الدكتور ساتوشي كانازاوا، أحد مؤلفَي الكتاب الذي لخصت أفكاره في هذه المقالة

الدكتور ساتوشي كانازاوا، أحد مؤلفَي الكتاب الذي لخصت أفكاره في هذه المقالة

بقلم: آلان س. ميلر وساتوشي كانازاوا.

طبيعة الإنسان هي إحدى تلك الأشياء التي يتحدث عنها الجميع ولكن لا أحد يستطيع أن يعرّفها بدقة. في كل مرة نقع في الحب، نتعارك مع أزواجنا، ننزعج من تدفق المهاجرين إلى بلادنا، أو نذهب إلى الكنيسة، فنحن ، جزئياً، نتصرف كحيوانات إنسانية من خلال مع طبيعتنا الفريدة المتطورة – الطبيعة البشرية.

وهذا يعني شيئين. أولاً، أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا يتم إنتاجها ليس فقط من خلال تجاربنا الفردية وبيئة حياتنا الخاصة، وإنما أيضا بسبب ما حدث لأجدادنا منذ ملايين السنين. ثانياً، أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا مشتركة، إلى حد كبير، بين جميع الرجال أو النساء، على الرغم من الاختلافات الثقافية التي تبدو كبيرة.

إن السلوك البشري هو نتاج لطبيعتنا البشرية الفطرية وتجربتنا وبيئتنا الفردية معاً. في هذه المقالة، سنؤكد على التأثيرات البيولوجية على السلوك البشري، لأن معظم العلماء الاجتماعيين يفسرون السلوك البشري كما لو أنه توقف عن التطور عند الرقبة، وكأنّ سلوكنا هو تقريباً نتاج كلي للبيئة والتنشئة الاجتماعية. في المقابل، يرى علماء النفس التطوري الطبيعة البشرية على أنها مجموعة من التكيفات النفسية التي غالباً ما تعمل تحت التفكير الواعية لأجل حل مشاكل البقاء والتكاثر عن طريق تهيئتنا لأن نفكر أو نشعر ببعض الطرق. تفضيلنا للحلويات والدهون هو آلية نفسية متطورة. فنحن لا نختار أن نحب الحلويات والدهون، بل هي فقط طيبة الطعم بالنسبة لنا.

إن مترتبات بعض الأفكار في هذه المقالة قد تبدو غير أخلاقية، مخالفة لمثلنا العليا، أو مهينة. نحن نقرّها لأنها صحيحة، ومؤيدة بالأدلة العلمية الموثقة. شئنا أم أبينا، فالطبيعة البشرية هي ببساطة غير صحيحة سياسياً.

هذه المقالة مهيئة من “لماذا لدى الناس الوسماء مزيد من البنات”، لآلان س. ميلر وساتوشي كانازاوا ، نشرته دار Perigee في سبتمبر 2007.

1. الرجال يحبون الشقراوات المتفجّرات (والنساء يُرِدن أن يبدون مثلهن)

لفترة طويلة قبل التلفاز – في إيطاليا القرن الـ15 – 16، وربما منذ ألفي سنة – كانت النساء يصبغن شعرهنّ بالأشقر. وأشارت دراسة حديثة إلى أنه في إيران، حيث التعرض لوسائل الإعلام والثقافة الغربية محدودة، فالنساء أكثر انشغالاً في الواقع حول صورة جسدهن، ويردن أن يفقدن وزناً أكبر، من نظيراتهن في أميركا. فمن الصعب أن نعزو تفضيلات ورغبات النساء في إيطاليا القرن الـ15 وإيران القرن الـ21 إلى التكييف الاجتماعي لوسائل الإعلام.

إن رغبة المرأة في الظهور مثل باربي شابّةً بخصر نحيل، نهدين كبيرين، شعر أشقر طويل وعيون زرقاء – هي الرد المباشر، الواقعي والمعقول على رغبة الرجل في التزاوج مع النساء اللواتي يبدون مثلها. لا يوجد منطق تطوري وراء كل هذه الميزات.

يعود تفضيل الرجال للنساء الشابات في جزء منه لأنهن أميل لأن يكُنَّ أكثر صحة من النساء الأكبر. وأحد المؤشرات الدقيقة على الصحة هو الجاذبية البدنية؛ والآخر هو الشعر. فللنساء الصحيحات شعر لامع ومشرق، في حين شعر المريضات يفقد بريقه. ولأن الشعر ينمو ببطء، فالشعر بطول الكتف يكشف عن عدة سنوات من الحالة الصحية لأي امرأة.

