مقدمة

الإنسان العادي البعيد كل البعد عن امتلاك أي قرار سيادي داخل ما يسمى
بالمجتمع العربي والإسلامي والذي نتج وجوده الراهن عن جرائم الديكتاتوريات المتوارثة وتعاقب الأنظمة القمعية والتراكم المتزايد لكافة أشكال الاستبداد والفساد السياسي والاجتماعي والثقافي .. الإنسان الذي يعيش الآن بين أنقاض هائلة من الأفكار والأحلام والمقولات الكبرى عن النهضة والتنوير والرخاء .. هذا الإنسان العادي يمكنه أن يصف ويتحدث بأي طريقة تناسبه عن رؤيته ومشاعره تجاه الفوضى الشرسة المتزايدة التي تحاصره من أشلاء وحطام المشاريع الوطنية والقومية التي تم انتاجها عبر تاريخ طويل لم يكن في حقيقته أكثر من مؤامرة كبرى متعددة المراحل والأدوات .. لكن .. ما هي قوة الاحتمالات الواردة في أن يصف ويتحدث هذا الإنسان عن دور السلطة الدينية في هذه الجرائم التي ترتكب ضده ؟ .. هل هناك فرص ممكنة حقا لأن يدرك طبيعة المشاركة الوهابية في قتله ؟ .. كيف يمكن للإنسان العادي أن يستوعب كيفية تحويله بواسطة شيوخ الوهابية إلى جندي خادم لهم ولمؤسساتهم وأمرائهم وملوكهم بينما يكون مؤمنا بمنتهى اليقين أن هؤلاء الشيوخ قد منحوه ما يعوضه عن عدم امتلاكه لأي قرار سيادي داخل الزنزانة التي يموت فيها تدريجيا ؟ .

* * *

مفهوم الإنسان عند شيوخ الوهابية

يتعامل شيوخ الوهابية مع الإنسان ـ الإنسان الذي نتناوله هو الإنسان العادي الذي لا يمتلك سلطة حاكمة أو قرار سيادي والذي تحدثنا عنه في مقدمة البحث ـ يتعامل شيوخ الوهابية مع الإنسان على أنه مجرد ( حزمة ذنوب ) .. فالإنسان لابد أن يبقى مخطيء ومدان دائما فهو الذي يسرق ويقتل ويزني وهو الذي لا يصلي ولا يغض البصر ولا يعف اللسان ولا يرتدي الحجاب ولا يقيم الليل .. إلخ ..
( يتسللون إلى أدمغة وقلوب الناس وغرف نومهم لتتأكد من حسن إيمانهم بالوهابية، ومن أنهم يمارسون الحب والحياة على الطريقة الهمجية الوهابية الفاجرة. فالقبلة ممنوعة، والابتسامة عار، والعناق جريمة، والصداقة شذوذ، والضحكة منكر، والاختلاط انحلال، والسفور فجور، والحب والمودة بين الناس تغريب وفرنجة وتشبه بالكفار، والرقص والموسيقى والشعر والتمثيل والسينما والغناء وكل الفنون السامية والراقية هي محظورة وحرام. وهناك الكثير من نمط هذه المفاهيم والمصطلحات الهمجية التي يروجها شيوخ الوهابية الهمج، وتطبق في مهلكة آل سعود )” 1 ”
يعتمد شيوخ الوهابية على الإلحاح المتواصل والمستمر في ترسيخ هذا المفهوم داخل الإنسان عن نفسه لتصبح يقينا محسوما يعيش به وبالتالي يكون حاضرا في أفكار ومشاعره وفي علاقاته بالآخرين وفي تصوراته وفهمه واستيعابه للحياة ككل .. لابد أن يظل الإنسان متهما حتى يتعطل بداخله الوعي بحقوقه وبكرامته الشخصية وبالتالي قدرته على مواجهة ما يتعرض له من انتهاكات مستمرة .
( ومن هنا يأتي عدم اعتراف الوهابية حتى اليوم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كونه يتعارض مع قيمها وتقاليدها، حسب ما تقول تعاليمها، ويردد أمراؤها الهمج المتوحشون الأجلاف الكبار، وتضرب بعرض الحائط بكل القيم الإنسانية السامية وتدوس عليها وتعتبرها كفراً وهرطقة وبدعاً ابتدعها المشركون الكفار. ورفض التوقيع أيضاً على رزمة القوانين الأخرى المصاحبة كحقوق المرأة والأقليات والطفولة التي تنتهك يومياً وبهمجية لا مثيل لها في المملكة الوهابية التي صارت الوكر العالمي الأول لإنتاج الإرهاب وتصديره وللاتجار بالنساء والأطفال وبيع ونخاسة اللحوم البيضاء. وتمارس حتى اللحظة، ضد النساء والأطفال والأقليات أبشع الممارسات وأشدها فظاعة في التاريخ. والهمج المتوحشون هم أولئك الذين لا يقيمون وزناً، ولا اعتباراً ولا يعطون أية أهمية للحياة والكرامة البشرية الإنسانية. وحين يكون هناك أي فعل أو عمل لا يتسم بالرحمة والشفقة والإنسانية فسرعان ما ينعت بالهمجية والوحشية. ولعل خير من يمثل هذا المصطلح في يومنا الراهن هي الوهابية الهمجية العنصرية التي تتبنى قوانيناً جائرة غريبة وشاذة عن الطبيعة والمألوف وعن كل المعايير والقيم والأعراف التي عرفتها البشرية على مر الزمان ) . ” 2 ”
يزداد عمل شيوخ الوهابية على ترسيخ قاعدة أو قانون المسئولية الفردية والتعتيم على مسئولية السلطة حين يتم مثلا التعرض لأزمات اجتماعية ما كالعنف الأسري مثلا أو العداء بين الأقارب أو الصراع على الميراث … إلخ فإن كل هذه المشكلات لها حل واحد يتكون أولا من الاستشهاد من القرآن والسنة بالآيات والأحاديث التي تحث على الحب والود وصلة الرحم وثانيا كلام متكرر ومحفوظ منذ ملايين السنين عن ضرورة أن يحب الناس بعضهم بعضا وأن يكفوا عن إيذاء من حولهم وأن يبتعدوا عن المشاجرات والخصام والصراعات إلى آخر هذه العبارات والمقولات العامة الكلية المرسلة التي لا تأتي بجديد ولا تحمل أي تحديد يمكن من خلاله تجاوز ( الكلام الجميل ) الذي يسهل على أي أحد قوله حتى ولو كان كافرا نحو البحث عن الأسباب الحقيقية للعنف والعداء الكامنة فيما هو سياسي واقتصادي وبالتالي فيما هو اجتماعي وهكذا تكون الدنيا عند شيوخ الوهابية لا يوجد أسهل منها فليس عليك للاستيلاء على قلوب وعقول البشر سوى أن تقول قال الله وقال الرسول ثم تأتي بما تيسر من سير السلف الصالح التي تفيض بها كتب التراث ثم تدعو الناس للمحبة في الله وفي حال أن تحولت المشكلة المعروضة عليهم إلى أزمة معقدة غير قابلة للحل فإن دور المرحلة الأخيرة من الحل المجاني المحفوظ والمتكرر يأتي وهو أنه على صاحب المشكلة الصبر والاحتساب والاستبشار بالتعويض في الآخرة حيث يجزي الله كل الصابرين خيرا .
( أما الإنسان البسيط فكل ما يكون متأكدا منه أنه مذنب دائما ومقصّر طوال الوقت وأن عليه المزيد من التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله حتى ينال السعادة في الدنيا والآخرة وأن كل شيء موجود ويحدث في العالم ما هو إلا معجزة تتطلب أن يقال معها ( سبحان الله ) . ” 3 ”

