتوريات الصغيرة و في طريقهم للنضوج، واصبح سرق مال العام طريقة سريعة للربح و هدف للارتقاء بأعلى مراتب الدولة.

واصبح قتل المتخلف مني عملية سهلة و بسيطة وهو أجر مجموعة من عاطلين عن عمل لتنفيذ مشروعك التصفوي والتسقيطي، وراح مئات من الصحفيين ضحايا بدون أن تذكرهم الدولة أو تكرمهم بل أصبحوا من الماضي السحيق.

والشعب اصبح عاطفياً اكثر بحيت كل يوم وكل ثانية يتذكر أديسون بتصنيعه الطاقة الكهربائية، يوم كذا تسوق أديسون، ويوم كذا فكر اديسون، وعندما يأتي كهرباء يتذكرونه ويترحمونهُ لأن ابدع فيها وعندما ينقطع يحيون ذاكره لأن فشل.

الشعب جائع، والجائع لايسمع سوى صوت بطنهِ، وعندما يمتلىء البطن ذالك الوقت سأكون صاغيا لما يقال، وماهو مستقبلي وماأختار من سياسة الدولة التي لاتعرف نفسها اي اتجاه يتجه (يميني اسلامي قومي عنصري، أم يساري اشتراكي شيوعي علمانى أو وسطي ليبرالى مدني تعددي).

عندما يتعلم السياسي بأن بناء الدولة معناه تتمة مايتركه قبلي فذاك الوقت سأكون جندياً مخلصاً له و سأترك

نظرية الكاتب الكبير محمد الماغوط عندما سأل لماذا لاتترك هذا البلد وتعرف جيداً انك مضطهد فيها؟ فقال:” ليس الذنبي وأنما رجلي لايتركه”.

أما انا فلا يربطني شيئاً فيها سوى قدماى، ومتى تنازل واحد منهم عن حقه للشعب، فأعلم أن العراق شبع من الأكل وليس الشعارات الرنانة التي دوخ الشرق الأوسط كلها بدون اي نتيجة ملموسة.