ولدى الرجال أيضاً تفضيل عالمي للنساء ذوات نسبة خصر-إلى- فخذ منخفضة. فهنّ أكثر صحة وخصوبة من سائر النساء؛ ويقضين وقتاً أسهل في حمل الطفل ويقمن بذلك في سن مبكرة لأن لديهنّ كميات أكبر من الهرمونات الإنجابية الأساسية. وبالتالي فالرجال يسعون بغير وعي وراء النساء الأكثر صحة وخصوبة عندما يسعون وراء ذوات الخصور الصغيرة.

حتى وقت قريب جدا، كان من الألغاز في علم النفس التطوري هو سببُ تفضيل الرجال لذوات الأثداء الكبيرة، بما أن حجم ثديي المرأة لا علاقة له بقدرتها على إفراز الحليب. لكن الأنثروبولوجي فرانك مارلو من جامعة هارفارد يدعي أن الأثداء الأكبر، ومن ثمَّ الأثقل، ترتخي بشكل أكثر وضوحاً مع التقدم في السن عن الأثداء الأصغر. وبذلك فإنها تجعل من السهل على الرجال أن يحكموا على سن المرأة (وقيمتها الإنجابية) بالنظر، مما يقترح سبب أن الرجال يجدون ذوات الأثداء الكبيرة أكثر جاذبية.

وبدلا من ذلك، ربما يفضل الرجال النساءَ ذوات الأثداء الكبيرة لنفس سبب أنهم يفضلون ذوات الخصور الصغيرة. فقد كشفت دراسة جديدة حول النساء البولنديات عن أن النساء ذوات الأثداء الكبيرة والخصور الضيقة لديهن خصوبة أكبر، ويتضح ذلك من مستوياتهن لهرمونين إنجابيين (إستراديول وبروجسترون).

يتفرد الشعر الأشقر بأنه يتغير بشكل كبير مع تقدم العمر. عادة، فإن الفتيات الصغيرات ذوات الشعر الأشقر الفاتح يصبحن نساءً بشعر بني. وبالتالي، فالرجال الذين يفضلون أن يتزاوجوا مع نساء شقراوات إنما يحاولون بغير وعي التزاوج مع النساء الأصغر سناً (وبالتالي، في المتوسط، الأكثر صحة وخصباً). ليس من قبيل المصادفة أن الشعر الأشقر تطور في اسكندنافيا وشمال أوروبا، ربما كوسيلة بديلة للنساء ليُعلِنَّ عن شبابهن، لأن أجسامهن كانت مخبأة تحت الملابس الثقيلة.

النساء ذوات العيون الزرقاء لا ينبغي أن يكنّ مختلفات عن ذوات العيون الخضراء أو البنية. ولكن تفضيل العيون الزرقاء يبدو عالمياً ولا يمكن إنكاره – في الذكور فضلاً عن الإناث. أحد التفسيرات هو أن بؤبؤ الإنسان يتوسع عندما يتعرض الفرد لشيء يحبه. على سبيل المثال، فالبؤبؤ لدى النساء والرضع (ولكن ليس الرجال) يتمدد تلقائيا عندما يرون أطفالاً. اتساع حدقة العين يعد مؤشرا صادقا للاهتمام والانجذاب. وحجم البؤبؤ يكون أسهل تحديداً في العيون الزرقاء. فأصحاب العيون الزرق يعتبرون جذابين كرفقاء محتملين لأنهم الأسهل في تحديد ما إذا كانوا مهتمين لنا أو لا.

والمفارقة هي أن أيا من أعلاه لم يعد صحيحاً لفترة أطول. فمن خلال شدّ الوجه، الشعر المستعار، شفط الدهون، جراحات تكبير الثدي، صبغ الشعر، والعدسات اللاصقة الملونة، يمكن لأي امرأة، بغض النظر عن العمر، امتلاك الكثير من السمات الرئيسية التي تحدد مثالية الجمال الأنثوي. والرجال سيعجبون بها. يمكن للرجال أن يفهموا إدراكياً أن كثيراً من النساء الشقراوات، ذوات الأثداء الكبيرة المكتنزة، لا يبلغن من العمر في الواقع 15 عاماً، لكنهم لا يزالون يجدونهن جذابات لأن آلياتهم المتطورة النفسية تنخدع بالاختراعات الحديثة التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف.