* * *

مفهوم الذنب عند شيوخ الوهابية

الذنب عند شيوخ الوهابية هو ذلك الذنب الذي يصلح للعمل عليه مدى الحياة دون مشكلة وفي نفس الوقت يكون داعما أساسيا للسلطة كما أن الذخيرة التي يمتلكها شيوخ الوهابية عن الذنوب في صورتها التي تمكّنهم من التأثير من خلاها على أتباعهم .. هذه الذخيرة التي تمتليء بها كتب التراث الإسلامي تجعلهم قادرين على التحدث عنها حتى نهاية العالم دون أن تنفذ .
( الذنوب الغير مقصود بها مثلا الإبادة الجماعية والقتل المنهجي الذي تقوم به مثلا سلطة تجاه شعب ما عن طريق الفقر والبطالة والتعذيب ونهب الثروات وزرع الموت عمدا داخل مصادر الحياة كالماء والهواء والطعام كما أن المعاصي ليس المقصود بها اغتصاب الحكم وتزوير الانتخابات وتزييف إرادة الناس وقمع الحريات .. بالتأكيد لا يقصد شيوخ الوهابية ذلك وإلا لتحولت القنوات الدينية إلى دفاع متواصل عن حقوق الإنسان وانتصار لكرامته وإلى حرب مستمرة ضد الطغاة والقتلة واللصوص والعسكر ) ” 4 ”
وهكذا يتم استخدام الدين والله والرسول والقرآن والسنة لتحويل جرائم السلطة السياسية بتوابعها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية إلى مسئولية شخصية لدى من تم ارتكاب هذه الجرائم في حقه وهو الانسان البسيط باعتباره مقصرا في واجباته تجاه الله وهكذا يتم نفي المسئولية عن هذه السلطة
( فتأييد السلطة السياسية المستبدة هو من سمات الوهابية ومنذ أن حصل الاتفاق بين محمد بن عبدالوهاب وأمير آل سعود على أن تكون السلطة السياسية وراثية مؤبدةفي يد آل سعود بينما السلطة الدينية في سلالة آل الشيخ محمد عبد الوهاب … فالحاكميحق له أن يحكم إلى الأبد ويحول الوطن إلى مزرعة خاصة له ولأولاده وذريته وأقاربه ويحق له أن يتصرف بثروات الأمة ويؤجرها بعقود تصل إلى مئة سنة إلى المحتل والمستعمر ويحق له أن يدعم إسرائيل علنا وسرا لكي تبيد الشعب الفلسطيني ويحق له أن يصول ويجول كيفما شاء ويحق له بان ينتقي من بنات البلد ما يشاء ليتمتع بهن ويحق له بان يتملك ما شاء من الإماء والجواري والعبيد ويفعل بهن ما شاء ويلقي بهن إلى الشارع متى شاء فهو صاحب الحق الإلهي المطلق وهو ظل الله في الأرض و حامي الثغوروهو الموقع عن رب العالمين فبه تصلح الأمة والرعية وبدونه تهلك وتفشل وتبوء بالخسران والضياع فهو بوصلة الأمةتدور حيث دارولذا يحرممخالفة سياسته حتى لو ألقت بنا إلى جحيمالاحتلال ) ” 5 ”
يعتمد الشيخ الوهابي على التعميم فحينما يتحدث مثلا عن السرقة أو القتل فإنه يتناولهما بشكل كلي مطلق بأن يردد عبارات عامة مثل السارق في النار والقاتل في جهنم وسيكون عذابهما شديد .. إلخ وهكذا فهو لا يتورط في تحديد من يسرق وممن يسرق وماذا يسرق أو من قتل ومن يقتل ولأي سبب قتل فيحدث التمميع المطلوب الذي يتساوى فيه على سبيل المثال سرقة حافظة نقود بسرقة شركة قطاع عام كما يتساوى أيضا حادثة قتل في مشاجرة وبين قتل أكثر من ألف شخص غرقا في عبّارة للحصول على تعويض .
( تتأسس الوهابية على طاعة ولي الامر طاعة مطلقة بغض النظر من هو هذا الملك وماهي أفعاله وماهومستواه الفكري وكيف وصل للحكم .وحيث أن ال سعود أريد لهم أن يكونواأتباعا للامبريالية العالمية ولايتم تعيينهم إلا بأمر ولي الأمرالانكليزي سابقا والأمريكي حاليا فيكون الوهابيون أو السلفيون تلقائياعبيدا ( بكل ماتعنيه كلمة العبد من معاني ! ) هؤلاء لا يأتمرون إلابأمرهمولاينطقون إلا بإشارة منهم ( ” 6 ”
وهنا تأتي أهمية قيمة ما يسمى بـ ( الرضا ) التي لا يكف شيوخ الوهابية عن التركيز عليها في قنواتهم وتسجيلاتهم ومواقعهم الالكترونية فالإنسان يجب أن يرضى مهما حدث له ومهما تم إهدار كرامته وسلب حقوقه والاستيلاء على ثرواته لصالح فئة حاكمة باعتبار أن هذا قدر من الله ولا ينبغي الاعتراض عليه أو تحديه كما أن الجزاء والمكسب الحقيقي ليس في الدنيا باعتبارها عالم المادة والأهواء والشهوات الزائل وإنما سيكون الفوز الحقيقي في الآخرة والجنة التي بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر حيث سيتم تعويضك كإنسان من خلال النعيم والأنهار والقصور والفاكهة والغلمان والحور العين عن كل ما صبرت عليه في الدنيا وذلك إذا ما غفر الله لك ( خطاياك ) وتجاوز عن سيئاتك ولم يدخلك النار بفضله ورحمته .. وهكذا فإن سلطة شيوخ الوهابية تستمد قوتها الحقيقية من خلال دعمها للأنظمة الاستبدادية وتواطؤها مع مشاريعهم الدموية ضد الإنسان العادي الذي لا يمتلك قصرا جمهوريا أو ملكيا ولا مجلس وزراء ولا مجلس شعب ولا وزارة داخلية ولكنه يمتلك ذنوب ومعاصي ينبغي أن يسرع بالتكفير عنها قبل الموت وأن يلحق بيوم القيامة وهو تائب .
( كل الأفكار السلفية تمتاز ميزة واحدة ومشتركة فيما بينها،إنها تتأسس أو يؤسسها السلاطين الظلمة فقط لتكون الوسيلة المستخدمة من قبل هؤلاء السلاطين والمقود الحقيقي في قيادة وظلم مجتمعاتهم، وفي التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، وإلى الآن لم يحصل في تاريخ الأمم إن هنالك من السلفيين ممن ثاروا ضد ظلم سلاطينهم أبدا، وإن وجد فإن الخلاف ليس بسبب الإسلام ولكن بسبب استغناء الحكام عنهم في تسييس أمور البلد ولعل الفكر الوهابي أفضل نموذج لهذه الأفكار الهشة)”7″

