2 من 2
التدليل على النموذج

بداية، أود ممن لم يطّلع بعد على الجزء الأول من هذا المقال، أو من هذه الأطروحة، أن يطّلع عليه عبر هذا الرابط كي يتسنى له الحصول على فكرة إجمالية واضحة عن مقدمات الموضوع ككل ودوافعه قبل الشروع في مطالعة فحواه الرئيسي.

ولمن لا يسمح وقته بأن يطّلع على الجزء الأول ولكنه يود في الوقت نفسه المتابعة بقراءة هذا الجزء الثاني لسبب أو لآخر، دعوني أجمل أبرز النقاط التي انطوى عليها ذلك الجزء – الأول – فيما يلي من نقاط أربع:

  • التطرف الحاد في الآراء، والغياب شبه التام لفضيلة التسامح تجاه الآخر، أصبحا من أسوأ الآفات الاجتماعية المعاصرة لدينا والحاضرة بقوة في مناقشاتنا كافة.
  • واللافت السيئ أيضاً أن هاتين الآفتين متملّكتان في اللحظة الراهنة من كثير من مثقفينا و”جماعاتنا النخبوية”، تماماً كما تملّكتا منذ عدة عقود – على أقل تقدير – من الرجل العادي لدينا، أو من “العوام” في مجتمعنا.
  • وهذا دفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت منظومتنا الاجتماعية الراهنة تشتمل على آليات تلقائية كريهة تفرز وتعزّز التطرف باستمرار وتقوم بتصديره حتى إلى الأطراف النخبوية المفترض فيها أن تكون الأكثر تحصيناً ضده، كما تعيد إنتاج التخلف في دورة متواصلة.
  • وبذلك، وبالنظر إلى المسألة من زاويتها “النخبوية” بالتحديد، يبدو للمراقب عن كَثَب وكأننا بصدد هيكل “سيميتري” متناسق للتطرف. فالاختلافات الحقيقية بين متطرف يميني وآخر يساري، ومتطرف علماني وآخر متدين أصولي، وبين أي متطرفيَن اثنيَن على النهايتيَن النقيضتيَن لأي خط عقائدي أو أيديولوجي متواتر، تكاد تكون منعدمة، وهي – إن وُجدت – لا تعدو كونها مجرد اختلافات سطحية مظهرية “شعاراتية” أو “عناوينية” أو “تعبيرية”، أما لُب أو جوهر كل موقف عقلي متطرف من هذا الجانب أو ذاك فيكاد ينطق في كل الأحوال بلسان واحد يفقه لغة واحدة كريهة مفرداتها رفض الآخر والاستعلاء عليه والتحقير من شأنه باستمرار مهما بُذلت في سبيل نفي ذلك أو التخفيف من حدة وضوحه محاولات للتجمُّل والاحتواء.

وفي نهاية المقال السابق كنتُ قد قلتُ أيضاً إنني وصلتُ إلى نقطة فكرية و”خبراتية” ما بتُّ عندها أود التدليل على أطروحتي الأخيرة هذه تدليلاً عملياً، مستعيناً في سبيل ذلك بتشكيلة متنوعة من الأمثلة والنماذج التي قابلتها وتحاورتُ شخصياً مرّات عدة مع أصحابها وخصوصاً خلال العاميَن الأخيريَن، أي تحديداً منذ انفتح فضاء التعبير الإلكتروني أكثر وأكثر من ذي قبل بفضل “الفايسبوك” ومنذ أصبحتْ الجلسات والاجتماعات الحزبية أو المقابلات والمنتديات الثقافية ليست الساحة الوحيدة لمقابلة الناشطين سياسياً وثقافياً والتعرُّف على آرائهم وتوجهاتهم وعلى مدى التطرف والاستعلاء فيها وسرعة نمو أو اتساع ذلك المدى المتطرف من لقاء إلى آخر.

* * *

عَودٌ على بدء..

