في ديوانه ( الغريب ) لا يوثّق ( رامي يحيى ) الحياة بتثبيت الراهن شعريا داخل اقتناصات منعزلة عن سياقات زمنية أخرى .. التوثيق قائم بالأساس على كشف الطبيعة المراوغة لهذه السياقات داخل اللحظة باستخدام الجسد .. الماضي هنا لا يمثل معطى خارجيا مؤطرا في بروازه الجمالي الخاص بقدر ما هو مشارك رئيسي في تفاصيل الاشتباك مع العالم وعلى هذا فإن سيرة الصراع مع الحياة والموت ليست مشروطة بالكامل بقرارات الواقع بل تتم أيضا وفقا لتاريخ يواصل تحقيق مشيئته عبر الزمن .. الصدام المباشر إذن مع الملموس هو بمثابة إعادة قراءة لهذا التاريخ وتشريح إنحيازاته وبالضرورة محاكمتها .. على هذا يبدو ( رامي يحيى ) مستوعبا لفكرة أن الجسد لا يمكنه أن يخوض مغامرته الكونية ويواجه تحدياته ككيان مستقل منقطع الصلة عن تدابير وجودية سابقة وإنما كحامل أمين لخبرات وتجارب إنسانية مختزنة وبالتالي لتساؤلات وهواجس موروثة مستمرة في تشكيل المسارات المتعاقبة للوعي بنتائج العيش المتراكمة في صورها الملتبسة .

الدكة اللي تحت جدي..

مش وحمة.

جدي سرقوا منه..

الطين.. النخل

المركب.. السمك

وزرعوه في الأسفلت

وسط مكعبات أسمنت

جدي ما يعرفش م العربي..

غير القرآن.

لقى نفسه فجأة في المدينة

اللي ما تعرفش م القرآن غير..

)وجعلنا بعضكم فوق بعض.. ( .

فكان طبيعي جدًّا…

إنه يترسم ورا جدي بوابة حديد

ويتسخط الفاس في إيد أبويا لمنفضة .

ليس الحديث في نص ( جدي ) عن الجد بقدر ما هو عن الشاعر الذي يتأمل نفسه من خلال هذا الجد باعتباره وسيطا لتمرير معرفة ما عن الذات .. هذا الوسيط ليس ممرا جامدا وإنما أشبه بروح لا تقتصر على نفسها ولكنها تنطوي على أرواح أخرى مشابهة يمكن التعرف على كل واحدة منها من خلال الأخرى وهذا ما فعله ( رامي يحيى ) .. يختبر هزائمه ويتفحصها من خلال هزائم الجد معتبرا نفسه نتيجة لها واستمرارا بديهيا لتاريخ تتسق مكوناته المتتابعة دون قطيعة تعطل التمازج أو التداخل بين الماضي والحاضر .. ما الغرض من هذا الاتساق وفقا لما تم رصده في النص من حياة الجد التي ساهمت في تأسيس أكثر من حياة لاحقة ؟ .. يبدو الغرض وكأنه المحافظة البديهية على المهانة كطبيعة للوجود ممتدة منذ الأزل وكسلطة خالدة تحقق نفسها بشكل آلي في كافة صور وأشكال الحياة .. الجد الذي سُرقت منه دنياه وانتُزع من عالمه كي يُثَبت في عالم آخر متبلد يفتقر إلى الرحمة والعدل .. حتى اليقين اللغوي الوحيد الذي كان يمتلكه وهو القرآن كان وسيلة لترسيخ الظلم كمصير انتهى إليه بعدما اصطدم بأن اليقين الذي يعتنقه لا يستخدم داخل هذا العالم إلا لدعم نظام اجتماعي فاسد يضع ناساً كهذا الجد في أدنى درجات الحياة .. كان على الأب أن يرث هذا القهر ـ لاحظ دلالة تحول الفأس كرمز لإنتاج الحياة إلى منفضة ـ وكان على الشاعر الذي لم يتحدث عن نفسه صراحة ـ لأنه يدرك بأن في حكيه عن الجد والأب تكمن حكايته هو ـ كان عليه أن يرث هذا الماضي الذي لا يسترجعه في هذا النص أو يستدعيه كعالم سابق منفصل وإنما يكشف عن حضوره بداخله وبداخل الحياة كحدث قد يبدو وكأنه يعيد نفسه أحيانا من جديد بشكل أو بآخر أو كأنه لا يزال يستكمل تفاصيله التي بدأها منذ بداية الدنيا عبر الكائنات والأشياء ولم تأت بعد لحظة نهايته .

