وفقا لإجابة ( نجيب محفوظ ) على سؤال عن نصيحته للأدباء الشباب ( لا تسمعوا نصائح أحد ) والتي اختارها ( محمود عزت ) كمفتتح لديوانه ( عن الكائنات النظيفة ) الصادر مؤخرا عن دار ( ميريت ) وفقا لهذه الإجابة أتصور أن ثمة سؤالا سيكون عليه أن يصاحب القاريء أثناء قراءته للديوان : ما هي النصائح التي لم يسمعها ( محمود عزت ) ؟ .. قد تكون الفرصة متاحة بالفعل للحصول على إجابات عديدة لكن بالنسبة لي تظل الإجابة الأبرز هي أن الشاعر لم يسمع للنصائح الشهيرة عن قصيدة النثر والتي تحولت بمرور الوقت إلى قوانين ومعايير جودة وشروط ينبغي الالتزام بها كي يحقق النص انتماءه ـ الشكلي على الأقل ـ للنموذج المثبت منذ سنوات طويلة باعتباره الحقيقة المثالية لقصيدة النثر .. لم يتعامل ( محمود عزت ) مع قصيدة النثر بوصفها طريقة لتمرير البوح فحسب بل تجاوز هذا الحد أيضا وتعامل معها كفضاء شاسع يستوعب الفضفضة الغير محكومة والغير مقيدة بأدوات وإجراءت خاضعة لأي منطق سابق .. الشعر يكشف هنا إذن عن محاولته لقبول الاسترسال والاستطراد المتواصل ولإعطاء الجمل الطويلة حريتها كضرورة ممكنة يفرضها هذا البوح أو هذه الفضفضة .. بناء على هذا قد يتوفر لدينا الإلهام اللازم لتأمل كيف يمكن لقصيدة النثر أن تنفتح على جميع الاستخدامات والتوظيفات الجمالية وما هي الكيفية التي تقدر بواسطتها أن تراهن على صلاحيتها كخبرة شعرية تسمح باختبار التعايش بين الحكايات والقصص والأغنيات أيضا .. ( عن الكائنات النظيفة ) بالنسبة لي بمثابة نتيجة يقف وراءها قرار ينتصر للكتابة في حد ذاتها .. الكتابة كفعل خالص غير ممنهج يسعى لتفادي التورط في قالب معين ويتخذ من ( شعر الفصحى ) مبررا لكسب ثقة المتلقي وخلق تواصل ما بينه وبين الكتابة التي تتجاوز يقينيات هذا الشعر وتعيد خلقها من جديد في نفس الوقت .. هذا التجاوز لا يعد ممارسة محسوبة ومتعمدة كليا بقدر ما هو استجابة لموقف من العالم .. إنحياز لرؤية ولتفكير وانشغال بالحياة والموت اقتضى الانصياع لهذا التدفق للأفكار والمشاعر الذي ميز نصوص الكتاب والذي لم يكن يهمه تشكيل نفسه في خطاب مجازي مكثف ومنمق لغويا بقدر ما كان يهمه أن يتدافع دون قواعد إرشادية تعطل توتراته الحميمية عن المضي داخل المسارات الممهدة التي يتخذها وفقا لمشيئته الخاصة .

( خرجت من المترو الشاغر تماما ..

نزلت في المحطة الخاوية تماما ..

وصعدت السلالم التي ترمقني وحدي ، أضغط على جبهاتها إلى أعلى ..

وهناك .. كان كل شيء متفحما ..

فكرت قليلا ..

أوك ..

لا بأس .. سحبت المدينة _ المتفحمة كشجرة إفريقية _ من قدمها إلى النهر ..

غمرتها من كعبها في الماء ..

ثم تركتها لتجف ..

تجولت ألمّ الجثث وأقوّم الجذوع المحنية ، وأعلّق على الفروع أحجارا صغيرة ستنضج وتحمرّ ، وتنتظر الأسراب القادمة في الموسم ..

غرست البنايات من جديد ..

وثقبت بإصبعي في وجوهها المطموسة نوافذ جديدة ..

تناولت القمر ومسحت عنه التراب بمرفقي ، ثم علقته مكانه ..

