ابنتي الغالية، مساء الخير؛

متى رجعتِ من المدرسة يا عزيزتي؟!

و ماذا تلقّنتِ هنالك؟!

هل تعلّمتِ أن تتقبّلي الآخر؟!

مهما كان هذا الآخر؟!

و هل تناولتِ غذائك المفضّل؟!

و هل بدأتِ يومك بالتمرين الصباحيّ؟!

و أنهيتيه بقرائاتك النهمة؟!

و هل ارتدتِ السّينما لمشاهدة الفيلم الأخير؟!

و إلما وصلتِ في دروس البيانو الأسبوعيّة؟!

أقدّر مدى وعي عقلك في هذه السنّ المبكّرة، فهل قدّمتيه قبل كلّ بداية و عرجتي به لكلّ نهاية؟!

أتتذكّرين نصيحتي القديمة؟!

“اعملِ ما يمليه عليك عقلك!”

هل كوّنتِ فضيلتك الشخصيّة بناءًا على قناعاتك الذاتيّة النسبيّة؟!

و هل اقتنعتِ أن تصنعِ ما شئت بحرّيّة تامّة مادمت لا تعتدي على حرّيّة أيّ فرد آخر؟!

و أن تستشيرينا أنا و الماما للعلم فقط؟!

و لْتعلمِ أنّ أيّ قرار في النهاية لكِ، جميلتي، و لكِ وحدك.

عليك أن تكتسبِ خبرة إثر أخرى من خلال خطأك و من ثمّ تصحيحك!

فأنا و الماما لسنا هنا لنقيّدك من صنع أيّ شئ، بل لمساندة حقّك المشروع فيه.

و عليكِ أن تحتفظِ بترتيبك المتقدّم في الرياضة و المدرسة!

و ماذا عن سِفرة لندن في الأسبوع قبل الماضي؟!

احكي لي من فضلك!

هل حضرتِ حفلة مطربك المفضّل هنالك؟!

و هل استمتعتِ بالمتحف الوطنيّ و آوركسترا لندن السيمفونيّة و الآوبرا الملكيّة؟!

هذه من أعرق أوبرات العالم يا صغيرتي!

و هل فزتِ في كلّ مباريات التنس التي ذهبتِ لأجلها؟! أم أخذ صديقك منك كلّ الوقت؟!

كيف حاله الآن بالمناسبة؟!

و لماذا لم تخرجا منذ عطلة نهاية الأسبوع الماضي؟!

و لماذا لم يعد يأتِ إلى هنا؟!

أنت تعلمِ كم أحبّ هذا الأبله!

امرحا و انطلقا و عيشا مراهقتكما لمنتهاها!

اتركي مفتاح السّيّارة السوداء لأمّك الليلة!

و آخذي أنت البيضاء!

و لا تنسِ معطفك! فالشتاء الليلة يداهم النفوس.

أين ستسهرا الليلة؟!

هل اطّلعت على آخر صيحات الموضة؟!

و متى آخر مرّة تبضّعتِ فيها حاجيّاتك؟!

و آخر مرّة ارتدتِ فيها الكوافير لتصفيف شعرك الثمين الأنيق؟!

أنا و الماما متواعدان على العشاء الليلة في أوّل مطعم أكلنا فيه سويًّا.

أنت تعلمي أنّنا نفعل ذلك كلّ عام.

سأخبرك بسرّ عظيم، و لكن اخفضي صوتك حتّى لا تسمعنا الماما!؛ أتعرفي ماذا اشتريت لها لعيد زواجنا هذا العام؟!

لن تصدّقي!

صورتكما معًا وقت أوّل عيد ميلاد لك داخل إطار ذهبيّ خالص، مثلما لون شعريكما تمامًا… بالطبع لا تتذكّرين!

يومها نطقت للمرّة الأولى؛ “مامّا! بابّا!”

تناقشنا وقتذاك بحدّة لطيفة حول ما إذا كنت سترددين دادي و مامي، أم مامّا و بابّا.

و وصلنا لهذه التسوية: ترددين مامّا و بابّا بالفرنسيّة كما تريد الماما في مقابل التحاقك بالمدرسة البريطانيّة كما أريد أنا.

ضحكنا هذه الليلة، و علّقت الماما بأنّي انتهزت الموقف لصالحي و لصالح المملكة التي لا تغيب عنها الشمس.

إنّها ليست شمس المملكة، و لكنّها شمسك أنتِ أيّتها الحسناء المتعقّلة المجنونة الحذرة المتهوّرة!

و ها أنت الآن تجيدين ثلاث لغات و هذا يؤهلك لأيّ مهنة ترغبين في المستقبل.

و لتتذكّري أن مصنعي يتشرّف في أيّ وقت لاستقبال الأميرة الصغيرة و الوريثة الشرعيّة للحبّ و الجمال و الدفئ، و لكنّها دائمًا ما تردّد أنّها تريد استهلال عملها الخاصّ بعيدًا عنّي، و أنا أشجعها على هذا تمامًا.

فالمال يُبنى عليه كلّ شئ، و لا يُبنى هو على شئ.

لا تأتمني الحكومة أبدًا! و ابحثي عن استقلاليّة العقل و تحرّر الجسد أينما كنتِ!

حاولي و افشلي! و حاولي و افشلي! و حاولي و افشلي!

ففي النجاح فخر و في الفشل عِبرة.

عليّ أن أذهب الآن حتّى أكون على الموعد، فالماما دائمًا ما تكون على موعدها تمامًا، بل تأتي قبل موعدها بخمسة عشر دقيقة مثلما فعلت أوّل مرّة تواعدنا.

علّمتك قيمة الوقت منذ نعومة أظافرك، وحيدتي، و ها أنت ذا ملكة الآن متوّجة يصاغ لجمالها أساطيرُ و تُزنَ لعينيها قصائدُ.

كم أحبّك يا عزيزتي! و كم أحبّ الماما!

أين أنت يا نيرفانا؟!

لماذا لا تجيبيني؟!

أحمد زيدان