* * *

أزمات الإنسان وعلاقتها بالوهابية

حينما يكون الواقع بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس سوى آلة تعذيب كبيرة متعددة الأدوات لا تترك مجالا أو فرصة أو هامشا ضئيلا من الحلول أو حتى الأمل في الحصول على خلاص ما من الهزائم التي يحاصر بها هذا الواقع الإنسان فمن البديهي أن يسعى الإنسان للخروج أو التخلص بأي طريقة من التبعية لهذا الواقع عبر تجاوز حدوده نحو ما هو غيبي / ديني رغبة في الحصول على أي نجاة ممكنة سواء في الدنيا أو في الآخرة بعد الموت تضع حدا ولو بدرجة لإخفاق الإنسان في التوصل لأي نوع من المصالحة مع واقعه اليومي .
الإنسان هنا وبهذه الطريقة بكل ما يحمله من ضعف وحيرة ويأس يكون مهيأ تماما لقبول قرارات وأحكام هذا العالم الغيبي المفترض الذي يحكمه شيوخ السلفية فيحدث الاستسلام التلقائي للسلطة الدينية مما يؤدي بالضرورة للطاعة العمياء لرجال هذه السلطة فيعتنق الإنسان حقيقة أنهم لا يتحدثون إلا بالصدق والحق ولا يمكن أن يأتيهم الباطل أبدا من بين أيديهم ولا من خلفهم طالما أن ذقونهم طويلة ويرتدون الملابس المناسبة التي تليق بعالم النور والحقيقة الذي يعيشون فيه والذي سيأخذون إليه بالضرورة كل من آمن بهم واتبعهم وسار على هديهم وطالما أيضا أنهم لا يتحدثون إلا بالقرآن والسنة وسير السلف الصالح التي لا يجب مناقشتها أو مراجعتها أو حتى التفكير فيها بشكل آخر سوى التقديس التام الذي يضمن سلامة الثوابت العقائدية التي لولاها ما كان هناك عالم غيبي تم تفصيله وتجهيزه وترسيخه على هوى السلطة الدينية وبالتالي ما كان هناك شيوخ يتمتعون برفاهية هذه السلطة .
( أحسنت الجماعات الوهابية أستغلال ظروف المجتمع من فقر و جهل و تهميش للمواطن, للتغلغل و السيطرة و بث السموم و الفكر المتطرف, و ساعدها غض طرف الحكومة عما يحدث و تركها الساحة لهم ليغيبوا الشعب و يستخدموا الدين كالأفيون لأغراق المواطنين فى تفاصيل و صراعات لا تؤدى الا الى مزيد من التخلف, و لكنها تتيح الفرصة للحكومة للتفرغ للتهليب و الفساد, لقد تم التشويش على المواطن و اغراقه فى مشكلات مفتعلة يتكسب منها الدعاه و تلهى الشعب و تسد فراغ الحياة السياسية ) ” 8 ”
استسلام الإنسان وطاعته لسلطة شيوخ الوهابية يؤديان لتثبيته للصورة التي زرعها فيه هؤلاء الشيوخ عن نفسه وهو أنه ليس أكثر من ( حزمة ذنوب ) .. تتحول هذه الصورة مع الإلحاح المتواصل ومع استمرار الواقع الحياتي في تضييق الخناق ومحاصرته للإنسان بالأزمات التي لا تعد ولا تحصى وإصابته بكل ما يمكن تصوره من التشوهات والأمراض تتحول هذه الصورة أو الفكرة إلى حقيقة مطلقة لا مجال للجدال فيها فيحدث ما يشبه البرمجة الشعورية لهذا الإنسان التي تجعله دائما يهرول ويسعى ويخضع ويستجيب لشيوخ السلفية / حكام العالم الغيبي طمعا في الحصول على المغفرة والرحمة كما يليق حقا بكونه ( حزمة ذنوب ) .
( لقد تركت الحكومة مروجى الفكر الوهابى يسيطرون على وسائل الأعلام ليس فقط خشية التصادم مع الجماعات المتطرفة, ولكن للتشويش على المواطن و اغراقه فى دوامة يروج لها على أنها تدين ليصبح الشغل الشاغل للناس تقييم كل تفصيلة و لو تافهة من منظور أسلامى, لقد و جد المتأسلمون فى الاستسلام الحكومى ضالتهم و عملوا على التركيز على مظاهر التدين كحث الناس على الحجاب و النقاب و اطلاق اللحى و التى تمكنهم من استعراض القوى و التفاخر بسهولة التأكد من تواجدهم و تاثيرهم فى الشارع المصرى , و انتشر الدعاه الجدد الذين يجيدوا أستغلال الفهلوة ليرسخوا الخرافات و الخزعبلات و يفزعوا الناس و يشككوهم فى كل تفاصيل حياتهم ,مبشرينهم بجهنم و بئس المصير, فانتشرت و تضاربت الفتاوى فى التلفزيون و الإذاعة و الصحف و حتى الانترنت فأصبحوا يتصدون للإجابة على أسئلة من عينة هل ضرب الزوجة واجب شرعا؟ النسكافية حلال و لا حرام؟ هل استخدام ماكينة الحلاقة الكهربائية حلال؟ هل وجود كلب ذكر مع سيده دون محرم حرام؟! ) ” 9 ”
الإنسان البسيط يمثل الصلصال الطيع في أيدي شيوخ الوهابية بيأسه من واقعه أولا وخوفه من المستقبل سواء مستقبله الشخصي أو مستقبل أولاده ثانيا وكذلك لأنه لا يمتلك ببساطة العقلية النقدية التي لا تأخذ المقولات والأفكار كما هي دون تفكير ومراجعة ومحاكمة .. كيف يمكن أن نتحدث عن عقلية نقدية في ظل انتشار الأمية وخضوع المتعلمين لأنظمة تعليمية فاشلة متعاقبة وانحطاط ثقافي متزايد منذ عشرات السنوات وكوارث سياسية واقتصادية واجتماعية متعاقبة أدت لتفاقم بشع لأزمات الفقر والبطالة والصحة والسكن بالتوازي مع مناخ عام ومسيطر من الفوضى والصراع والفساد فبالتالي من الطبيعي أن تنتج حياة كهذه كائنات غاية في التشوه متخمة بكافة أنواع العقد والأمراض النفسية و المجتمعية .
( وفى القنوات الفضائية السعودية يظهر يوميا عشرات المشايخ الذين يتكلمون على مدى 24 ساعة عن تعاليم الإسلام . ولا يتكلم أحد منهم أبدا عن حق المواطن فى إنتخاب من يحكمه . أو قوانين الطوارىء والتعذيب والإعتقالات. الفكر السلفى يؤسس للتدين البديل الذى يريحك من تبعات إتخاذ موقف حقيقى من أجل العدل والحرية .بل إن بعض الدعاة الجدد يفخرون ويفخر أتباعهم بأنهم قد نجحوا فى إقناع فتيات كثيرات بإرتداء الحجاب ) “10″