إذن، فما سأعرضه في هذا الجزء الثاني من المقال هو عبارة عن سلسلة من الأمثلة العملية، المشتقة من وحي مقابلاتي ومحاوراتي مع مجموعة كبيرة من المتطرفين من أطياف ثقافية مختلفة، فضلاً عن كونها مشتقة من وحي ميلي الشخصي إلى الرصد والاختزان والتدوين ثم التحليل والربط والتجميع بشكل لاحق أظنه يساعدني في بعض الأحيان في أن أرى الصورة الإجمالية أقل نقصاً وتشوشاً وأكثر إبرازاً لأوجه التشابه والتباين بين عناصرها المختلفة مهما بدا التنافر والتمايز طاغييَن على السطح. وأود الإشارة إلى أنني ألجأ إلى أسلوب العرض بالأمثلة في هذا الجزء لا لأنني ممن يفضلون استخدام الأمثلة والنماذج التقريبية كأداة حصرية لتوضيح ما أود قوله وعرضه على الغير، وإنما لأنني – كما قلتُ في الجزء السابق – أود أن يكون عرضي لفكرتي الأساسية في هذا العمل المتواضع (أي: فكرة التطرف الموزع بشكل متناسق، أشبه بمنحنى التوزيع الإحصائي الطبيعي الجَرَسِّي الشكل، على الأطياف والأطراف الثقافية والناشطة شتى) عرضاً عملياً وواقعياً لأقصى مدى ممكن وخالياً من التجريد والتنظير المبالغ فيهما اللذين تتشوَّش الصورة معهما وتغيب القدرة على الربط. فمَن أتاحت له الظروف أن يلتقي وأن يتناقش، عن كَثَب وبدرجة من التفصيل والاستفاضة لا بأس بها في أغلب الأحيان، مع عدد كبير من المتطرفين على هذا الجانب وعلى ذاك – مَن توافرت له تلك الميزة يتعين عليه، إن تصدى لتوضيح فكرة أو مفهوم ما متعلق بما لاحظه وما رصده وما استنتجه في ضوء مقابلاته ومناقشاته تلك، أن يسعى قدر جهده لأن يوضح ما يود توضيحه بأسلوب عملي خبير، أو بالأسلوب الذي يسمى باللغة الإنجليزية بـ hands-on approach، وإلا: فما الفرق بينه وبين من لم يقابل ولم يناقش ولم يكن أبداً طرفاً “داخلياً” بالنسبة إلى أي فصيل أو مجموعة ولم تتعد علاقته بالتيارات الثقافية شتى حد السماع أو القراءة أو حتى التعارف السطحي العابر؟؟

وعليه، فإنني فيما يلي من سطور هذا الجزء وفقراته سأحاول تقديم العديد من الأمثلة، أو بالأحرى المقارنات والمفارقات النموذجية، التي أسعى من خلالها إلى التدليل على حقيقة أن المتطرفين كافة في مجتمعنا، وربما في أي مجتمع يمر بمرحلة ضعف وتراجع شامليَن كالتي يجتازها مجتمعنا أو تجتازه، ومهما ظن كل فصيل منهم أنه مختلف تمام الاختلاف عن الآخر وأنه في براء تام من عيوب وأوجه قصور وتخلف الفصيل الآخر المواجه أو المعادي له — أسعى للتدليل على حقيقة أن أولئك المتطرفين جميعاً هم في حقيقة الأمر متشابهون جداً، أكثر مما يظن أكثرهم موضوعية وصراحة مع النفس، وأكثر مما يظن أيٌ من المتابعين “الخارجيين” الذين لم يطلعوا على الأمور بدون تجميل وتنميق. فالتطرف، على ما يبدو، يجعل البشر متشابهين جداً دون أن يعلموا أو أن يعترفوا.

