حملة إسرائيليين من أجل فلسطين

حملة إسرائيليين من أجل فلسطين

أنا إيڤا فيريرو، إسرائيلية الجنسية، ويهودية الديانة.

بدايةً، هاجرت إلى هنا منذ أربعة عشر عامًا مضت، كامرأة بالغة وأم لطفلين. وقد كانت هجرتي كانت لأسباب صهيونية بحتة، أو وطن قومي ومستقل يجمع اليهود، وليست لاستوطان الأرض وراء الخط الأخضر. لقد أردت أن أتنفس في محيط يهودي، وتصورت ميزات كثيرة للعيش هنا.

وبالفعل عشت هنا لمدة عشرة أعوام حياة اعتيادية لامرأة إسرائيلية تساورها الشكوك حول سياسات حكومتها، ولكن بلا طعن أو أسئلة كبيرة. وكنت معتقدة، طوال هذه المدة، في صحة ما يعتقده كثير من الإسرائيليين؛ شرعية دفاعهم عن أنفسهم “فقط” ضد العدوان العربي عامةً والفلسطيني خاصةً. وأن جيشنا يبذل قصارى جهده كي يكون إنسانيًا، بالرغم من كل المآسي الشديدة المحيطة بنا، والأعمال الوحشية التي يرتكبها أعداؤنا. وأن مهمة الموساد الرئيسية هي حمايتنا، نحن الإسرائيليون، مع محاولة الحفاظ على أكبر قدر من الإنسانية أيضًا.

لقد كنت مخطئة. بل ومتهمة كذلك! ومن الذي اتهمني؟ إنه جهاز المخابرات السرية نفسه – الموساد!

لا أستطيع الخوض في ما حدث معي، ولكنه أمر غريب حقًا، وغير متوقّع على الإطلاق – وعليكم أن تثقوا في ما أقول لأني أكتب هنا بمحض إرادتي، ولم يجبرني أحد على ذلك.

في صباح يوم مشرق من حزيران 2006، استيقظت باكرًا، على غير العادة، ومن ثمّ قمت، واتجهت إلى حاسوبي. ومن ثمّ بدأت حلقات مسلسل الصدمة تتوالى عليّ دقيقة تلو أخرى، وعلى مدار ثلاثين دقيقة كاملة.

لقد كنت قبل ذلك بريئة، وساذجة، وأم إسرائيلية حسنة النية – ولكن ما عايشته في هذا الصباح غير العادي، رمى بي في بئر صراع عميقة ومعقّدة للغاية، بحيث يصعب أن يعيها الكثيرون.

لم أرتكب أي حُمق، سواء من وجهة نظري أو بحسب المقرّبين مني – ما فعلته كان أمرًا حسنًا، على حد اعتقادي، بل وكان جيدًا للطرفين المتنازعين.

ولكن ما رأيته عبر جهاز حاسوبي في هذا الصباح المضطرب جعلني أرى كم الإنسانية الهائلة التي يتمتع بها “عدوي!” بل وحوّلت هذه الواقعة حياتي للأبد! لقد تحرّيت عن الأمر كثيرًا… من؟ وكيف ومتى؟ وكنت في حيرة شديدة، لأن عواقب ما حدث كانت وخيمة بشكل كبير، ولذا دققت في كل شيء تمامًا، ولفترة طويلة. سامحوني إن كنت أتحدث عن ألغاز، لأنه يصعب عليّ شرح تفاصيل كثيرة، ولكني هنا اليوم للخوض في نتائج ما حدث بعد ذلك على المستوى الشخصي. كيف بدأت رحلة البحث عن السلام؟ كيف شرعت سفن التغيير كي أبحر عكس التيار.

بالرغم من كل ذلك، فأنا مدينة لهذه الصدمة الصباحية النائية، الموغلة في النأي الزمني والحسي معًا، كونها أتاحت لي فرصة تأمل أعمق لحظة إنسانية عايشتها في حياتي – بعيدًا عن كتب التاريخ ووقائع الرواة التي لم أعشها مطلقًا، بل ولم تؤثر عليّ تأثيرًا مباشرًا.

