بدايةً فإننى هنا لا أطرح رؤية سبق طرحها عن الشيخ مصطفى صبرى شيخ السلطان العثمانى السابق لكننى أطرح ودهة نظر و جدل مثل نموذجاً للحرب بين الجمود و التجديد فى الخطاب الدينى و شكل دليلاً على مدى التحجر الذى قد يصل بالناس الى حد الإطاحة بمصالح الناس و دينهم فى سبيل النقل لا إعمال العقل..الذى يقود للأفضل.. هنا الجدل تم بين الشيخ التركى الهارب من إنتقام الثوار الأتراك مصطفى صبرى و بين شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى حول ترجمة القرآن و دور الفقة فى الدين أو مكانته من الدين..

فى السادس من نوفمبر عام 1922 وصل القائد العسكرى ( رأفت ) أحد أركان الثورة التركية للإستقلال على رأس قوة من جيش التحرير الى إسطنبول ليسيطر عليها تماماً و يفرض سيطرة الثوار عليها وسط تأييد شعبى جارف للكماليين مما أدى لهروب السلطان العثمانى وحيد الدين ف حماية بريطانية الى أوروبا و تبعه أغلب الشيوخ و منهم شيخ الاسلام عبد الله درزادة ممن أفتوا باهدار دم قادة حرب الاستقلال بناءً على طلب السلطان لصالح الإحتلال ، و كان ممن هربوا الى اليونان ثم الحجاز فمصر شيخ سابق يسمى مصطفى صبرى تولى منصب شيخ الإسلام مرتين قبل أن ينتقل للبهو السلطانى..هرب مصطفى صبرى لثقته فى حكم الإعدام الذى ينتظر كل شيوخ السلطان وحيد الدين ممن وقفوا ضد جيش الإستقلال التركى المقاوم للإحتلال الأوروبى لتركيا.. توجه الشيخ الى اليونان ثم الحجاز ثم مصر ليغادرها و يعود إبان الثلاثينات و يحيا بها حتى توفى بالخمسينات و فى تلك الأثناء فى الثلاثينات و الأربعينات خاض غمار معارك كبرى مع شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى..

كانت مواضيع الخلاف تتمركز حول تلك النقاط :

-1- تأييد الشيخ المراغى و الأزهر لمصطفى كمال أتاتورك تقديراً لدوره و رجاله فى تحرير تركيا و عدائهم لمصطفى صبرى لموقفه المضاد لحركة المقاومة .

-2-رأى الشيخ المراغى بحلة ترجمة القرآن مما أغضب الشيخ مصطفى صبرى لأنه يرى عكس ذلك تماماً و لشعوره بأن فى هذا تأييد لأتاتورك الذى أمر بترجمة القرآن و الإجيل و التوراة للتركية.

-3-رأى الشيخ المراغى أن الفقه ليس من الدين لكنه إجتهاد يؤخذ و يرد منه و قصره لمعنى الدين أنه القرآن و السنه لكن إجتهادات الفقهاء عبر العصور متغيره نأخذ بها أو لا حسب الحاجه فالثابت هو القرآن و السنة بينما الشيخ يرى عكس هذا تماماً..

*1*الموقف من أتاتورك:

—————————

بطبيعة الحال كان مصطفى كمال أول عقبة فى طريق مصطفى صبرى و المراغى ففور وصوله لمصر هرباً من تركيا شن الأزهر حملة عليه رفضاً لوجوده فى مصر للدور السئ الذى قام به فى تركيا و دعمه للسلطان ضد التحرير..فكانت العقبة الاولى التى واجهت مصطفى صبرى موقف كثير من الشيوخ(على غضبهم من مصطفى كمال لإلغائه الخلافة)المؤيد لحركة التحرير بقيادة أتاتورك…و لعلى أسهبت فيما مضى فى توضيح الصورة فأكتفى فى هذه النقطة ببيان كراهية الأزهر لوجود شخص شارك فى فتوى اهدار دم المقاومة ضد الإحتلال..

*2*ترجمة القرآن:

——————–

كان رأى شيوخ كُثُر بالأزهر و آخرين منهم الشيخ التركى مصطفى صبرى أن الترجمة تذهب معانى القرآن بينما رأى المراغى أن الغير عربى لا يفهم القرآن لأنه بالعربية فيحفظه كجمل لا يفقهها مما يترتب عليه ضعف إرتاطه بالاسلام..كذلك تخوف آخرون من ان الترجمة قد تنشئ عدة كتب للقرآن بدلاً من كتاب واحد لإختلاف الترجمة فكان رد المراغى أن توحيد مصدر الترجمة و عرضه على الازهر و فروعة هو الحل.. كان موقف مصطفى صبرى أساساً معتمد على كراهيته لترجمة القرآن لأن مصطفى كمال أمر بحصر القرآن فى اللغه التركية مترجماً هو و الانجيل و التوراه و كل اكتب المقدسة..و بالتالى هذهالنقطة التى بها يكفر مصطفى صبرى عدوه أتاتورك ستتحول لنقطة لصالحه..هنا تفجر الخلاف بين مصطفى صبرى و المراغى لأن المراغى رأى بجواز الترجمة لصالح المسلمين بينما مصطفى صبرى يرى بعدم الترجمة حتى لو لم يفهم المسلم القرآن فيكفى عليه أن يحفظ النص فقط..

*3*وضع الفقه:

——————

المسألة ببساطة أن الشيخ المراغى يعتبر كلمة الدين هى القرآن و السنة فقط أما فتاوى من مضى فنأخذ بها أو لا حسب الحاجه و الإجتهاد فنحن غير ملزمين بها و لكن ناخذها مادامت صحيحة وفقاً لظروف عصرنا..و ما يسير على الفتوى يسير على الفقة كله فهو إجتهاد بشر و ليس من الدين بل من البشر … اما الشيخ مصطفى صبرى فرأى أن كل إجتهادات الفقهاء و الفقة كله دين كالقرآن السنه و لا بد من إعتباره دين و الأخذ به جبراً..فهو إجتهاد من سبقوا و هم الأكثر فقهاً و علماً..

#بينهما# :

————–

هكذا كان الخلاف بين شيخ السلطان وحيد الدين و شيخ الأزهر فالأول يردد النص و يقدس الفقهاء و يجعلهم فى مرتبة الدين نفسه.. الثانى يقدس الله و يرى المصلحه و يقر الإجتهاد.. كانت أكبر المشكلات بينهما هى ماضى مصطفى صبرى المشبوة و جموده فى مواجهة تاريخ نظيف للمراغى و إجتهاد مرن للعصر… كان الشيخ المراغى يرى بترجمة القرآن لمصلحة المسلمين و ان الفقة ليس دين بل إجتهاد بشر يؤخذ و يرد منه بينما مصطفى صبرى يرى الفقة من الدين و أن لا يجوز رده حتى مع إختلافه.. كانت معركة بين التجديد و الجمود إنتصر فيها فى ذلك الوقف التجديد و هُزم الجمود..

تحياتى **