* * *

تحول الإنسان إلى جندي خادم للوهابية

قد يؤدي الاستغراق والانغماس في التبعية والولاء لشيوخ والوهابية أن يتحول الإنسان إلى أداة من أدواتهم ومنفذا لأوامرهم بين الناس ليس بسبب احتياج هذا الإنسان للاقتداء بالشيخ الوهابي فحسب بصفته طريقه الوحيد للخلاص من الألم وإنما أيضا للحصول على نصيب ما من رفاهية السلطة الدينية كتعويض عن هذا الألم .. فالأداة التي يتم تربيتها على يد شيوخ الوهابية تعتبر إخلاصها الكامل لهؤلاء الشيوخ سببا كافيا ومقنعا جدا لأن تستحق حمل الروح المتعالية التي يحملها الشيوخ فتمنح هذه الأداة نفسها منزلة أكبر من منزلة باقي البشر وبالتالي تقرر أن من حقها تعيين نفسها موضع الوصاية على الناس ومراقبة أفعالهم وسلوكياتهم وأفكارهم والتدخل الإجباري في شئونهم وأحوالهم بدعوى تقديم النصح والإرشاد والرغبة في توجيههم إلى طريق الخير والهداية خاصة لو كان هؤلاء الناس ينتمون لشبكة العلاقات الأسرية والعائلية حيث يسهل نسبيا ممارسة السلطة عليهم مقارنة بالآخرين الذين لا يرتبطون بهذا الإنسان / الأداة بصلة اجتماعية ما .. وحينما يحدث ولا يتقبل الناس هذا التدخل قد ينتج عن ذلك تطورا عدوانيا في عمل هذه الأداة فيتحول التدخل القسري في حياة الناس إلى اقتحامات تهديدية لا تهدأ في أدق خصوصياتهم من خلال الترهيب والوعيد والمحاسبة والرغبة في التغيير بالقوة والعنف وفقا لما ينسجم مع الثقافة الوهابية .
( فبعد أن انتشرت الثقافة الوهابية( الحجاب، الجلباب، النقاب، احتقار المرأة، الجلد والرجم وقطع الرأس، اعتزال الفنانات وتحجيبهم، فوبيا الجنس، فتاوى التكفير والقتل وجز الرقاب، فقه البعير والإرضاع…..إلخ)، انهارت البنية الأخلاقية التقليدية لهذه المجتمعات. ولا أدل على هذه الحقائق القاتلة سوى ما حصل في مصر التي يمكن أن نأخذها كنموذج عن الهزيمة المدوية للمشروع التنويري والتحديثي في المنطقة. مصر التي كانت تمثل سابقاً ثقلاً حضارياً هائلاً في المنطقة، وكانت تشع فكراً وأصالة وفناً وإبداعاً وتصدره لدول الجوار أضحت اليوم في وضع يتطلب الشفقة والرثاء. ومن يتذكر الفترة الليبرالية والتحديث التي سادت في مصر الخمسينات والستينات الزاهية ويقارنها بمصر اليوم، يدرك حجم المأساة والكارثة التي أوصل زعماء اليوم مصر إليها عبر تواطؤ مفضوح لجر مصر إلى مذبح الوهابية، ويصاب عندها بالخيبة والدهشة والإحباط. لقد تحولت مصر اليوم إلى مجرد إمارة إسلامية تدور في الفلك الوهابي ) ” 11 ”
يدافع الإنسان عن شيوخ السلفية في مواجهة منتقديهم ومعارضيهم والمختلفين معهم .. الإنسان هنا على استعداد تام لتوجيه كافة أشكال ومظاهر الأذى الممكنة ضد إنسان آخر قرر أن ينتقد شيخا وهابيا .. على استعداد لسبه وإهانته في نفسه وكرامته وأهله واتهامه بالجهل والعمالة والزندقة والفسق والكفر .. على استعداد لإهدار دمه إذا كان له رأيا يعارض مقولة لشيخ سلفي ما .. ولم لا يفعل ؟ .. هذا الإنسان ليست في يده حيلة فحياته عبارة عن أشلاء وحطام ولا يوجد أمامه سوى الغيب / الدين كي يلجأ إليه كي يساعده على اللحاق بأي مكسب محتمل في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة .. هذا الغيب لن يكرم الله به هذا الإنسان إلا عن طريق هذا الشيخ الوهابي السلفي وللأسباب التي ذكرناها سابقا المتعلقة بالملابس وآيات القرآن وأحاديث السنة وسير السلف الصالح فلماذا لا يدافع عنه إذن بل ويستميت في الدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة وبكافة السبل الممكنة بعد أن أصبح له هذا الشيخ هو طوق النجاة الوحيد والأخير لذا فإن أي انتقاد لهذا الشيخ يمثل عبثا لا يمكن قبوله أو احتماله بمقدرات هذا الإنسان ومصيره النهائي .