عيون أصحابي تغرق وشي بالدهشة

لما يعرفوا أني من مواليد باب الشعرية

ويفضلوا يتعاملوا معايا كمغترب

ده غير سيل الأسئلة عن الجنوب وأدق تفاصيله

وعن مدى ارتباطي بالوطن الغرقان

يمطر لساني كل الأيمانات..

إن علاقتي بالنوبة تشبه علاقة أمي بوكالة ناسا

أخيرًا يبتسموا ويصدقوني .

فيفتحوا كل حنفيات اللعنة على الهجرة/الغرق

وعلى السبب الحقيقي لانفراط العقد الأسمر

ابتسامة كروكي تولدها ملامحي..

تشكرهم بدل لساني..

المشغول بإنه يسألني

هُمَّ زعلانيين على ضياع أرضي وِنَطْوَرِة ناسي

ولا على الشقة الإيجار..

وفرصة التعليم -الشبه مجاني-..

واحتمالية فرصة العمل

اللي أخدتهم أنا هنا .

يبدو الشاعر هنا غير واثق في ( تضامن ) ـ وهو عنوان النص ـ أصدقائه معه .. يريد أن يؤكد قدرته على رؤية ما قد يكمن وراء المشاعر الجميلة لدى الآخرين والتي تبدي مساندتها وتعاطفها مع قضيته : الهجرة .. الغرق .. انفراط العقد الأسمر .. يستوعب أزماتهم التي قد تجعل مواقفهم الطيبة والمعلنة تجاهه تخفي غضبهم وحزنهم على مزاحمة هذا الغريب لهم من أجل الحصول على الفتات المتناثر داخل الهامش المعيشي إن صح اعتباره هامشا ولو بشكل مجازي في مقابل الوعي بأنه مع استمرار تآكله الذي بدأ منذ سنوات طويلة أصبح خرافة .. هذا ما يجعلني أدرك أن ثمة مقارنة متخيلة وضرورية يحفزّها النص بشكل غير مباشر بين ضياع أرض النوبة وتشتت ناسها وبين الصراع على الشقة الإيجار وفرص التعليم والعمل في القاهرة المعاصرة .. من يتضامن مع من ؟ .. ماذا يعني التضامن ؟ .

ح تكتب إيه في مُذكراتك؟

سبيت الدين كام مرة

قبل ما تتاوب وتدور على سيجارة..

فـ جيوب أصحابك.

ولا عن إقامتك المُحددة جوه هدومك الدبلانة.

بتفكر تكتب..

عن رحلة البحث عن الثورة

في البارات والجُزُر القُطنية.

اسمع كلامي:

اكتب أحسن عن حفلة عيد ميلادك

اللي كل أصحابك نسيوها

وإنت..

كسلت تروحها.

الأصحاب حين ينسون حفلة عيد الميلاد ـ في شكلها الواقعي أو المجازي ـ فهم لا ينسون عيد الميلاد فحسب ولا ينسون أيضا صاحبها بل ينسون حياته نفسها .. الحياة التي سبقت هذه الحفلة كأنها لم تكتسب أهمية أو قيمة أو كأنها لم تكن موجودة أصلا .. في نص ( مذكرات ) يمكن ملامسة هذا التساؤل الضمني عن المعنى الذي يمكن أن تحمله حياة نسى الأصحاب أن يحتفلوا بذكرى أول لحظة فيها كما أن صاحبها نفسه تكاسل عن الذهاب إليها كأنها كانت تقام في بقعة خيالية وغريبة من العالم ويحضرها أشخاص خياليون ومجهولون أو كأنها كانت تقام داخل روح الشاعر نفسه .. هذه الحياة ينبغي كتابة تاريخها : سب الدين .. أخذ السجائر من الأصدقاء .. الهدوم الدبلانة .. البحث عن الثورة … هل الكتابة عن حفلة عيد الميلاد تكفي كي تنجز كتابتك عن كل هذه الأشياء وتكفي أيضا لفضح غياب الفهم المتعلق بالحياة والجدوى من الاحتفال بها ؟ .. هل علينا أن نتذكر الجد الآن وما حدث له حيث تتطابق التواريخ كلها بنحو أو بآخر وبما يتيح للمذكرات أن تكتب إنطلاقا من بديهيات ثابتة والتزاما بنفس الأنساق التي لا تتغير مهما اختلف البشر ومهما اختلفت الأزمنة ؟ .

* * *

http://www.mamdouhrizk.blogspot.com/