لم يكن هناك مفرًا من التغيير، وكان من الطبيعي كذلك أن يسألني المحيطون عن الكيفية والسبب… إلخ. كيف نزحت إلى تغيير موقفي هكذا؟

الغريب في الأمر أن هناك من شكرني على هذا الشيء البسيط الذي قمت به، والذي لن يحوّل مسار التاريخ على أي حال،. بل وأخبرني أنه كان عملًا جيدًا وشجاعًا. ولكن في المقابل كانت “رسالة الشكر” هذه تبطن انتهاكًا شنيعًا لخصوصيتي.

لقد أدركت بعد ذاك أن هناك أمرًا ليس على ما يرام. وعقدت مقارنة بسيطة، ولكنها مآساوية في الآن ذاته، ماذا لو كان هذا الانتهاك قد حدث معي، وأنا المواطنة الصهيونية الإسرائيلية حسنة النيّة، مع الاختلاف النسبي للفظة انتهاك بين ما تعرّضتُ له وما يتعرض له الفلسطينيون كل يوم، فما هو الإجراء الذي قد يُتخذ مع مشتبه به فلسطيني؟!

كانت هذه هي النقطة الفاصلة في حياتي تقريبًا، والتي بدأت عندها رحلة البحث وتحرّي الحقيقة. كان هذا اليوم هو بداية إطلالي، بنظرة مستفيضة، على “الجانب الآخر من الجدار،” كما أحب أن أطلق عليه.

كان هذا منذ قرابة أربع سنين. وكانت هذه النقطة هي بداية تعرّفي على بعض الفلسطينيين الحقيقيين عن قرب، بل وأخذت أقابل وأحاور عرب إسرائيل والفلسطينيين، كي أتفهّم وجهة نظرهم الخاصة حول ما يدور على الجانب الآخر من العالم.

واستنتجت، خلال هذه الفترة، أن الفلسطينيين ليسوا “شياطين،” كما تصوّرهم عقلية القطيع الإسرائيلي. وظننت وقتها، بسذاجة بالغة، أن مجرد إعلام أصدقائي وزملائي “باستنتاجي هذا” قد يجلب لهم أخبارًا سعيدةً.

ولكن ما حدث كان على النقيض تمامًا! فهؤلاء الذي عرفوني، وتبادلت المودة معهم، على مدار عشرة أعوام، وصموني، في ثوانٍ معدودة، بالجنون والعمالة. وقاطعني معظم أصدقائي نهائيًا. بل أن أحد مدرائي، وهو رجل مثقف وعقلاني ذو ميول يسارية مُعلنة، قال لي بالحرف الواحد ما لن أنساه طوال ما حييت؛ “ماذا جرى لكِ يا إيڤا؟! لا يجدر بالإسرائيلي العادي أن يصادق العرب!” وفي نفس اللحظة، كنت على موعد مع اكتشاف آخر، وهو أني لم أصبح ضمن عداد “المواطنين الإسرائيليين العاديين.”

لم يسبق لحوالي 95% من الإسرائيليين اليهود أن صادقوا، تعرّفوا، أو حتى تكلّموا مع فلسطيني واحد على مدار حيواتهم*. إن الفلسطينيين غير موجودين، على الإطلاق، على الخارطة اليومية لحياة “المواطن الإسرائيلي العادي.”

وهؤلاء الغرباء، بالنسبة لجمعية العاديين هذه، يتكاثرون على مقربة منّا في مناطق تُدعى غزة، وچِنين. وينقّبون، طوال الوقت، عن الطريقة المثلي للقضاء علينا جميعًا. أنا لا أبالغ في هذا، لأنه نفس ما يفكر فيه المواطن الإسرائيلي اليهودي العادي، وقد كتبت قلبذاك تقريرًا مفصّلًا عن هذا، تحت عنوان “من القدس لآوُشْڤيتز.”

ولكن كإسرائيلية تعيش في نفس الجيرة مع إسرائيليين وإسرائيليات، فأنا معرّضة لنفس الخطر المعرّضين هم إليه تمامًا. فالإرهابي لا يفرّق، على أي حال، بين “الإسرائيلي الطيب،” “والإسرائيلي الشرير،” عندما يخرجون، في جماعات، بغية القتل والتخريب.

نستقل، أنا وزوجي وأولادي، كل يوم حافلات نقل الركاب العامة في القدس، ونتبضّع من مراكز التسوّق القريبة، ونذهب لمتابعة الأفلام في دور العرض السينمائية، وأحيانًا نتنزه في الشارع مترجّلين – فنحن نعيش هنا، كل يوم.