حسناً.. وما هي الأدوات، أو أوراق اللعب، التي سأستخدمها في لعبة المقارنات والمفارقات التي سأعرضها عليكم أدناه؟ أو، بقول آخر: مَن هُم شخوص هذا العرض الذي سأعرضه عليكم أدناه؟


بوسعي إيجاز عناوين تلك الأوراق، أو أولئك الشخوص، فيما يلي:

  • المتطرف اليميني: وهو ذلك الذي وصل في التطرف إلى حد عبادة نفسه وتقديس مصالحه وأهوائه ونزواته الشخصية التي لا تخلو أبداً من أنانية مفرطة ومظهرية زائدة، أو “أنوية” كريهة، على مصالح المجتمع، بل وإلى نفي وجود ما يستحق أن يُوصف أصلاً بـ “المجتمع” أو “الصالح العام” الذي تستحق مصالحه المراعاة أصلاً طالما أنه مقتنع – وبلا حق – أن ما هو جيد له هو بالضرورة جيد لمحيطه. وتسمية هذا هنا: “إيجو”.
  • المتطرف اليساري: وهو ذلك الذي وصل في التطرف إلى حد تبرير وتجميل ممارسة أشد أنواع التنكيل بالأفراد وبحرياتهم الشخصية وبمَلَكَاتهم وممتلكاتهم ومبادراتهم الفردية من أجل خدمة مصالح الجماعة، أو بالأحرى مصالح الحزب المستبد الأوحد. وتسمية هذا هنا: “كارلو”.
  • المتطرف العلماني الملحد: وهو ذلك الذي وصل في التطرف إلى حد وصف (أو، بالأحرى، وَصْم) كل من ينظر لأي مسألة من مسائل الحياة من منظور روحاني، أو لِنَقُل من منظور غير مفرط في المادية والعدمية، بأنه ذو عقلية بدائية وأنه مؤمن بالخرافة وكاذب أو موهوم أو مضلِّل. وتسمية هذا هنا: “إيثو”.
  • المتطرف الديني الأصولي: وهو ذلك الذي وصل في التطرف إلى الحد الذي بات يؤمن عنده بأن النصوص الدينية يجب تفسيرها حرفياً وأنها صالحة للتطبيق بتفسيراتها الحرفية المضيقة تطبيقاً حرفياً في كل زمان ومكان وأن كل من يعارض ذلك الفرض أو يسعى لتغييره أو تلطيفه وزيادة مرونته السياقية هو كافر يستحق توقيع العقاب الديني الأقسى عليه بوصفه من الساعين للإفساد. وتسمية هذا هنا: “ثيو”.
  • المتطرف في الدفاع عن حقوق جماعة الأقلية الدينية أو الإثنية (العرقية) التي ينتمي إليها: وهو ذلك الذي وصل في التطرف إلى حد أن أصابه مزيج من عقدتَي العظمة والاضطهاد، فبات يرى – من ناحية – أن جماعته على حق دائماً وأن كل من عداها – ولا سيما جماعة “الأغلبية” – على باطل، ويرى – من ناحية أخرى – أن جماعته دائماً ضحية بريئة لأبشع صنوف التهميش والتنكيل والاضطهاد. وتسمية هذا هنا: “مينو”.
  • المتطرفة في الدفاع عن حقوق المرأة: وهي تلك التي وصلت في التطرف إلى حد أنها باتت ترى أن الطريق الأمثل لتخليص المرأة من سلطات المجتمع الذكوري الرجعية الظالمة ومن التهميش والتفرقة اللذين تتعرض لهما لا يمر إلا عبر ممارسة العنصرية المضادة تجاه جنس الرجال عموماً وإعمال أبغض أسلحة السخرية والتربص والتحقير ضدهم. وتسمية هذه هنا: “فيمو”.

ولتلاحظ، صديقي القارئ، أنني عمدتُ إلى اختيار تسميات مختصرة لأصحاب تلك النماذج (إيجو، كارلو، … الخ) بغية الإيجاز والمباشرة وتجنُّب التكرار النمطي في الإشارة إليهم أدناه، وليس بغية ممارسة “التصنيف” أو الاستهزاء بتاتاً. وعلى أيٍ، فإنه سيكون من المفيد، قارئي العزيز، أن تجعل تلك التسميات مألوفة لك وأن تستذكر مدلولاتها جيداً، ولو لبضع دقائق تالية، كيّ يتسنى لك استيعاب وتقدير ما يلي من عرض للأفكار والمفارقات فيما تبقى من هذا المقال.

