يوجد في العالم حركات إنفصالية كثيرة، من أهمها: حركة إيتا الإسبانية، وجبهة البوليساريو المغربية، والحزب الديموقراطي الكردستاني، وحركة شرق تركستان الإسلامية، والجيش الجمهوري الإيرلندي، وحركة بافرا النيجيرية، وجيش زاباتيستا للتحرير القومي في المكسيك، والحركة الشعبية لتحرير السودان التي تسعى لإقامة دولة منفصلة في جنوب السودان، وجماعة أبو سياف في الفلبين، و نمور التاميل في سريلانكا، وغيرها الكثير، في الهند، والصين، وروسيا، وفي كل بقاع الأرض.

الحركات الإنفصالية هي عبارة عن منظمات أو جيوش يتم تشكيلها بهدف فصل جزء من أرض دولة ما عن أراضي الدولة الأم وإنشاء دولة أخرى على هذه الأرض طلبا للاستقلال و الحكم الذاتي بدعاوي مختلفة فتارة عرقية وتارة دينية أو لغيرها من الدعاوي لكن القاسم المشترك الأكبر لجميع هذه الحركات هو مقاومة الدولة الأم لها وفشل أغلب هذه الحركات في تحقيق أهدافها فقد قضت الحكومة الإسبانية تقريبا على حركة إيتا بتعاون مع شعب إقليم الباسك الذي رفض أسلوب القتل العشوائي الذي مارسته الحركة كما لم تنجح حركة البوليساريو حتى الآن بفصل الصحراء المغربية عن المغرب بعد أن انسحبت منها اسبانيا سنة 1975 وانتهى الحزب الديموقراطي الكردستاني بالمشاركة في الإنتخابات النيابية العراقية بينما نجحت حركة بافرا بفصل إقليم بافرا عن نيجيريا بدعم كبير من اسرائيل والبرتغال كما نجح الإنفصال في الهند بإنشاء باكستان الغربية والشرقية (بنغلاديش) إلى آخره الكثير من الحركات الإنفصالية في العالم عبر التاريخ. ويقاوم المجتمع الدولي الحركات الإنفصالية بشكل عام ويصنفها كمنظمات إرهابية بالرغم من تلقيها دعما استثنائيا في بعض الحالات من جهات معينة لها مصالح خاصة في الإبقاء على هذه البؤر الساخنة.

وقد يكون الإنفصال مفهوما إن كان بهدف الإختلاف العرقي (الإثني) أو الإختلاف الديني لكنه لا يكون مبررا عندما لا تكون هناك فوارق من أي نوع وتصبح في هذه الحال مجرد مصالح خاصة للقائمين على هذه الحركات ورغبة في الوصول لكرسي الحكم وبناء المجد الشخصي وأيضا الثروة الشخصية.

عندما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية بهدف تحرير الأرض الفلسطينية من المحتل الإسرائيلي كانت فلسطين حتى تلك اللحظة أرضا أردنية وجزءا من المملكة الأردنية الهاشمية إلا أن الدعم الذي تلقته من الدول العربية أخذ شكل الحركة الإنفصالية وانساق الجميع وراء هذا الشكل من الدعم دون الإلتفات لخطورته، وبالرغم من أن جلالة الملك الحسين رحمه الله كان أبعد الجميع نظرا وادرك الأثر السلبي لتأسيس دولة منفصلة خاصة في ذلك الوقت إلا أنه اضطر لتلبية مطلب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وملك المغرب بإعلان فك الإرتباط لكنه لم يعمل على ترسيخ هذا الإعلان وحافظ على أن يستمر بشكل خطاب عاطفي دون أن يكون له أي أثر عملي وما يؤكد ذلك إشارتين على بساطتهما لكن من ينتبه إليهما يدرك عمق بعد النظر لجلالته فأولا أبقى على تبعية كافة الأماكن الدينية في فلسطين للدولة الأردنية فهل كان ذلك شكلا من الإبقاء على جيوب نفوذ أم رغبة في عدم ترسيخ مبدأ الإنفصال! وعلى الصعيد الشخصي فعندما أراد ابنه الأكبر جلالة الملك عبدالله الثاني الزواج سانده ودعم اختياره لفتاة من ذنابة طولكرم من بيت ياسين وكان بإمكانه أن يختار له فتاة من خيرة عائلات جنوب أو شمال أو وسط الأردن لكنه أراد بأن يترك إشارة للشعب الأردني أن ملككم ذات يوم ستكون والدته من فلسطين وبالتالي التأكيد على الهوية الفلسطينية الأردنية الواحدة.

إن التخلي عن أرض للوطن وسلخ شعب ونسبه لدولة أخرى يتطلب أكثر من مجرد خطاب فهناك مراحل دستورية يجب المرور بها والقضية ليست قضية بيع ولا هبة أو هدية لأرض محدودة المساحة ولا استثمار أجنبي. إنها قضية كبيرة وخطيرة.