أحيانًا يذهب بعض الناس لاستقلال الحافلات، ولكنهم يستقلّون التوابيت بدلًا منها إلى المقابر القريبة. كثير من معارفي اشترى سيارات؛ فقط لتجنّب استقلال وسائل المواصلات العامة. ولكني لن أستطيع تحمّل نفقات سيارة، بل ولن تمسح لي ظروف المعيشة أن أبتاع سيارة في المستقبل القريب نهائيًا.

تمرّ الحافلات التي نستقلّها، أنا وزوجي، بخط سير ملغوم، فنحن نعبر يوميًا من كل البقع الرئيسية “المفضّلة” للإرهابيين لشنّ هجماتهم البشعة. حتى أن هجوم الجرّافة الإرهابي** الذي وقع في مدينة القدس قبل عامين استهدف محطة وقوف الحافلة التي استخدمتها مرات عديدة. وقد صادف أكثر من مرة، حمدًا لله، أن أهرب قبل دقيقة، وفي مرة كانت نصف دقيقة، من انفجار إرهابي وشيك.

لقد غادرَت الحافلة لتوّها من تقاطع التل الفرنسيّة. وقد سمعتُ صوت المحرّك يدور، في الوقت الذي تركتُ فيه خلفي امرأة صغيرة فجرّت نفسها في الجمع المتبقّي على المحطة، والذي كان آخر مشهد لهم في حيواتهم: تقاطع التل الفرنسيّة.

إن تأخّر بسيط في ميقات ساعة يدي، أو ساعة يد سائقة الحافلة، يقدّر بثلاثين ثانية تمامًا، كان كفيلًا بزهق روحي وعدم تمكّني من كتابة حرفًا مما تقرأونه الآن – كان كفيلًا بفنائي وفناء ساعة يدي السوداء.

تقاطع التل الفرنسيّة كان هدفًا لحوالي خمسة عشر هجومًا انتحاريًا في آخر أربع عشرة سنة – وهم قوام حياتي هنا. ما يدعو للضحك والبكاء، في الوقت ذاته، أنه يجدر بي المرور من هذا التقاطع كل يوم مرتين – مرة في الصباح ومرة في الظهيرة. وغالبًا ما تتسارع دقات قلبي مرتين في اليوم على الأقل، بينما الحافلة تقبل على مشارف التل الفرنسيّة، وفي أحيان أخرى، أُشغل نفسي بأي شيء آخر حتى تفوت هذه المحطة الدموية – ولكن لا يستطيع الإنسان شغل نفسه عن حياته على ما يبدو. أعتقد أن مسلسل الكوميديا السوداء قد يكتمل يومًا ما، ويأتي الانفجار الأخير من بين زحام وثرثرات محطة أخرى.

لقد قُتل والد صديقة لي في انفجار حافلة في نفس التقاطع، تقاطع التل الفرنسيّة، في نفس خط سير حافلتي تمامًا – وهي الحافلة التي بدونها لن أبلغ المدينة نهائيًا، وأعيش في عزلة بعيدة – أمّا بها قد لا أبلغ المدينة أيضًا.

خط سير الحافلة التي أستقلّها تخترق شارع يافا من خلال بُقع قد تم تفجير أربع حافلات فيها منذ سنة 1996. تتوقّف الحافلة الآن عند سوق محنة يهودا، حيث غالبًا ما أقف للتبضّع حاجيات اليوم.

لو قمت بحصر أسماء الأصدقاء الذين قُتلوا أو جُرحوا في مثل هذه التفجيرات، أو ذويهم وأصدقائهم، قد تطول القائمة كثيرًا.

على جانب آخر، يجدر بأبنائي الإثنين، فتى وفتاة في سن المراهقة، أن يلتحقل بالخدمة العسكرية الإجبارية في خلال شهور معدودة. آه! كم أتمنى لو أُنهي هذه الحرب في أقرب وقت ممكن! في واقع الأمر، أحب أن أقول أنه بودّي لو أُنهيها أمس!

أنا أُجنّ عندما يتهمني أحد، سواء في مؤسسة منبر صنّاع السّلام*** أو غيرها، بالتحريض والدعوة للحرب، فقط لأني أعتقد في عدالة القضية الفلسطينية، وأتطلّع إلى أن يحلّ السلام، أي اللاعنف، على الفلسطينيون، كما على الإسرائيليين.

