الاستهلاكيّة “Consumerism” هي نظريّة تحبّذ استهلاك الأفراد للمنتجات والبضائع بشكل مستمر ومتزايد وفعّال، مما يضمن مؤشرًا لاقتصاد قويّ. بدأ استخدام اللفظ في القرن العشرين، ووصفته الاقتصاديات الليبراليّة كأحد أهم الطرق المؤديّة لسعادة الفرد. فاقتناء المنتجات هو ترف فرديّ يحرص عليه كلّ منا، وهو بذلك يشبع رغبته، ويسعى من خلال ذلك للوصول للسّعادة “Pursuit of Happiness.”

الاستهلاك هو الذي يغري الصّانع بالاستمرار في الإنتاج، فإذا لم يُستهلك منتج الصّانع، فقد الحافز الرئيسيّ للإنتاج والإبداع، وأغلق مصنعه. إذن فالاستهلاكيّة هي محرّك السّوق الأول بكل تأكيد. وهذا يتجلّى في التطور العالميّ الذي شهدته فنون التّسويق وسلوك المستهلك في الربع الأخير من القرن الماضي كمعيار رئيسيّ للإنتاج.

هل مؤشر الاستهلاك يعبّر عن حال السّوق؟! بالطبع نعم. ففي الأزمة الاقتصاديّة الأخيرة، قلّت نسبة المبيعات، وبارت السّلع، وخسرت شركات مليارات الدولارات، بينما أفلست شركات أخرى؛ فقط لتدهور الاستهلاك.

مفهوم الإنتاجيّة “Productivism” يعارض مفهوم الاستهلاكيّة، ويذهب للقول بأنّ الإنتاج هو الذي يجلب سعادة الفرد. وهو مرتبط نوعًا ما بسياسات التنظيم المركزيّة التي تملي على الأفراد ما هو صالح لهم وما هو طالح. ويعارض الليبراليون هذا المنطلق، لأن من شأنه أن يعيد عصور الدولة الأبويّة “Parental State” التي تنصح المستهلكين أيّ المنتجات أصلح لهم. ولكن كما أشرنا مسبقًا، فالاستهلاكيّة هي التي تقود الإنتاجيّة؛ لأن زيادة نسبة الطّلب هي التي تحفّز الصانع على زيادة نسبة العرض، وليس العكس، وإن بدا مرتبطان، ولكن الطلب هو الذي يسبق العرض، فيما يسمّى قوّة المستهلك.

ليس من حق أي أحد أن يملي على الآخر احتياجاته. فكلّ فرد هو من يحدد استهلاكه تبعًا لرغباته. لذا، فنحن قلّما نرى مواد إعلاميّة تدعو لترشيد اللاستهلاك خارج الدول الشموليّة، التي ما زالت، وإن تغيّر اسمها، تتبع سياسات مركزيّة.

هل للاستهلاكيّة دور في تحريك المياه الآسنة في الواقع الشرقيّ والعربيّ؟! وأعني قضايا الأقليّات، وحريّة الرّأي والتعبير، وتداول السلطة السلميّ. قطعًا، الاستهلاكيّة لها علاقة مباشرة بالحريّة.

أتذكر أن السوق المصريّة بدأت تنفتح للشركات متعددة الجنسيّات العملاقة منذ خمسة عشر عامًا فقط، بعد دراسة حزمة إصلاحات اقتصاديّة أوصى بها المراقبون لتحسين الأداء الاقتصاديّ المصريّ، حيث بدأت بإصلاح الجمارك والميزانية ومشتريات الدولة، انتهاءًا بتحرير سعر صرف الجنيه المصريّ (التّعويم) والاصلاحات الضريبيّة في أوائل عام 2003. مما شجّع الاستثمارات، وجعل مصر تبلغ ما بلغته اليوم من انفتاح السّوق، بل وزيادة نسبة الحريّة في الإعلام وعلى الإنترنت بشكل لم يكن معهودًا بشهادة كل أصحاب الرّأي. في الحين الذي تتنافس فيه الشركات متعددة الجنسيّات لدخول السّوق المصريّة؛ لأنها تعدّ سوقًا واعدةً ما زالت تحبو في استهلاك بعض المنتجات والخدمات مقارنة بأسواق الدول المتقدّمة المتشبّعة، بالإضافة لحريّة السّوق في مصر نوعيًا مقارنة بدول كثيرة في العالم، من حيث التدخّل الحكوميّ في الاقتصاد.

الاستهلاك يقرّب الشعوب ووجهات النظر بل ويجلب السّلام على المدى الطويل. هل سمعت قبل ذاك مقولة أنّ الصّين أقرب لمستهلكي العالم من حبل الوريد؟! لم تسمعها بالتأكيد، ولكن هذا هو الواقع الجاري. فالوعي الشديد الذي يجعل الأميين وأنصاف المتعلّمين والمتعلّمين على السّواء يقارنون بين المنتجات، من حيث السعر، والجودة، والمذاق أو الفاعليّة، والحجم أو الكميّة، وتاريخ الصلاحيّة، وأشياء أخرى كثيرة قد لا تنتهي بالعروض التي تشجّع الاستهلاك مثل عروض الهدايا، والسحب على جوائز عينيّة، والتنزيلات. هذا الوعي الذي امتد من أرفف الأسواق للدراسة للمصنع، بل للدراية بأحداث العالم الجارية خوفًا على عملاتهم من التأرجح، أو حاجياتهم من الغلاء أو الزوال، هو ما يعرف بالوعي الاستهلاكيّ. إن الوعي الاستهلاكيّ لم يرتفع في مصر بشكل ملحوظ إلا بعد انتشار ثقافة الهايبر ماركت بين الفئات المختلفة للشعب المصريّ. فالتسوّق الذي كان بالأمس مقتصرًا على الأثرياء أصبح الآن في متناول الجميع.