وقبل أن أشرع فعلياً في طرح الأمثلة التي سأعرض الأطروحة أو سأدلل عليها من خلالها، فإنني أود التأكيد على أربع نقاط يهمني جداً أن تكون واضحة:

  • أولاً: أرجو أن يكون واضحاً جداً أنني لن أمارس هنا خطيئة التعميم أبداً؛ فكل ما في الأمر أنني سأتعرض أدناه لوصف أو توصيف أو انتقاد أو “تعرية” مجموعة من المتطرفين في رأيي وحسب معاييري، وطبيعي أن أي مجال وأي تيار لا يمكن أن يخلو من التطرف والمتطرفين أبداً، وبالتالي فليس في الأمر تعميم.
  • ثانياً: أرجو أن يكون واضحاً أنني سأتناول في الأمثلة التالية عدداً من النماذج العامة أو المطلقة والمجردة، قدر الإمكان، لا تَمُتُّ بكثير من الصلة لشخوص محددة قابلتها وحاورتها وتعرفت على أوجه ومكامن تطرفها في الحقيقة. فكما قلتُ في الجزء السابق، أنا لا أحب “الشخصنة” في النقاشات أبداً.
  • ثالثاً: أرجو أن يكون واضحاً أنني لا أستطيع في الأمثلة التالية أن أضرب مثلاً على كل شخصية من الشخوص التي أشرتُ إليها أعلاه (الإيجو والإيثو والكارلو وغيرها) في كل عنوان فرعي اخترته لأطروحتي هذه، وإلا فإنني سأحتاج إلى كَمٍ هائل من “التباديل والتوافيق” العقلية المجهدة وعديمة الفائدة لحد كبير وإلى مساحة كتابة أكبر بكثير من أن يطيقها مستخدمو الفايسبوك الذين أوجِّه هذا المقال خصيصاً لهم. ومن ثَم، فإنني سأراعي أن يتم استخدام كل شخصية من تلك الشخوص المتطرفة في مثال واحد على الأقل على امتداد العناوين الفرعية التالية.
  • رابعاً: وأرجو، أخيراً، أن يكون واضحاً أن العناوين الطريفة أو الفكاهية بعض الشيء (لكن الموحية بإيجاز عن المضمون) التي اخترتها للأمثلة والنماذج التالية ليس مقصوداً بها أي نوع من أنواع السخرية بقدر ما القصد منها كسر جمود الموضوع عموماً وتلطيف رائحة التطرف الكريهة التي تفوح من أمثلته التدليلية خصوصاً، فضلاً عن كونها (تلك العناوين) محاولة من كاتب الموضوع لتحويل قراءة الجزء الثاني منه إلى ما يشبه اللعبة العقلية المثيرة للانتباه بالنسبة للقارئ.

والآن، أصدقائي، دعونا ننتقل إلى العناوين الفرعية للنموذج وإلى الأمثلة التدليلية المنطوية تحتها.. أو: فليبدأ العرض!

* * *


الأميبا تتكلم

مثل الـ “ثيو” الذي لا يتكلم ليل نهار إلا في الدين وعن الدين وبالدين ولا يحكم على الآخر إلا بمدى انتمائه إلى نفس معتقده وملَّته ومدرسته التفسيرية في الدين والذي لا يعادي ولا يصاحب إلا لأسباب متعلقة بالنزعات الدينية ويعتبر الإنسان أشبه بكائن أحادي الخلية لا ينطوي – رغم كل تعقيداته وتنوعاته والخيارات المتاحة أمامه – إلا على مادة خام حيوية واحدة هي الانتماء الديني،، مثله كالـ “إيثو” الذي كلما قابلته وناقشته في أي موضوع وجدته يريد دائما أن يعرِّج على قضية هدم الأديان وزيفها وإثبات كذبها وسطحية وضعف التطور العقلي للمؤمنين بها وكذب وتضليل المروجين لها، وكأننا قد عدمنا مواضيع النقاش الثقافي والتنويري الأخرى التي تستحق منا أيضاً بعض التركيز والانتباه.


