هناك الكثير من الصراعات فى مصر اليوم: اعتصامات، ومظاهرات ووقفات إحتجاجية، معارك الكادر، مواجهات شرسة فى مجلس الشعب، مواجهات بين الحكومة والمعارضة، مواجهات بين الأصوليين والمدنيين، مواجهة بين القُطريين والعروبيين، وهكذا، والبعض يصنف تلك المواجهات بأنها تهدف إلى إقامة الديمقراطية، بينما يرى البعض أنها لتحديد الهوية الدينية للدولة من عدمها، بينما يرى غيرهم، أنها مواجهة من أجل تحسين توزيع الثروة فى مصر، وأنا أختلف مع كل النقاط السابقة، لأننى لا أعتقد أن الاختلافات الحالية فى مصر تهدف “مباشرةً” إلى كل ما سبق، ستصبح تلك الأهداف مرئية بعد تحقق الهدف الأصلى، وراء كل تلك الصراعات!

فأنا أعتقد جازماً، أن تلك الصراعات فى مُجملها، هى بين التقليدية والحداثة؛ بين الفكر الرجعى والفكر المستنير؛ بين الانغلاق والانفتاح؛ وبين القديم والمتجدد، فلا يمكن أن أقيم الدولة الحديثة والديمقراطية، دون استنارة لقاطنيها، كيف أقيم ديمقراطية أو دولة علمانية أو حتى دينية أو دولة تتسم بعدالة توزيع المورد، دون استنارة مواطنيها؟ فلننظر مثلاً، إلى طبيعة الردود التى توجه بالسب واللعن والتكفير، فى أى جريدة إلكترونية، حيث أنه وما إن يختلف رأى شخص مع كاتب مقال، يتهمك بما يريد، مُتخطى كل حواجز الديمقراطية واحترام الرأى الآخر، وهو نفسه يستطيع أن يختلف معك باحترام، ولكنه لا يدرك معنى الديمقراطية أساساً، بينما يُطالب بها! ونحن هنا نتكلم عمن يجيد القراءة والكتابة، فما بالكم بالأمى؟!

ولننزل فى شارعنا المصرى، لنسأل الناس، عن معنى المصطلحات المُتداولة، وسنجد أن الكثيرين ممن يرجون الإصلاح أو حتى التغيير الشامل، ينظرون إلى معنى الديمقراطية على أنها سب الآخر، بل وربما التخلص منه تماماً، مثلما هو الحال فى جلسة مجلس الشعب التى دعت إلى التخلص من التأثير البهائى وتجريمه، وهو التأثير الخفى الذى لا نراه، وهى دعوة خفية، للاعتداء على مواطنين فى البلاد! ومن الذى يطالب بذلك أيها السيدات والسادة؟ إنهم أعضاء مجلس الشعب! أى أنهم خيرة من انتخبوا لتمثيل الشعب! ولا يستطيع أحد مسهم بكلمة، لأنهم يملكون حصانة! ولو أنهم قرأوا عما ينتويه الغرب بمنطقتنا “وهو الأمر الذى لم يتوقف بمجئ أوباما كما يظن البعض”، لما قالوا ما قالوه فى المجلس الموقر! والغرب يرى أن دولنا تقمع الأقليات الدينية الأُخرى، وحين نقرأ التاريخ، نجد أن الدولة العثمانية بدأ الغرب فى الاعتداء عليها، عندما بدأت تقمع المسيحيين بها، وعندها تدخلت روسيا لحماية الأقليات فيها! وبالطبع، كانت تلك الذرائع، ولكن الحقيقة، أن الآخرين يطمعون بنا بينما نحن ضُعفاء، ونزيد من فُرقة المجتمع بقوانين نظن كل الظن، أنها ذات تأثير داخلى فقط!.

وهناك من لا يدرك معنى أشياء أخرى كثيرة فى المجتمع، على رأسها الفكر، فهناك من يرى أن الفكر يجب أن يكون له حدود، وأن لدى مؤسسات دينية أو بيروقراطية معينة حق الرقابة على المصنفات الإبداعية، وكأن الدولة فى مجملها شديدة الرُقى والتدين والصلاح!، وكأن رجال الدين منزهون عن الأخطاء ومتساوون مع الرسل، والعياذ بالله، رغم أنهم أباحوا منذ فترة وجيزة، زواج المسيار كبديل عن الزواج العُرفى الذى يتم تقنينه! إن ما ضبط حركة الإبداع فى العالم المُتقدم، كان ترك الحرية للفكر، بحيث تطرُد السلعة الجيدة السلعة الرديئة! إن من يقرأ فى مصر، وكما نعرف جميعاً، هُم قلة، لا تُقارن بالمجموع، وبالتالى فإن من يُصادر كتاباً، إنما يمنعه عن المثقفين، وليس عن الأكثرية، نصف المُتعلمة! وبالتالى فإن إيقاف كتاب لرغبة إظهار سلطة ما، وليس رغبة فى التطهير المُعلن، إنما هو وقف للتقدم والحداثة، لأن المثقف يُميز بطبعه، ما بين الردئ والجيد!.

وهناك قرارات على الجانب الآخر، تُظهر الرغبة فى الحداثة، وإن اختلفنا معها، لأن الهدف النهائى لها، يعبر عن الاستنارة. ومن تلك القرارات والمشاريع، مشروع القرأة للجميع ومشروع القرية الذكية وإنشاء مكتبة الإسكندرية والمشروع القومى للترجمة ومشروع مبارك – كول، كما يظهر بوضوح، أن هناك شداً وجذباً فى مسألة تجديد الخطاب الدينى، وهو أمر صحى، لتبيان استغلال البعض، أمام استنارة البعض الآخر، وهناك تغير واضح فى الخطاب العام، حول بعض المواضيع، ومنها هوية مصر، ما بين قطرية وعروبية وإسلامية.

هناك شد وجذب، معرفى فى الشارع المصرى، بل وفى الدولة المصرية بأكملها، بما فى ذلك الحكومة والمؤسسات الدينية؛ ينم عن صراع ما بين التقليدية والحداثة، ويعبر عن ثورة تنويرية بيضاء، تلك الثورة، تأخذ شكل الحوارات الهادئة أو الفجة، ثم يخترقها نوع من التنوير العقلانى، مثل تلك الثورة الثقافية التى حدثت فى الصين، ثم تنتقل بالمجتمع نقلة نوعية من الجهل أو نصف التعلم إلى التنوير الشامل، بحيث يستطيع المجتمع أن يُفكر ويُعمل عقله فيما حوله، وفى النهاية، سينتصر العقل والفكر الحداثى، ثم تأتى مراحل إرساء الديمقراطية، وقت أن نفهم معناها، ولا يعنى كل هذا إقصاء الدين، كما يحب البعض الجاهل، تفسير الأمور، ولكن تجديد الخطاب الدينى كما أسلفت، وفى النهاية، فإن دور المثقفين فى الصراع الحقيقى فى مصر اليوم، حول التنوير، هو العمل مع منظمات المجتمع المدنى، ضد مدارس الفكر التقليدى، للوصول إلى الحداثة المنشودة!