فلسطين جزء من الأرض الأردنية والفلسطينيون أردنيون وعندما انتخب أهل القدس سعادة الدكتور يعقوب زيادين المولود في الكرك نائبا يمثلهم في البرلمان الأردني سنة 1956 كانوا أردنيين. العديد من أبناء الأردن الفلسطينيون شكلوا حكومات ضمت أردنيين من شرق النهر وغربه فقد شكل ابراهيم هاشم النابلسي حكومته خمس مرات وتولى أيضا رئاسة مجلس الأعيان الأردني سنة 1951 وكان الأخطر والأهم توليه منصب نائب رئيس وزراء في الإتحاد الهاشمي الذي جمع النظامين الملكيين في الأردن والعراق سنة 1958 حتى كانت ثورة عبدالكريم قاسم . توفيق أبو الهدى من أهم رؤساء الوزراء في تاريخ الأردن من الرملة من أسرة التاجي الفاروقي تولى رئاسة الحكومة إثنا عشرة مرة في عهد ملوك الأردن ابتداء من عبدالله المؤسس ومرورا بعهد الملك طلال ثم في عهد الملك الحسين رحمهم الله جميعا، وهو لا يتصل بقرابة لدولة حسن خالد أبو الهدى الحلبي الذي تولى أيضا رئاسة الوزراء في الأردن. سمير الرفاعي (الأول) من صفد وتولى الرئاسة ستة مرات ومن نفس العائلة أيضا عبد المنعم الرفاعي وزيد الرفاعي الذي تولى أيضا رئاسة مجلس الأعيان وأخيرا سمير الرفاعي الثاني. سليمان النابلسي ويبدو من اسمه نابلسيا وحسين فخري الخالدي من القدس وأحمد طوقان من نابلس وقاسم الريماوي من بيت ريما محافظة رام الله والبيرة و طاهر المصري من نابلس رئيس مجلس الأعيان الأردني الحالي بالإضافة إلى دولة السيد محمد داوود الذي شكل الحكومة بعد أحداث أيلول 1970 وهو من سلوان القدس. تولى رئاسة وزراء الأردن كثيرون ولم يعترض الأردنيون في شرق الأردن ولم يدع ذلك أحدا بالمحاصصة أو أنه قال الفلسطينيون ضيوف على الأردن.

كل القوانين والمواثيق الدولية تقر بإعادة الأراضي التي احتلت عسكريا واغتصبت بالقوة إلى المالك الأصلي وبالتالي عودة أرض فلسطين للأردن سيكون مطلبا ممكنا العمل به في المحافل الدولية ويجب العمل بهذا الإتجاه. اسرائيل لن تسمح بدولة فلسطينية بالمعنى القانوني والدولي للدولة ولا أحد قادر على إرغامها على القبول بذلك على الأقل في الوقت الحاضر لكن المجتمع الدولي مجبر على التعامل مع الإحتلال بطريقة مختلفة إن تم إلغاء فك الإرتباط وعادت الضفة الغربية أردنية.
كل ذلك لا يعفي أهلنا في فلسطين من التعبير عن رغبتهم بصراحة للعودة إلى الوطن الأم وإعلان الولاء للملك الأردني.

وهذا لا يعني بشكل من الأشكال إلغاء تمسكهم بأرضهم أو انتسابهم لها. يجب عليهم إعفاء مجموعة رجال الأعمال الذين تاجروا ويتاجرون بقضيتهم وكونوا الثروات الهائلة منها وأسسوا لأمجاد شخصية آن لها أن تتوقف. تقع على الأردنيين من أصل فلسطيني مسؤولية كبيرة بالتعبير عن رأيهم وعلى رموزهم وقادتهم الذين يعلنون أردنيتهم، عليهم القول صراحة أن من يمثلهم كفلسطينيين هي الدولة الأردنية بقيادة ملكها جلالة الملك عبدالله الثاني وليس أي طرف آخر. عليهم أن يقولوا ويكرروا دون خجل أو حسابات جانبية أن وجودهم في الأردن ليس مرحلة انتقالية وأنه حتى بعد تحرير فلسطين فإن من سيبقى يمثلهم هو الأردن.

كما يجب علينا نحن الأردنيون أن لا نسمح ونتساهل بسلب جزء من أرضنا واقتطاع جزء من وطننا. علينا أن نتمسك بحقنا في أرض فلسطين. هذه أرضنا وعرضنا نحن فإن تساهلنا اليوم فسنتساهل غدا إن اقتطعوا أجزاء أخرى من الأردن هنا وهناك. هذا مع إعتراف الجميع بالدور النضالي لمجموعة هائلة من ألأبطال التي أعطت وبذلت واستشهدت وخسرت الكثير في سبيل تحرير الأرض والشعب من نير المستعمر الإسرائيلي.

لقد أعلنت الوحدة الأردنية الفلسطينية رسميا بمؤتمر أريحا سنة 1950 وحتى يتم من الجانب الفلسطيني ترسيخ فك الإرتباط فهذا يتطلب أكثر من مؤتمر أو استفتاء.

[email protected]