الشك يا حبيبي

مثل الـ “فيمو” التي تظل دائماً في حالة شك في الجنس الآخر وتوجُّس منه وتظل دائماً على يقين من أن الرجل – كل رجل – هو دائماً وفي حقيقته عدو للمراة راغب في كبتها وخنقها وممارسة مفردات الثقافة الذكورية المتعالية البالية عليها مهما أبدى ذلك الرجل، قولاً وفعلاً، من إشارات دالة على التحضُّر والتفتُّح والاقتناع بقيمة المرأة وبتساويها مع الرجل وأحقيتها في أن تحصل على نفس حقوقه وأن تؤدي معه نفس واجباته،، مثلها كالـ “إيجو” ذي التوجهات الليبرالية اليمينية المحافظة الحادة في أنانيتها الذي يظل دائماً يتشكك في أي طرف إصلاحي ذي ميول يسارية أو اشتراكية ويظل دائماً يعتقد أن اليسار مهما كان معتدلاً ومتسامحاً فإنه لا يمكن أبداً أن يكون مستنيراً أو ديمقراطياً بحق وأن ما يُسمى باليسار الجديد أو اليسار الديمقراطي ما هو إلا خرافة أو محاولة لتجميل وجه اليسار العسكريتاري التقليدي الدميم وأن اليساريين يجب، في أفضل الفروض، أن يقنعوا بتصنيفهم كإصلاحيين من الدرجة الثانية، أو كإصلاحيين “على ما تُفرج”.


العِلم في الراس

مثل الـ “ثيو” الذي يكتفي من كل أنواع الثقافة والمعرفة بالثقافة الدينية ويكتفي بالبرامج التليفزيونية وكُتيبات الجيب كمصدر مستمر للحصول على ذلك النوع المختار من الثقافة ولا يسعى أبداً للتزود بثقافة غير دينية تجعله ينظر إلى الأمور من زوايا عدة بدلاً من زاوية الدين الحصرية ولا يسعى أبداً حتى لتنمية ثقافته الدينية تلك من مصادر متعددة أو من مصادر أكثر عمقاً ورصانة وتفصيلاً وتنوعاً،، مثله كذلك الـ “إيجو” الذي هو في الأصل مجرد رجل أعمال ليبرالي بالوراثة منتمٍ إلى عائلة ضربها التأميم في مقتل وأصاب موضوعيتها اللاحقة تجاه كل ما هو غير رأسمالي الهوى بتشوهات وتحيزات شخصية حادة، وهو بوسعه أن يدافع باستماتة وتكبُّر وجبروت منقطعي النظير عن الرأسمالية في صورتها الوحشية الفالتة وأن يسعى لإقناعك بأناقة تارة وبتهكُّم كريه وتعالٍ تارة أخرى بصحة أشد الآراء التي صدرت عن “أنبياء” حرية السوق، أمثال آدام سميث وهربرت سبنسر، بأشدها عنصرية وقسوة وتمييزاً بين البشر واستهزاء بقدراتهم ومعاناتهم، يفعل ذلك كله بينما هو في الحقيقة قد انقطع آخر عهد له بالقراءة أو بالنقاش الحر المفتوح المتعدد الأطياف والاتجاهات منذ ما لا يقل عن ثلاثة عقود من الزمان مثلاً.


