تذكر أبيگيل باكان وياسمين أبو لبن، في مقالتهما Palestinian Resistance and International Solidarity: The BDS Campaign، الصادرة في العدد الأول لعام ٢٠٠٩ من مجلة Race and Class، أن حرب إسرائيل على غزة في ديسمبر ٢٠٠٨ ويناير ٢٠٠٩ أحدثت موجة جديدة من التضامن الدولي مع الفلسطينيين.  ومثال ذلك مقالة نشرتها الصحافية الكندية المشهورة (ناعومي كلاين)، في الصحيفة البريطانية (ذي گارديان) والصحيفة الأمريكية (ذي نيشن)، لتأييد حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، من أجل عزلها كما عُزلت أفريقيا الجنوبية في النصف الثاني من القرن العشرين، الأمر الذي ساهم في انهيار نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في ذلك البلد.

تشير المؤلفتان إلى أنه كثيراً ما يصعب على الباحث أن يقدم بحثاً عن القضية الفلسطينية دون أن يعزو بعض القراء نتائج البحث إلى أصل الباحث بدلاً من منهجه العلمي.  فتصارحان بأصليهما لئلا تصرف الصورُ النمطية الانتباهَ عن مضمون حجتهما.  أما أبيگيل باكان فهي يهودية تعيش في كندا، وهي متحدرة من لاجئين هربوا من أوروبا الشرقية بسبب المذابح المنظمة ضد اليهود، وتذكر قتل بعض أفراد عائلتها في الهولوكوست.  وأما ياسمين أبو لبن فهي من فلسطينيي الشتات، فإن العنف الصهيوني هجّر عائلة أبيها من فلسطين في عام ١٩٤٨، ثم استقر أبوها في كندا مع أمها الأمريكية.

ترى الباحثتان أن حملة المقاطعة خطوة إيجابية بالنسبة للتضامن الدولي وتقدُّم الحركات الاجتماعية، وأنها قد تزعزع الصهيونية.  تستخدمان، في تفسيرهما لتاريخ حملة المقاطعة، مفهوم « العقد العرقي » للفيلسوف (تشارلز ميلز).  يرى (ميلز) أن العنصرية بمثابة نظام سياسي ضمني في الدول الديمقراطية الحديثة يقوم على فكرة أن البيض وحدهم بشر وأن غير البيض ليسوا إلا أنصاف بشر.  فتؤكد باكان وأبو لبن، بناءً على نظرية (ميلز)، أن هناك عقد عرقي دولي، منذ عام ١٩٤٨، يطابق بين مصالح إسرائيل ومصالح الدول الكبرى، ويفترض أن الفلسطينيين أنصاف بشر لا يستحقون دولة.  وتعتبر المؤفلتان هذا العقد العرقي أحد عناصر الهيمنة الثقافية (بالمعنى الذي حدده المفكر الماركسي أنتونيو گرامشي) التي تساهم في سيطرة النخبة الغربية على العالم.

مما يصعّب مواجهة الصهيونية في الغرب أن الصهيونية، باعتبارها رد فعل على كراهية اليهود في أوروبا وأمريكا الشمالية، تدّعي مناهضة العنصرية، بينما تخدم الاستعمار العنصري في الشرق الأوسط.  وطبقاً للعقد العرقي فإن الباحثين الذين ينتقدون إسرائيل، بما فيهم باحثون يهود من أمثال (نورمان فنكلستين) و(إيلان بابي) و(أوري ديفيس)، يواجهون محاولات شرسة لإسكاتهم.  يندرج بعض هؤلاء الباحثين في تيار « المؤرخين الجدد » الإسرائيليين، الذين أعادوا كتابة تاريخ إسرائيل والصهيونية من خلال التركيز على تجارب الفلسطينيين، خاصة في النكبة، فقدّموا تاريخ إسرائيل من منظور « ما بعد صهيوني ».  وتشير المؤفلتان إلى أن حملة المقاطعة تعتمد اعتماداً كبيراً على أبحاث هذا التيار.