وجلست على الرصيف أنتظر أنا الآخر .. )

هذا السرد الذي تبدأ به قصيدة ( أين كنت يا محمود ؟ ) يصف مشهدا كابوسيا عن مدينة احترقت بكاملها وخّلفت جثثا وجذوعا محنية وبنايات متهاوية ذات وجوه مطموسة وقمر ملقى يكسوه التراب .. السارد يخبرنا بطبيعة وجوده داخل المشهد باعتباره فاعلا داخل الكابوس عليه أن يعيد الحياة إلى المدينة بكافة تفاصيلها وأشيائها المحترقة بدءا من نزوله من المترو الشاغر تماما في المحطة الخاوية تماما .. هو ليس وحيدا على مستوى الزمان والمكان بقدر ما هو متفحص للخراب عبر فهم يخصه وحده وبالتالي يختبره بالطريقة التي لا يشاركه فيها أحد .. المترو الشاغر إذن هو القدر الذي ينتقل بالسارد من نقطة لأخرى داخل رحلة مقررة سلفا والوحدة داخل المترو دليل خصوصية المكان والحركة حيث أنك وحدك من تخوض مغامرتك الشخصية مع العالم وأنت التي تقع عليك توابع وتأثيرات هذه المغامرة وليس أي أحد آخر .. الأمر يتجاوز الاستقلال أو الانفصال لأن تجربتك الوجودية في عدم تشابهها مع تجارب الآخرين تكرّس لقطيعة تجبرك على مواجهة منعزلة مع الدنيا لا شأن لغيرك بها لأنه ببساطة لا يحمل تاريخك بل لديه تاريخه الذي يجعله في مواجهة منعزلة مع الدنيا هو الآخر .. الخروج من المترو هو إنفلات من القدر وتحرر من الخضوع للرحلة الحتمية من أجل إنقاذ مدينة احترقت قد تكون هي الكون نفسه .. لا يخبرك السارد هنا أي حياة أراد أن يعيدها إلى الكائنات والأشياء .. أراد أن يعيد الحياة فحسب وكأنه لا يتحيز لحياة بعينها ويتركك تفكر أنت الآخر في ماهية هذه الحياة لو كنت مكانه .

( نبت عابر

ثم آخر

ثم نهضت المدينة

تسعل وتنفض عن ثيابها الغبار

أزّت بوابات المترو

اندفع الناس في الممرات

تومض وتطفيء إعلانات الكولا والبارات

قمت أستند على ركبتيّ و ..

ـ مرحبا هيروشيما

= مرحبا محمود …

أين كنت كل هذه الفترة ؟ )

وأنت تراقب عودة الحياة تشعر وكأنك إزاء فيلم كارتون يتسق فيه الواقع مع الخيال في انسجام قد تقرر معه أن هذا المشهد منذ بدايته يحدث داخل روح السارد نفسه بالتزامن مع روحك أيضا .. كل مدينة هي ( هيروشيما ) بشكل أو بآخر .. الأرض كلها ( هيروشيما ) كبيرة .. وبالطبع كل قلب هو بالضرورة ( هيروشيما ) أيضا وعلى كل واحد منا أن يفكر في أن الدنيا ربما تعني أن تظل متخيلا نزولك من المترو كي تعيد الحياة إلى كل المدن وكل القلوب التي دمرتها قنبلة ذرية ما بما فيهم قلبك بالتأكيد .. لو لاحظنا في الفقرة الأولى حين رأى السارد المدينة متفحمة :

( فكرت قليلا ..

أوك ..