( كاتب ينشر مقالا في أحد المواقع على شبكة الإنترنت التي تسمح للقراء بكتابة تعليقاتهم ثم نشرها .. المقال يحمل رؤية نقدية أو متشككة أو استفهامية للدين .. التعليقات يحمل كثير منها تذكيرا عدائيا بالموت !!! .. ما معنى هذا ؟! .. ما معنى أنه حينما يحمل إنسان ما وعيا يرفض الوصاية العقيمة للثوابت والمسلمات والإجابات المتداولة والجاهزة المرتبطة بعقيدة معينة على أفكاره ومشاعره يكون الرد هو التنبيه الأقرب للتهديد بأنه ـ كاتب المقال ـ سيموت ذات يوم ؟! .. ما معنى أن يكون عدم اقتناع إنسان ما باليقينيات والأنساق والقرارات الخاضعة لنص ديني ولسلطة رجال دين يكون نتيجته هو التحذير من الموت كنوع من العقاب على اقتراف هذا الكاتب لإثم التفكير بهذا الشكل وجزاء له على ارتكابه لمعصية الأرق وذنب الانشغال بهموم محرمة ؟! .
ـ ( الموت هو ” الفوقان الأكبر ” … أدعو الله من كل قلبي أن تفيق فوقة صغرى .. قبل الفوقة الكبرى ) .
ـ ( في القبر ستكتشف أنت وأمثالك الحقيقة ) .
ـ ( بعد الموت ستعرف أنك من الخاسرين .. لكن ساعتها لن ينفع الندم ) .
ـ ( أتمنى أن تسترد صوابك قبل أن يأتيك الموت فجأة ) .
ـ ( أخشى عليك من ساعة الحقيقة ) .
كأن كل من كتب مثل هذه العبارات هو ببساطة وباختصار شخص مات ثم عاد من الموت ليصدر أحكاما تصنيفية لا مجال للتشكيك في صحتها ـ بصفته جرّب الموت ـ عن من الفائز ومن الخاسر في نهاية الأمر .. كأنه ليس إنسانا مثله مثل كاتب المقال لا يزال يعيش في الدنيا ولم يستطع هو وبالعقيدة التي يؤمن بها وبمن يشاركونه الإيمان بهذه العقيدة لم يستطع تغيير الدنيا وإنقاذ العالم والقضاء على الشر ووضع نهاية لعذاب الإنسان .. كأنه ليس عاجزا عن حماية الآخرين أوحماية نفسه من الأذى أو أن يضمن مصيره هو شخصيا حينما تأتي ( ساعة الحقيقة المفاجئة ) !!! ) ” 12 ”
وهكذا فإن الإنسان العادي حينما يتحول لجندي يخدم الثقافة الوهابية وشيوخها ويتحول إلى أداة الهدف من وجودها هو تنفيذ أوامرها والدفاع عنها ومواجهة أعدائها والانتصار على خصومها فإنه يستخدام كافة أشكال الإرهاب الممكنة في الحفاظ على سلامة وأمان هذا الفكر وهؤلاء الشيوخ وخاصة حين ينشط شيوخ الوهابية مثلا ضد كتاب أو عمل فني ما ففي هذا الوقت ينشط معهم كافة الأتباع والمريدين والمؤيدين لخوض المعركة معهم باعتبارهم أصحاب الحق ومن يخالفهم فهو بالتأكيد يتبنى الموقف الباطل .
( على الفن داخل هذه المجتمعات أن يواجه هموما إضافية ومتاعب وآلام متزايدة لا تنتهي بسبب الحروب والمعارك التي تحتم عليه خوضها دفاعا عن نفسه وعن حقه في الوجود ضد الذين لا يطيقون العيش دون أن يؤكدوا لأنفسهم وللآخرين طوال الوقت أنهم الوحيدون الذين يفهمون كل شيء .. ضد محتكري الحقيقة المتاجرين بـ ( قال الله ) و ( قال الرسول ) .. ضد المهووسين بالسيطرة على حياة الناس وموتهم وباتخاذ قرارات إدخالهم الجنة أو النار اعتمادا وثقة في الغريزة الإيمانية والموروث العقائدي لدى البشر الذي يجعلهم تلقائيا يستجيبون ويوافقون ويخضعون لكل ما له علاقة بالدين ـ مهما كان ـ باعتباره هو الخير دائما .. الذين لايتحملون أن يتم التعامل معهم بأقل من التقديس بصفتهم الكائنات الأرقى والأطهر والأنقى من المخلوقات العادية
هؤلاء لاينظرون إلى الفن والإبداع إلا كوسيلة متاحة وفرصة سهلة يجب استغلالها كما يجب لترسيخ كونهم المكلفين من الله بإنقاذ العالم من الشر فيبدأون عملهم تحت حماية العمامة واللحية والقرآن والسنة في الصراخ والتحريض والمنع والهدم والإقصاء قبل أن يأخذ كل منهم نفسا عميقا كبطل مطمئن انتهى من جهاده المقدس بنجاح استطاع أن يكسب به الدنيا والآخرة !!.
لافرق بين أن يكونوا على وعي بأنهم يعملون لمصلحتهم الشخصية أو لمصلحة سلطة أو لصالح علاقة تجمع المصلحتين معا .. لافرق بين أن يكونوا صادقين مع أنفسهم بأنهم هكذا فعلا يخدمون الله والعقيدة والإنسان أو أنهم يدركون أن ما يمارسونه هو تزييف مقصود بامتياز .. في جميع الأحوال النتيجة واحدة : مجرد حياة تُقتل باسم إله وسعت رحمته كل شيء !!! .