ثم تلخصان تاريخ حملات مقاطعة إسرائيل.  قاطع فلسطينيون الشركات والمنتجات الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين قبل عام ١٩٤٨.  ولا تزال المقاطعة من قِبَل المستهلكين مهمة، إلا أن حملة المقاطعة الحالية تطالب بمشاركة الدول أيضاً.  لقد نادت جامعة الدول العربية بمقاطعة إسرائيل في عام ١٩٤٨، غير أن بعض الدول العربية، مثل مصر والأردن والسعودية والبحرين وعمان، لم تعد تعمل بها.  وفشلت جامعة الدول العربية في جذب الانتباه إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفي التأثير على الرأي العام في الغرب.  وفي السبعينات، صدّقت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية على قوانين تمنع مقاطعة إسرائيل، وبررت ذلك باسم منع « المتييز ».

هذا عكس ما أنجزته حملة مقاطعة أفريقيا الجنوبية، التي نشأت في الخمسينات، وأدت إلى عقوبات دعمتها الأمم المتحدة ودول غربية كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة.  هناك أوجه تشابه كثيرة بين نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في أفريقيا الجنوبية وبين النظام الصهيوني في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.  لذلك تضم حركة المقاطعة الحالية شخصيات بارزة من مقاومي الأبارتيد، مثل (ديزموند توتو)، كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام.

في عام ٢٠٠٥، في أعقاب قرار محكمة العدل الدولية الذي طالب بإزالة الجدار العازل الإسرائيلي، نادت ١٧٠ منظمة مدنية في فلسطين بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، مستوحية إستراتيجية اللاعنف والتضامن الدولي من نجاح تحول أفريقيا الجنوبية.  وعلى نقيض المقاطعة التي كانت جامعة الدول العربية قد أدارتها، فإن حركة المقاطعة الحالية غير هرمية، وتعتمد على وسائل الإعلام الجديدة التي تتوافر على الإنترنت.  يبرز فيها جيل جديد من النشطاء الفلسطينيين في الشتات.  ونجحت في اكتساب تأييد منظمات مدنية كانت قد نشأت للاعتراض على الليبرالية الجديدة وعلى العسكرية الأمريكية المتمثلة في الحرب على العراق.  هكذا أصبحت حركة المقاطعة رمزاً للتضامن الدولي ولرفض العدوان العسكري والتمييز ضد العرب والمسلمين.  وقد جرت العادة على تسمية الجدار العازل الإسرائيلي « جدار الأبارتيد »، فيما ازداد عدد الذين ينادون بإحلال دولة علمانية ديمقراطية محل دولة إسرائيل.

تشارك حكومات محلية وشركات ونقابات عمالية وكنائس ومهرجانات سينمائية، في أوروبا وأفريقيا الجنوبية وكندا، في حملة المقاطعة.  ومثال ذلك بنك ASN الهولندي، الذي سحب استثماراته، في عام ٢٠٠٦، من الشركات التي تستفيد من الاحتلال الإسرائيلي.  وفي عام ٢٠٠٩، حمل طلاب في بريطانيا والولايات المتحدة جامعاتهم على سحب استثماراتها من إسرائيل.  وأعلن المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انعقد في البرازيل في عام ٢٠٠٩ وحضره مائة ألف شخص، تأييده لحملة المقاطعة.  ازداد هذا التأييد رغم المعارضة الشديدة التي يتعرض لها من يبرز في الحملة، من قِبَل القائلين بأنها لن تنجح، أو أنها تهدد السلام والأمن، أو أن مقاطعة الجامعات الإسرائيلية تخالف الحرية الأكاديمية، أو أن الدافع الأساسي للحركة هي كراهية اليهود.  وعلى سبيل المثال فإن الأستاذ البريطاني (ستيفن روز) اتُّهم بأنه « يهودي كاره لنفسه » عندما نادى، في عام ٢٠٠٢، بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، اقتداءً بالمقاطعات الأكاديمية التي كانت قد واجهت أفريقيا الجنوبية.

ترى المؤلفتان أن من ميزات حركة المقاطعة أنها توحّد الفلسطينيين، على اختلاف جنسياتهم وطوائفهم وأجيالهم.  وفي ظل عجز الأمم المتحدة عن معاقبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، تؤكدان أن حركة المقاطعة قد تُعتبر « منظمة أمم متحدة من أسفل » تتحمل هذه المسؤولية.

(المصدر: أبحاث لفتت نظري)