بئر الذات

الابار حفرت منذ بدايات تقدم الانسان وتطوره لتساعده في شرب الماء الصافي والذي يخرج من قلب الأرض ويصل ليده دون ان يتلوث بأي شيء فهو اقرب مسافة تحمل انقى انواع المياه العذبة… لكن كلما حفر الأنسان ابار اعمق بدء بحفر ابار داخل ذاته لا يعرف لها قاع ثابت…

ففي كل زمان نجد هناك اشخاص مهما اعطتهم الحياة لا يرون نعمتها وخيرها لهم بل ينظرون دوما للمسافة السوداء البعيدة التي لا يعرفون كيف نحتت داخلهم فضاعوا فيها بدل ان يحاولون ايصال مشاعل النور لها لتتحول من هموم و الم لثمر وخير فياض.. فكل زرع ان لم تزرع جذورة بعمق لن ينبت….

فلماذا يتمحور الانسان داخل بئر ذاته سؤال يطرح نفسه احياناً..؟

وتأتي اجوبة مختلفة من هنا وهناك.. فقد يكون محيطه غير متناسب مع ما يفكر فيه…! او قد يكون غير راضي عن ما يقدمه للعالم فيتقوقع بالتالي في عالمه الضيق.. او يكون لا يمتلك الواقعية الكافية لما هو عليه من اعوام او مسؤولية او نعمة… فيصبح عبثي ومزاجي غير مسؤول عن ما يدور حوله… او قد يكون خائف وهذه هي النسبة الاكثر التي يرشحها علم النفس للأشخاص الذين يبقون في ابار ذواتهم ساكنين في ظلمات لا تنتهي ولا يعرفون حدودها…

ما هو الحل لسنوات تمضي هي هدايا من رب السماوات والارض لأناس لا يعرفون تقدير النعمة… يقول احد حكماء الزمان الماضي… اعرف ذاتك…!

وكيف تكون الذات تلك التي ولدت وتربت وكبرت في حروب لا تنتهي وباتت تعيش في واقع يكبر وتزداد كل يوم أزماته التي لا تنتهي فهل من خلاص لتلك الذات التي يكبر كل يوم عمقها في عالم مجهول داخلها…؟؟

حين كنت طفلة اولى الشخصيات التي غيرت مجرى حياتي خارج نطاق العائلة هي في شخصية ” الليدي اوسكار “ فكان مسلسل كارتون رائع جدا علمني ان الانسان مهما كان واقعة صعب ومليء بالازمات والمحن يستطيع بتلك القوة التي تكمن في قلب بئر ذاته ان يحول المجهول الى معرفة والضعف قوة والتحدي والمغامرة رسالة حياة لمعرفة الذات اولاً ومعرفة العالم والناس والشعوب… فنسجت منذ ذلك الحين في ذاكرتي ان روح الابطال تصنع من بئر الذات ليغدوا الانسان من هذا النبع الداخلي نهر حياة يجري للبعيد البعيد وقد يصبح بطلاً يغير ما يستطيع تغيرة بالحق من التحديات التي تواجهه يومياً…

ابار ذواتنا هي اعمق ما فينا وهي الكنز الذي نجد فيه احلى جواهر ان عرفنا كيف نجعل تلك الاماكن تشع فيشع ذاتنا بأشراقات نعمة لا تعرف حدود… ولان الحياة هي جل ما نملك علينا ان نصونها ولا نرى فيها نقاط سوداء في ايام طويلة مزهرة بالوان شتى…

قد تقودنا الظنون الى ان نقول وماذا لي ان افعل في هكذا عالم كبير ولماذا انا…؟ ويأتينا الجواب لان كل منا هو حجر في بنيان الحياة ففي كل زمان ومكان تجد من يأتي ويذهب ولا ذكر يذكر له… وتجد من ترك لمسة او اثر او جرح او بسمة تذكر على مستوى العوائل الصغيرة في أبسط المجتمعات…

الكثير منا سمع قصص شتى عن اشخاص ماتوا لأنهم سقطوا بقصد او عن غير قصد في ابار هنا وهناك، فلماذا لا نتعلم الدرس من الذين رحلوا في ابار على الارض والذين اخذتهم بئر ذاتهم الى عمق خفي غير معلوم…!!!!

هناك كنز في ابار ذواتنا لكنه قفل برموز سرية لا يستطيع فك رموزها سوانا… فأنا مفتاح ذاتي وانا وحدي سأجد كنزي الثمين داخل ليكون نوراً وعطاء وفرح وخير كبير لكل من حولي… لن يكون بئرنا مملوء بماء خير الا ان اعلنا ثورة على ذواتنا لان العواصف وحدها تكشف الحقيقة المخفية… قد اكون بئر فارغ او اكون بئر رمى به من رمى الكثير من الاوساخ وقد اكون بئر عميق جدا فيه اعذب ماء وينتطرني اخر بأي مكان لأقدم له ما يتعطش اليه فعلي ان اقدر كنزي الثمين والذي اهدي الي من قبل التكوين…