قد تكون الدول النفطيّة قد سبقت مصر في ثقافة الاستهلاك الكبير (Hyper-consumerism)، أو ثقافة ارتياد الهايبر ماركت، وآثار ذلك لم تتوقّف عند حد تقبّل الآخر، ولكن بلغت إلى الحد الذي جعل دبي واحدة من مصاف مدن العالم المتقدمة. وإن كان يرجع السّبب للنفط في ذلك، فإن الاستهلاكيّة على نطاق واسع هي التي حملت مشعل التقدم ساحبةً من ورائها كل مفاهيم السّوق الحرّة في حلقة متّصلة، هي المنوال التي تتبعه إمارة دبي، مما جعلها أحد عمالقة التسوّق في الشرق الأوسط، إن لم تكن أضخمهم على الإطلاق.

إن ثقافة الاستهلاك الكبير، أو الهايبر ماركت، تشجع الاستهلاكية بشكل آخر؛ فحالما ينوي المستهلك الذهاب للتبضّع في أقرب مول، متجر ضخم يغطي معظم المنتجات المتوفرة بدايةً من المنتجات الأساسية للكماليات والسلع المعمّرة والأجهزة التقنيّة وخلافة، تجذبه طريقة العرض والعروض وتغريه بالاستهلاك الأكثر من الحد الذي جاء في الأساس من أجله. فيخرج المستهلك، الذي ذهب في الأساس لشراء حاجيات العشاء، بأكياس ضخمة مليئة بحاجياته لمدة شهر قادم. وبذلك تعزز ثقافة الهايبريزم، Hyperism، الاستهلاك بشكل ملحوظ.

منذ انتشار ثقافة الاستهلاك الكبير في مصر، وفي أثناء الثورة التكنولوجية المصاحبة، من الصعب أن تجد شابًا لا يقتني أحدث الأفلام الأمريكيّة بتقنية الدي.في.دي، أو حتى لا يتابع أحدث إصدارات صناعة الترفيه، أو آخر موسم من مسلسله المفضّل، أو أخر مباراة في الدوري الإنجليزيّ. ومن الصعب أن تجد رجلًا لا يعرف بلد صنع سيّارته موديل بي.إم.دبليو، ومتى ستُنتج السيّارة الهنديّة الجديدة. ومن الصعب أيضًا أن تجد سيدة لم تزر مانغو منذ الشهر الماضي، أو على الأقل لا تقتني فستانًا من تومي هيلفيجر، أو ملابس داخليّة من سي.كي.

الاستهلاكيّة تبعث ثقافات دول بعيدة، يفصلها عنا محيطات وبلاد، عبر لفافة أنيقة، وترسل أفكارًا في أسطوانة رقيقة، وتناقش أفكارًا كتبها مؤلف بريطانيّ في كتاب فاخر. إن الاستهلاكيّة لا تدعم قيم الحوار وتقبّل الآخر فحسب، بل تنقل خبرات العالم المتقدم للعالم النامي فيما يسمّى حوار الحضارات، وتحضّ هذه الشعوب على انتزاع حريّتها، واحترام أقليّاتها، بل وتستفزّ وقود أبناء الحضارات الأخرى في إنتاج هذا المخزون الهائل من الإبداع، الناتج عن احتكاك الحضارات، الذي لا يحتاج سوى عود كبريت صغير يأتي في علبة حمراء من تايوان، ليشعل طاقات إلهام لا حصر لها. إشكاليّة الاستهلاكيّة تبدو أكثر منطقيّة من إشكاليّة الهويّة على سبيل المثال؛ لأن العولمة هي دمج الثقافات، وليست طمس للهويّات.

أتذكّر رد المرشّحة الإسرائيليّة لحزب الليكود عن دائرة محليّة من دوائر مدينة القدس، على سؤال المحاور حول وجهة نظر حزبها عن سبل حلول الصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، حيث قالت بالحرف الواحد، “التّسوية تكمن في الاقتصاد، فنحن نؤمن أن إقامة سوق حرّة تسمح بالتبادل الحرّ بين شعوب المنطقة هي أولى وأهم طرق الوصول لتسوية عاجلة لهذا الصراع المتأجج.”

زر هذا الرّابط لتلاحظ بنفسك الفارق الشّاسع بين البلاد ذات الاقتصاد الحرّ الذي يساعد ويشجّع الاستهلاكيّة، وهي البلاد المتقدّمة، وبين البلاد التي لا زالت مفاتيح اللعبة الاقتصاديّة في يد الحكومة، وهي غالبًا البلاد المتخلّفة.

آمل، أن يشاركني أبناء المنطقة من الجنسيّات الأخرى الحوار حول تجاربهم الخاصة وتجارب بلادهم مع الاستهلاكيّة كمفهوم اقتصاديّ مسؤل عن دوران عجلة الاقتصاد ككل، والعلاقة بينها وبين الواقع السياسيّ في هذه البلد أو تلك.