المفتش كورومبو

مثل الـ “ثيو” الذي يظن أنه يعرف الإجابات الحاسمة المؤكدة على أسئلة الوجود الكبرى بعد أن أجابها له وبمنتهى البساطة والمباشرة والحسم، وبلا أي جهد عقلي منه أو قدرة لديه على المراجعة والتمحيص، أجابها له دينه الذي شَبَّ فوجد آباءه عليه وقد أعدوا العدة لتوريثه له ضمن ما سيورثونه إياه من خصائص بيولوجية وعقلية (أعني أسئلة عويصة مثل “كيف بدأ الخلق؟” و”لماذا بدأ الخلق؟” و”هل سينتهي الخلق؟” و”متى سينتهي الخلق؟” و”كيف سينتهي الخلق إن كان فاعلاً؟” وغيرها من الأسئلة التي مازال العلم الحديث يقدم لها إجابات جديدة ومغايرة باستمرار ويراجع نفسه فيها بدأب ورصانة بفضل جهود علماء لا يؤمنون كثيراً بمبدأ الوراثة على مستوى العقل والعقيدة)،، مثله كالـ “إيجو” الذي بوسعه أن يقدم لك تفسيراته وآراءه وأحكامه القاطعة الحاسمة عن الدوافع والنوايا والمسببات الحقيقية و… الخ الخ في قضايا معقدة ومتشابكة الأبعاد (مثل قضية مقتل زوجة المبعوث المصري في ألمانيا مؤخراً في قاعة محكمة ألمانية على يد متطرف ألماني ذي أصل روسي)، بوسعه أن يقدم لك كل ذلك الهراء المتسرع وبمنتهى الثقة والقسوة والتحيز قبل أن يكون قد مر حتى ما يكفي من الوقت لتكوين صورة شبه كاملة عن القضية لدى المعنيين مباشرة بها وبمتابعتها، وكأن هدفه هو التعبير عن آرائه العنصرية المسبقة المعلبة ليس أكثر، حتى وإن تطلَّب ذلك منه الضرب بقواعد الموضوعية والتحرّي عرض الحائط.


أنا وأخويا على …

مثل الـ “ثيو” الذي يدخل الجروبات الليبرالية (حيث يكثر الـ “إيجو” والـ “إيثو”) على الفايسبوك بهدف التشويش على حوارات “الكُفر” الدائرة فيها و/أو القرصنة عليها وتدميرها بعد أن استنجد به أحد أصدقائه أو معارفه من الـ “ثيو” الذين حاولوا دون جدوى وأد الحوار في تلك الجروبات وتعرَّض في سبيل ذلك لبعض السباب أو السخرية،، مثله كالـ “مينو” الذي لا يرى في المنتمين إلى جماعة الأقليات التي ينتمي إليها ويمثِّلها إلا كل خير وكل جميل وكل صواب ولا يلتفت أبداً ولا لديه الاستعداد للالتفات أبداً إلى ما يشوب تاريخ وحاضر ممارسات تلك الجماعة من أخطاء ورذائل وتناقضات،، ومثلهما كالـ “إيثو” الذي يفتح – على الفايسبوك أيضاً – رسائل جماعية (أو “ثريدز”) يدعوا فيها أصدقاءه إلى الهجووووم على جروبات ومواقع الـ “عرعر” والمتدينين الأغبياء لمجرد أن واحداً من الأخيرين تجرأ وخاض حواراً حاداً ضده أو أنشأ على الفايسبوك “جروب” لا تتماشى وهواه.


إحنا الوارثين يا أفندم

مثل الـ “ثيو” الذي يرث دينه بلا أي اختيار أو تفكير منه ثم يتعصب له بجنون بعد ذلك ولا يسمح لأي أحد أن يراجعه في أي نقطة أو مسألة متصلة بما ورثه ولم ينشئه بنفسه، تماماً كما كان الناس يفعلون في “الجاهلية” وهم يعارضون “الدين الجديد” الذي لم يذكر لهم آباؤهم شيئاً عنه أو عن مدى شرعيته،، مثله كالـ “إيجو” الذي نشأ في عائلة رأسمالية متعالية على “العامة” فكان طبيعياً جداً لمن هو في مثل سطحيته أن يصبح رأسمالياً بالضرورة وعدواً لدوداً بالوراثة للاشتراكية، أو كالـ “إيجو” الذي وصلت به فكرة الاحتفاء بهويته الوطنية ومحاولته إحياء مفهوم الانتماء إلى الوطن لا إلى “الأمة” وتجريده من كل الشوائب الأجنبية (وخصوصاً “العرعرية”) التي طالته على مدى التاريخ إلى حد التطرف والعنصرية أو الفاشية وعدم الموضوعية في عشق الوطن، وهو ما يبدو غريباً جداً وغير منطقي ولا منتظم بالنظر إلى أنه عادة ما يكون قد ورث انتماءه الوطني كما ورث انتماءه الديني، ولكنه – في أغلب الأحيان – لم يراجع الانتماء الأول ولم يثر عليه بقدر ما ثار على الانتماء الثاني، رغم أن ماضي كليهما وحاضره لا ينقصمها من الأخطاء ما يدعو إلى مراجعتهما معا جذرياً وليس مراجعة أحدهما بشكل انتقائي دون الآخر.