لكن ما الغريب في ذلك ؟! .. أليس رجال الدين بشرا عاديين يسعون للخلاص وللأمان ولو بالاعتداء على الآخرين وعلى حريتهم ورغبتهم في الخلاص والأمان ؟! .. أليس الإنسان بالنسبة لهم ليس أكثر من مجرد كتلة من الذنوب والمعاصي والآثام تسير على قدمين ؟! .. أليس لديهم الحل المجاني السهل والتقليدي ويمثل المادة الخام الأزلية التي لاتنفذ أبدا وبالتالي تضمن لهم دوام العمل والسلطة والمال والشهرة .. هذه المادة الخام ببساطة هي أن كافة هزائم وإخفاقات وشقاء الإنسان سببها الوحيد أنه لايعبد الله جيدا ؟!! .. أليست العصور والأزمنة المتعاقبة تثبت أن وجودهم حتمي طوال التاريخ الذي لابد أن تتوفر به كافة العوامل والأسباب اللازمة لإنتاج من يصدقون أنفسهم بأنهم أشباه رسل أو أشباه ملائكة وينبغي عليهم نتيجة لذلك تفريغ دماملهم كيفما شاءوا فوق عمل مسرحي أو لقطة سينمائية أو مشهد روائي أو سطور في قصيدة أو قصة قصيرة أو … أو … .. التاريخ الذي لابد أن تتوفر به كافة العوامل والأسباب اللازمة لإنتاج المستعدين دوما للاستجابة إلى أمراضهم الشخصية أو إلى التعليمات الحكومية أو قوى الخارج بالتدخل لقتل الناس في أي وقت ؟! ) ” 13 ”
بينما يجند شيوخ الوهابية الناس العادية كمذنبين مرتكبين للمعاصي ومسئولين عن أزمات الحياة ودخول النار في الآخرة ويسعون للمغفرة والرحمة ودخول الجنة عبر الطرق التي يحددها لهم هؤلاء الشيوخ فكان واجبا على هؤلاء الناس الدفاع الدائم والمستميت عنهم بصفتهم الذين يعرفون الطرق إلى النعيم في الدنيا والآخرة وأن عليهم الرضا بما قسمه الله الذي يعني في باطنه ماقسمته السلطة والصبر والاحتساب والإيمان بأن الجزاء الأعظم في الآخرة وليس في الدنيا الزائلة .. هؤلاء وهم يخضعون ويستجيبون ويحاربون إخوانهم دفاعا عن شيوخ الوهابية ليست هناك فرص كبيرة في ظل هذه البرمجة وهذا التغييب الأشبه بالتنويم المغناطيسي ليست هناك فرص كبيرة لديهم لمقارنة حياتهم الشخصية بحياة هؤلاء الشيوخ .. فبينما الفرد العادي يعاني من الفقر والبطالة ويسكن هو وزوجته وأبنائه داخل عشة صفيح من عشش العشوائيات أو بيت عبارة عن حجرة واحدة أو منزل فقير متهدم ويتعذب في وسائل المواصلات ويقف في طوابير الخبز والغاز وأحيانا يموت لأنه لا يجد ثمن الدواء إن مرض ويكون معرضا في أي وقت حتى لو كان مواطنا صالحا لبطش الشرطة داخل وخارج أقسام البوليس ويكون مهددا بالموت داخل المستشفيات الحكومية التي إما تمتنع عن قبوله بسبب تكدس المرضى الفقراء داخلها أو بالإهمال الطبي إن تمت الموافقة على دخوله .. الذي يعاني في توفير أبسط ضروريات العيش كالطعام والملبس والتعليم والدواء
أما الشيخ الوهابي فيعيش في أفخم البيوت ويرتدي أرقى الثياب ويأكل أجود الأطعمة ويركب أحسن السيارات ويراعى طبيا أفضل رعاية ويتزوج بدل المرأة أربعة وينجب من الأبناء ما يتجاوز أحيانا أصابع اليدين ولديه مشاريعه التجارية الكثيرة وأبراجه السكنية وأرصدته البنكية التي تتضخم مع كل لحظة يتحدث فيها عن ذنوب الإنسان والتوبة وتكفير من ليس على هواه .
( وتستعدي الوهابية اليوم كل أديان العالم وتكفرها في خطابها التقليدي وتدعي لوحدها العصمة والنجاة، وتستخدم كل نفوذها اليوم، وعبر عوائد البترودولار العالية، ( قفز سعر البرميل في الشهر الماضي فوق حاجز المائة دولار للمرة الأولى في التاريخ)، لتصدير أنموذجها السلطوي، تحت شتى المسميات والطرق كالبعثات الدينية(يشارك الأزهر في قسط منها)، والدعم المادي، وافتتاح الجوامع، والمراكز الثقافية الوهابية التي تنشر فكر الموت والكراهية والتفرقة بين الناس، وتساعد على انتشار الإرهاب والعمليات الإرهابية في العالم (” 14 ”