لا بأس .. سحبت المدينة _ المتفحمة كشجرة إفريقية _ من قدمها إلى النهر .. )

يمكننا أن نستنتج أن هناك اعتياد من السارد على هذا الفعل وأنه جربه قبل ذلك أكثر من مرة للدرجة التي جعلته يقول ( أوك .. لا بأس ) ثم تصرف بتلقائية تدل على كونه يقوم برد فعل بديهي ليس غريبا عليه .. يوجد ماضي متخم بهذه الكوارث ـ الباطنية في المقام الأول كما أتصورها ـ وهذا الماضي شكّل هذه الخبرة التي تؤهل من تكونت في وعيه للتعامل مع الوحشة التي تعقب كل كارثة بما يليق بها .. هكذا يبدو أن الأمر يتكرر حقا وأن بعد كل إعادة للحياة تسقط قنبلة ذرية جديدة في مكان ما حتى أن الخيال هنا ـ وتماشيا مع اعتباره منفذا لفيلم كارتون بالفعل ـ يبدو وكأنه خيال منهك ومحنك في نفس الوقت .. منهك بسبب كونه في حالة عمل دائم نتيجة لاستمرار سقوط القنابل التي تحرق كل شيء ومحنك لكونه يعرف ما يجب عليه أن يفعل وهو يعيد إنتاج نفس الوهم بطريقة جديدة كل مرة .

( أريد أن أذهب إلى البحر ..

هذا فقط ما أطلبه من الجميع

لن يصاب أحد بسرطان الرئة

لن تصابوا بالجذام لست طبيبا ..

فقط دعوني أذهب إلى البحر )

هذا المقطع من قصيدة ( أريد أن أذهب إلى البحر ) يوثق به الشاعر كيف يمكن للآخرين أن يكونوا أدوات للقهر حين يقفوا بينه وبين تحقيق أمنيته البسيطة التي لا تعدو أكثر من الذهاب إلى البحر .. الآخرون الذين يعتبرونه وفقا لأسبابهم الخاصة مبررا للإحساس بالأمان وبالطمأنينة وعلى هذا كان عليهم منعه من التحرر الذي إن تم لن يسفر عن أذى أو أن الأذى في حقيقته حدث متواصل في جميع الأحوال لن يفرق معه بالتالي أن يتخذ البعض من أحد ما طوق نجاة مثلا أو درعا يحميهم من الألم أو لا .

( أسعد مخلوقات الله الأرضية

الجنود ..

حاملوا المؤن والذخيرة

مصفحو الرأس

منقذو البشرية من النسبية والعاطلين )

هكذا تبدأ قصيدة ( الجنود ) حيث يصفهم الشاعر بأنهم أسعد مخلوقات الله الأرضية .. لماذا ؟ .. لأنهم يمتلكون الحسم والعقيدة الثابتة التي لا يمكن لشك أو جدل أن يخدشها ولا يسمحون للذين لا لزوم لهم الغير مفيدين في تنفيذ المهام التي تتطلبها الحقيقة الوحيدة في العالم والتي يدركها الجنود حصريا دون غيرهم لا يسمحون لهم بإفساد البشرية .

( الجنود

يموتون غدا أو بعد غد

ويذهبون إلى الجنة

ما أسعد الجنود .. )

رغم كونهم مهددين إلى هذه الدرجة من موت حاضر ووشيك إلا أن الحقيقة الحاسمة التي ينفذون قرراتها في الحياة هي نفسها التي ستقودهم إلى الجنة بعد الموت .. ما هو الثمن الذي يدفعه الجنود وأراد الشاعر أن نكتشفه من بين هذه السطور والمقاطع ؟ .. الشعر هنا يريد من الحياد الظاهري المشبع بسخرية عميقة في الرصد أن ينحت في وعيك الأسئلة الضرورية عن حكمة أن يكون الجنود هكذا .. يمتلكون يقينا محددا تجاه كل شيء : الأشرار .. التصويب .. الأوامر الواضحة .. الله .. الأخيار .. القائد .. الإيمان بالبنادق .. الموت . ما الذي يأتي بهم ويشكلهم بهذه الطريقة ويحقنهم بهذا الزيف فيصبحوا سعداء هكذا ؟ .. سعداء كسائر الكائنات النظيفة التي تفهم كل شيء وتستطيع أن تفرق جيدا بين ما هو صحيح وما هو خاطيء ويقتلون الآخرين بينما يقتلون أنفسهم ويحولون كل مدينة إلى ( هيروشيما ) ببراعة فائقة تدربوا كثيرا حتى يصلوا إليها .

* * *

ممدوح رزق

http://www.mamdouhrizk.blogspot.com /

أخبار الأدب

18 / 4 / 2010