كله بالمظاهر

مثل الـ “ثيو” الذي يحكم على مدى طُهر ونقاء وقيمة الرجل بمدى طول لحيته أو طول سرواله وعلى مدى طُهر ونقاء وقيمة المرأة بمدى تغطيتها شعرها ووجهها ومدى التزامها بالبقاء في البيت وطاعة زوجها طاعة عمياء يحصل بسببها عقلها على إجازة ممتدة،، كالـ “إيثو” الذي يقول إن من أهم أسباب رفضه لحجاب المرأة أنه يمنعه من مشاهدة جمالها والاستمتاع به (وهي التي خُلقت، في رأيه، لتكون جميلة) وإن من اهم أسباب رفضه لانتقابها أنه يجعل رائحتها كريهة وشكلها مخيفاً (دون أن نسمع منه كثيراً من الأسانيد المتعلقة بضرورة تمتُّع المرأة بالحرية في اختيار ما ترتديه وألا يفرض أحد الحجاب أو النقاب عليها، أو عن ضرورة تعبير زيها عن مساواتها بالرجال وعدم اعتبارها كائناً مختلفاً لكل ذلك المدى البعيد، وضرورة عدم تحمُّله بإشارات طائفية أو تمييزية … الخ الخ)،، ومثلهما كالـ “كارلو” أو الـ “إيجو” اللذين يستغربان أن يوجد علماني ملتزم سلوكياً وغير شارب للخمر ويظلان دائماً في حالة توجُّس منه وفي شك من أن يكون منافقاً أو مدعياً أو ربما حتى عميلاً أمنياً أو واحداً من الـ “ثيو” المتخفيين لمجرد أنه أخذ من العلمانية ما يناسب ميوله العقلية ولم يأخذ بالضرورة كل مستلزماتها الشخصية أو “العاداتية”.


لول ;)

مثل الـ “فيمو” التي تطلق الأوصاف والنكات اللاذعة ذات المسحة العنصرية على الرجال لتصفهم بها وفيها وصفاً جماعياً معمماً بأنهم وحوش شهوانية عديمة العاطفة والقلب والتمييز والوفاء،، مثله كالـ “إيثو” الذي يستخدم تجاه المتدينين تسميات عنصرية تعميمية مثل “عرعر” و”عراعير” والذي يكتب في “ستاتيوساته” على الفايسبوك وعلى التويتر شتائم واستعلاءات موجهة لهم لا تراعي ذوقاً ولا تعرف تسامحاً ولا جدية.


معانا الحقيقة المطلقة

مثل الـ “ثيو” الذي يرى في نفسه وفي أمته أنهم “خير أمة أُخرجت للناس” مهما كان ماضيه وحاضره ينطويان على الكثير والكثير مما ينفي ذلك ويفنده، والذي يرى أن نصوصه المقدسة قد أجابته وبالمجان عن كل الأسئلة الوجودية العويصة وأنه وأمته الدينية وحدهم من سيدخلون “الجنة” لأنهم وحدهم من عاشوا حياتنا هذه على الدين الصحيح ومالكين للحقيقة المطلقة المنزلة،، مثله كالـ “كارلو” الذي يرى أن كل مؤمن بحرية الأسواق وبدافع الربح وحرية المنافسة الخاصة هو وحش حقير، أو كالـ “إيجو” الذي يرى أن كل مؤمن بأهمية وجود دور للدولة في تنظيم الأسواق ورعاية مصالح المجتمع وتحسين أوضاع الفقراء هو دوجمائي ساذج خارج للتوّ من كتب التاريخ البالية أو سلطوي مستبد، أو كالـ “إيثو” الذي يرى أن كل متدين أو مؤمن بالروحانيات ولو بشكل طفيف هو غبي ذو عقلية بدائية وميول خرافية وكأن الأمور لا يمكن أن يكون لتفسيرها بُعد غير مادي أبداً.