* * *

أثر الوهابية على الإنسان

تأثر الإنسان بالوهابية وشيوخها هو بمثابة قذف لهذا الإنسان في جحيم متاهة إضافية شرسة تضاف لمصائبه السابقة وهو إحساسه الدائم والمتواصل بالإدانة والتقصير تجاه الله والدين وعلى هذا الأساس يحاول بشتى الطرق عدم ارتكاب الذنوب والمعاصي لكنه في نفس الوقت كبشر عادي يرتكب ما يعتبره إثما فيزداد ويتعمق لديه اليقين بأنه مذنب حقا ومدان ومقصر مما ينتج أزمات وأمراض وعقد نفسية تتراكم وتتشابك تفرز تشوهات اجتماعية مركبة حيث إلى جانب هذا الصراع الباطني داخل الإنسان العادي من كونه يسعى للخلاص من أزماته الواقعية وبين كونه متهما طوال الوقت بفضل شيوخ الوهابية بأنه المسئول عن هذه الأزمات بسبب علاقته الغير مثالية بالله والدين وبين رغبة هذا الإنسان في إصلاح هذه العلاقة الذي سيتم القضاء معه على هذه الأزمات الواقعية وبين عدم قدرة الإنسان على الالتزام الكامل بشكل العلاقة بينه وبين الله والدين كما يحددها شيوخ الوهابية نظرا لكونها بعيدة كل البعد عن الظروف والشروط الموضوعية التي تحكم حياة الإنسان الذي مهما حاول الالتزام بهذا الشكل من العلاقة فإنه لن ينجح في جعلها أتم حالاتها مثالية وكمالا لانعدام ما هو مثالي تام أو كامل تام وحتى لو حدث فإن أزمات الواقع تزداد شراسة وقسوة وتضييقا للخناق على هذا الانسان لأن أزمات هذا الواقع لا علاقة لها بالصلة التي تربط بينه وبين الله والدين لأن الإنسان ببساطة مهما كان قريبا من الله وعابدا مطيعا ومثاليا له وملتزما بكل أوامره ومبتعدا عن كافة نواهيه وتحول حتى إلى ولي من أولياء الله الصالحين فإن كل هذا لن يجعله محميا من جرائم السلطة السياسية التي تتحكم في أبسط وأتفه مقدرات حياته ولن تجعله في مأمن من الظلم الاجتماعي والبطش الأمني … إلخ
( لو تتبعت تراث محمد بن عبد الوهاب وقاده الوهابية الأوائلمن بعده فلا تجد فيه أثرا لعماره الارض، واقامه العدل، وانصاف المظلوم، ومكافحهالفقر والجهل..
ولا تجد فيه اثرا لتحسين وجه الحياه، وتحقيق التقدم العلمى والاقتصادىوالاجتماعى..ولا اثرا للسلم والرخاء..
بل لا تجد فيه سوى تكفير المسلمين ورميهم بالشرك، وايجاب قتالهم واستباحه دمائهمواموالهم!!
ان كل الذى يشغلهم هو وجود قبر هنا، ومسجد هناك، ورجل يقول: يا نبى الرحمه اشفعلى عند اللّه!!
هذا هو شغلهم لا غير، وهذا هو همهم الوحيد الذى انطلقوا تحت غطائه يسفكون دماءالمسلمين ويستبيحون المحرمات ويثيرون الفتن واحده بعد الاخرى، ولا يهمهم بعد ذلك انتكون بلاد المسلمين غرضا للاعداء من مشركين وكفار وصليبيين وصهاينه.
هل هز مشاعر شيوخ الوهابيه وامرائهم ما جرى لبيت المقدس، ولمسلمى البوسنهوالهرسك ولبنان، كما هزهم قبر سيد الشهداء حمزه بن عبد المطلب الذى كان الصحابهيزورونه ويصلون عنده؟
ام اثارهم التسلط الامريكى على منابع النفط فى بلادنا الاسلاميه، كما اثارهم قبرريحانه الرسول الحسين بن على الذى كان الصحابه والتابعون يشدون الرحال لزيارته وحتىفى زمن الامام احمد بن حنبل كما تقدم نقله عن ابن تيميه؟
وهل سيثيرهم الحصار المفروض على الشعب الليبى المسلم بلا حجه وبلا ادنى ذريعهيمكن قبولها، كما اثارهم ما وجدوه من هدايا علقت عند قبر الرسول الاكرم؟
ليتنا نجد منهم ذلك او بعضا من ذلك..
انها لمن دواعى الأسى ان تنفق كل هذه الاوقات والجهود والاموال والطاقات الفكريهفى الخوض فى سفاسف الامور وتوافه الكلام التى لا ينشد لها الا الجهله والغوغاءوالعاطلون من الناس.
ان الذى جعل الوهابيه يجدون شغلهم الشاغل فى هذه المواضع عده امور كلها تصدقعليهم:
منها: الضحاله الفكريه وضيق الافق.. فهم لا يحسنون شيئا الا هذا النوع منالكلام، ولا تستوعب اذهانهم سوى هذا المدى من التفكير.
ومنها: العجز عن فهم الحياه وعن مواكبه العصر.. فهم عاجزون تماما عن التقدم فىالبحوث الدينيه والعلميه والاجتماعيه تقدما مقبولا فى هذا العصر الحديث، فينكبونعلى الكلام البالى والمتهرى فيبالغون فى تعظيمه وتقديسه لكى يجدوا لانفسهم منفذايطلون منه على هذا العالم المتقدم.
ومنها: ضيق صدورهم وامتلا قلوبهم بالحقد وكراهيه الخير وحب الشر لهذه الامه.. فمن تتبع لهجاتهم ونبراتهم المتشنجه والمتوتره وانشدادهم انشدادا فى غير محله وتهورهم فى الخطاب، لمس فيهم الضحاله وضيق الافق والحقد والبغض والهمجيه والتخلفبكل معانيها.
ومنها: موالاتهم الصريحه والعلنيه لاعداء الاسلام.. وهذا موضوع لا يحتاج الىبيان وليس هو بخاف على احد، فليس بين فئات المسلمين من يدين بالولاء للغرب كما يدينله الوهابيه، يخضعون له ويتقربون اليه ويدافعون عن عملائه الخونه، وما يزال هذا هودينهم الذى لا يرتضون له بدلا.
ان وجودهم فى بلاد الاسلام فتح ولا يزال يفتح الابواب امام الصهيونيه والصليبيهالمعتديه لتنفذ كيف تشاء فى الكيان الاسلامى، فتمزق وتنهب وتدمر وتحاصر وتبسطنفوذها، وهولاء يمهدون لها كل شى‏ء ويساندون اخوانهم الخونه فى كل مكان..
انهم الجرثومه الخبيثه التى مهدت للغرب سابقا ان يزرع اسرائيل اللقيطه فى قلبهذه الامه.. وهم الذين ساندوا على الدوام جميع الانظمه العميله للغرب ووقفوا معهابوجه حركات التحرر الابيه..
وهم الجرثومه الخبيثه التى تمهد اليوم لتثبيت اقدام المعسكر الغربى فى قلبالعالم الاسلامى.. ولتثبيت اسرائيل اللقيطه حتى لا يفكر احد فى ازالتها..
وهم الايادى اللعينه التى يحركها الغرب لمواجهه الصحوه الاسلاميه المتصاعدهاليوم ومسانده الانظمه العمليه والمنافقه التى تتولى قمع الصحوه الاسلاميه بالناروالحديد.هذه هى حقيقه ما انجزه الوهابيه وما ينجزونه اليوم وما يدينون بهلمستقبلهم!!
انهم يخشون الصحوه الاسلاميه كما تخشاها اسرائيل، لان مصيرهم اصبح رهينا بمصيراسرائيل) ” 15 ”
إحساس الإنسان الدائم بالإدانة والتقصير في حق الله والدين وإحساسه بعدم قدرته مهما فعل على الوصول على الشكل المثالي الكامل لهذه العلاقة يزيد من آلامه النفسية ومن إحباطاته ويأسه ومن أزماته التي تضاف لأزماته السابقة فيجعله هذا في حالة دائمة من العدوانية والتحفز والرغبة في العراك والشجار وذلك للتنفيس عن الكبت الداخلي المتراكم والمتزايد الذي يخنق روحه ويضغط عليها .. هذه الحالة العدوانية تورط الإنسان فيما قرره شيوخ الوهابية سلفا بأنها ذنوب وآثام ومعاصي فيزداد الصراع الباطني لدى الإنسان ويتعمق بين رغبته في حل مشكلاته الاجتماعية وأزماته النفسية وبين يقينه بكونه مقصرا تجاه الله والدين وبين إحساسه بالعجز والذنب والندم لكونه غير قادر على الوصول لعلاقة مثالية كاملة مع الله والدين ولكون مشكلاته الاجتماعية وأزماته النفسية تزداد وتصبح لحظة بعد لحظة أكثر شراسة وقسوة كل هذا في حالة صراع دائم داخل الإنسان .