في خلال أربع سنين من البحث عمّا يجري على الجانب الآخر من الجدار، تحققت من انتهاكات كثيرة لا تصدّق تحدث في حق المدنيين، وليس المقاومين، الفلسطينيين. ورأيت مظاهر الحيف بنفسي، وعايشت عنصرية لم أتوقع وجودها بهذه الصورة من قبل.

وبينما لم أكن على نفس درجة الوعي قبل أربع سنين، أعترف أن الوضع أعقد من أي استنتاج واضح. ولكني، على الأقل، أستطيع الآن أن أرى ما يحدث بعين متفتّحة أكثر من ذي قبل.

وأيّا كان ما قد يقوله بعض المحيطين، وأنا أدرك تمامًا كم صواريخ القسّام التي تُقذف على سديروت وكل العنف الذي يُرتكب ضدنا هنا وهناك، أو حتى ما قد يقوله بعض الفلسطينيين أو العرب – فأنا بلغت موقفي الحالي بنفسي، وبدون أي تدخل إلا من خبرتي الشخصية، وأستطيع أن أقرّ الآن أن هناك تفاوت كبير في القوة بين الجانبين.

لنكن واضحين، وكما قال أحدهم في نقاش سابق، هناك جاني وضحية، وهناك مُعتدي ومُعتدى عليه. وحتى إذا اتضحت لنا كل الأسباب التي تبرر الموقف الحالي للمُعتدي – فهذا لن ينقض حقيقة كونه لا يزال معتديًا.

أنا أعتقد أن إسرائيل وحدها هي من تملك القوة، مقارنةً مع فلسطين التي ليس لديها أي قدرة لمقارعتنا. ولهذا، فإن على إسرائيل أن تتخذ الخطوة الأولى لإنهاء هذا النزاع غير المتكافئ فورًا. وأعتقد أيضًا أنه يجب أن تتوقف انتهاكات حقوق الإنسان، وأن يستعيد مدنيو فلسطين حقوقهم الأساسية والعادلة.

لم، ولن، أقل يومًا أن على إسرائيل أن تتوقف عن الدفاع عن نفسها ضد الاعتداءات الحقيقية، ولكن كل ما أقوله أنها يجب أن تتوقف أن تعتدي على المدنيين الذين لا يعتدون علينا من الأساس!

يجهل الرأي العام الإسرائيلي ما يحدث حقيقةً على الجانب الآخر من الجدار العازل، كما قلت قبلذاك. ونسبة الـ5%* من مجموع الإسرائيليين اليهود الذين اقتربوا من الفلسطينيين فعليًا، هو نسبة غير كافية على الإطلاق للتعرّف على الآخر، ومن ثم تقابله، والعيش بجانبه في سلام.

أخيرًا، وليس آخرًا، ولكل ما تقدّم ذكره، فأنا لم أتردد، ولو للحظة واحدة، عندما دعتني السيدة إسراء الشافعي، مديرة الشبكة، لإدارة حملة إسرائيليين من أجل فلسطين، وهي حملة ضمن مشاريع شبكة شباب الشرق الأوسط.

هذه رسالة لكل من يتطلّع لإقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط: اصنعوا خبزًا لا حربًا… اصنعوا حبًا لا سُمًا!

* نقلًا عن دكتور جيرشون باسكين، الكاتب الإسرائيلي اليساري ورئيس مركز الدراسات والمعلومات الإسرائيلية الفلسطينية، وكان هذا ضمن دورة تدريبية عقدها المركز، وكنت إحدى حاضريها.

** هجوم الجرّافة في مدينة القدس “Jerusalem Bulldozer Attack” هو هجوم إرهابي نفّذه مواطن إسرائيلي عربي، وهو حسام تيسير دويّات، في 2 تموز 2008، حيث استخدم جرّافة للهجوم على عدة مركبات في شارع يافا بالقدس، مخلّفًا ثلاثة قتلي، وأكثر من ثلاثين جريحًا.

*** منبر صنّاع السلام هو شبكة متخصصة في إقامة حوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لإرساء سبل السلام بين المتفهمين من الجانبين، أنشأها إيال رڤيڤ، وهو ناشط سلام إسرائيلي.