من أجل عينيك

مثل الـ “مينو” التي تقوم بتغيير دينها من أجل الزواج من فتاها المنتمي إلى دين أو طائفة أو ملّة أخرى لتهرب – معه وبفضله – من براثن العنوسة،، مثلها كالـ “إيثو” التي ما تحولت إلى العلمانية و/أو الإلحاد إلا بعد أن أحبت علمانياً ملحداً، أو كالـ “إيجو” الذي لم يكن يعرف عن الرأسمالية والفكر اليميني الليبرالي شيئاً قبل أن “يسمع” أن المنتميات إليه بينهن كثيرات من الحسناوات المتحررات فكرياً وسلوكياً.


نجم عصر السرعة

مثل الـ “ثيو” السطحي الذي لم يعرف طريق التطرف الديني إلا بغتة أو بين عشية وضحاها بعد أن مات صديق عزيز عليه أو بعد أن احترقت شقته أو سيارته أو خسر وظيفته أو ثروته فأحس بالذنب وبالرغبة في الهروب من واقعه المرير والارتماء في أحضان الدين والروحانيات من باب السلوى، دون أن يكون للقراءة والاطلاع والقناعات الشخصية العقلية المسبقة التي تأخذ وقتاً طويلاً كيّ تختمر وتنضج أي دور في ذلك التحول،، مثله كالـ “إيثو” التي لم تكن طيلة عمرها تعرف عن اللادينية أي شيء ولكن لم تحتج مسألة تحولها إلى العلمانية و/أو الإلحاد إلى أكثر من ثلاث أو أربع جلسات أمضتها مع ذلك الرجل الجذاب المثقف الثوري الذي تود أن تلفت نظره وأن تشده إليها وإلى طريقة تفكيرها المشابهة كثيراً – بلا صدفة، طبعاً – لطريقة تفكيره.


هذه هي الثقافة

“ما اسم الصحابي السابع والعشرين بعد المائة في ترتيب الدخول إلى الإسلام؟”

“ما اسم خادم مرقس الرسول بعد أن استقر في مصر؟”

“جلس على طرف السرير. ارتشف كأس البراندي على دفعة واحدة، وتجشأ بقوة. ثم أخرج قضيبه بغتة وتوجه به إليها، هامساً في أذنها بصوت ملؤه الخمر والسيجار الكولومبي: سنقضي ليلة ماجنة حتى الصباح يا جميلتي! وما كان منها سوى أن بدأت في خلع ملابسها هي الأخرى، واستسلمت لمداعباته الفاحشة. وسرعان ما أخذت ترد عليه بمثلها”

مثل الـ “ثيو” المسلم والـ “ثيو” المسيحي اللذين يريان أن السؤالين الأول والثاني أعلاه يمثلان ضرباً من ضروب الثقافة القيّمة بحق التي على المرء دوماً اكتسابها والاعتناء بها ونشرها بين أقرانه،، مثل الـ “إيجو” أو الـ “إيثو” أو الـ “كارلو” أو الـ فيمو” الذين يرون أن العبارة الثالثة (المقتطعة من نص قصصي أنوي رمزي مفترض) هي فن بالمعنى الصحيح للكلمة وليست مجرد خزعبلات مباشرة سخيفة عديمة الموهبة والمذاق.

* * *

الآن أكون قد عرضت النموذج كاملاً.. وبالتأكيد سيكون هناك مقال لاحق متصل بموضوع ذلك النموذج. لكن دعونا الآن نتواصل ونتداخل بشأن ذلك النموذج أولاً..