* * *

خاتمة

ليس هناك أسهل من تتحدث عن انتهاكات أي سلطة سياسية ضدك كإنسان محكوم بشهوات هذه السلطة في كافة مظاهرها وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية .. ماذا لو كانت الانتهاكات على يد سلطة وقودها الدين ؟ .. هي ليست انتهاكات إذن بل شيء آخر يفوق بالتأكيد أقصى ما يمكن أن ترتكبه أي سلطة سياسية من جرائم .

* * *

المصادر

1 ـ همجية الوهّابية / نضال نعيسة ـ الحوار المتمدن – العدد: 2294 – 2008 / 5 / 27
2 ـ السابق
3 ـ تعذيب شاب في قسم الشرطة حتى الموت .. سبحان الله / ممدوح رزق ـ مدونات إيلاف ـ 8/6/2008
4 ـ السابق
5 ـ الرجعية الوهابية تتمترس مجددا في خندق الصهيونية / صالح أبو طويلة ـ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي ـ 2009 / 1 / 30
6 ـالوهابية والتربية / أسامة النجفي ـ الرفاعي نت ـ 11 / 4 / 2008
7 ـ هشاشة الفكر الوهابي / سامي جواد كاظم ـ شبكة النبأ المعلوماتية ـ الجمعة 12 تشرين الاول/2007
8 ـ النسكافية حلال و لا حرام؟ / لبنى حسن ـ الحوار المتمدن – العدد: 1225 – 2005 / 6 / 11
9 ـ السابق
10 ـ ظاهرة التدين البديل / د. علاء الأسوانى ـ جريدة الدستور 2008-07-23
11 ـ الحرب علي الوهابية / نضال نعيسة ـ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي ـ 2008 / 2 / 10
12 ـ العائدون من الموت / ممدوح رزق ـ صحيفة العالمية ـ 18 / 7 / 2007
13 ـ تساؤلات الكمال الإنساني في مواجهة البلطجة الدينية / ممدوح رزق ـ مصر العلمانية ـ العدد الأول ـ أغسطس 2008
14 ـ الحرب علي الوهابية / نضال نعيسة ـ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي ـ 2008 / 2 / 10
15 ـ الوهابية في صورتها الحقيقية / صائب عبد الحميد ـ موقع المكتبة الإسلامية ـ www.rafed.net/books/aqaed/alwahhabiya/index.html

* * *
ممدوح رزق
مركز حجازنا للدراسات والنشر
الدار البيضاء ـ المغرب
2009