2. البشر متعددو زوجات بشكل طبيعي

تاركين تاريخ الحضارة الغربية جانبا، فالبشر متعددو زوجات بشكل طبيعي. تعدد الأزواج (زواج امرأة واحدة بعدة من الرجال) نادر جداً، ولكن تعدد الزوجات (زواج رجل واحد بعدة من النساء) يُمارس بشكل واسع في المجتمعات البشرية، رغم أن التقاليد اليهو-مسيحية تنصّ على أن عقد الزواج الأحادي هو الشكل الطبيعي الوحيد للزواج. نحن نعرف أن البشر قد كانوا متعددي الزوجات خلال معظم تاريخهم لأن الرجال أطول من النساء.

بين أنواع الرئيسيات وغير الرئيسيات، تترابط درجة تعدد الزوجات عالياً مع الدرجة التي يكون فيها ذكور نوع ما أضخم من إناثه. فكلما كان النوع أكثر تعدداً للزوجات، كان تفاوت الحجم بين الجنسين أكبر. عادة، فإن ذكور الإنسان أطول 10 بالمئة وأثقل  20 بالمئة من الإناث. هذا يشير إلى أنه، طوال التاريخ، كان الناس متعددي زوجات بشكل معتاد.

مقارنة بالزواج الأحادي، يخلق تعدد الزوجات مزيداً من التفاوت في اللياقة (الفارق بين “الفائزين” و “الخاسرين” في اللعبة التكاثرية) بين الذكور عنه بين الإناث، لأنه يسمح لعدد قليل من الذكور لاحتكار جميع الإناث في الجماعة. إن تفاوت اللياقة الأكبر بين الذكور يخلق ضغطاً أكبر للرجال لكي يتنافسوا مع بعضهم لأجل التزاوج. وحدهم الذكور الضخام والطوال يمكنهم أن يفوزوا بفرص التزاوج. بين الأنواع الرابطة-للزوجين مثل البشر، والتي يبقى فيها الذكور والإناث معا لتربية أطفالهم، تفضل الإناث أن تتزاوج مع الذكور الضخام والطوال لأن بإمكانهم أن يوفروا حماية جسدية أفضل ضد الحيوانات المفترسة والذكور الآخرين.

في المجتمعات التي يكون فيها الرجال الأغنياء أكثر ثراء من الرجال الفقراء، فالنساء (وأولادهن) يفضّلون تقاسم القلة الثرية من الرجال؛ نصف، وربع، أو حتى عشر من رجل ثري لا يزال أفضل من رجل فقير بكامله. كما صاغها جورج برنارد شو، “فإن غريزة الأمومة تقود المرأة إلى تفضيل حصة العشر في رجل درجة-أولى على الاستئثار برجل درجة-ثالثة”. رغم حقيقة أن البشر هم بطبيعة الحال متعددو زوجات، فمعظم المجتمعات الصناعية أحادية الزواج لأن الرجال يميلون لأن يكونوا أكثر أو أقل مساواةً في مواردهم بالمقارنة مع أسلافهم في العصور الوسطى. (اللامساواة تميل للازدياد مع تقدم المجتمع في التعقيد من الصيد والقطف إلى المجتمعات الزراعية المتقدمة. والتصنيع يميل إلى خفض مستوى اللامساواة).

3. معظم النساء يستفدن من تعدد الزوجات، في حين أن معظم الرجال يستفيدون من الزواج الأحادي

عندما يكون هناك لامساواة في الموارد بين الرجال – وهو الحال في كل مجتمع بشري – فإن معظم النساء يستفدن من تعدد الزوجات: يمكن للمرأة أن يقتسمن رجلاً ثرياً. في إطار الزواج الأحادي، سيجدن أنفسهن عالقات في الزواج من رجل أفقر.

والاستثناءات الوحيدة هي النساء الجذابات بشدة. ففي ظل الزواج الأحادي، يمكن لهن احتكار أكثر الرجال ثراء؛ وفي ظل تعدد الزوجات، يجب أن يتقاسمن الرجال مع النساء الأخريات الأقل جاذبية. ومع ذلك، فإن الوضع هو العكس تماماً بالنسبة للرجال. فالزواج الأحادي يضمن أن كل رجل يمكن أن يجد زوجة. صحيح، والرجال الأقل جاذبية يمكن أن يتزوجوا فقط من نساء أقل جاذبية، ولكن هذا أفضل بكثير من عدم الزواج من أي شخص على الإطلاق.

يتصور الرجال في المجتمعات أحادية الزواج أنهم سيكونون أفضل حالاً في ظل تعدد الزوجات. ما لا يدركونه هو أنه، بالنسبة لمعظم الرجال الذين ليسوا جذابين للغاية، فتعدد الزوجات يعني أن لا زوجة إطلاقاً، أو، إذا كانوا محظوظين، الزوجة أقل جاذبية بكثير من التي قد يحصلون عليها في ظل الزواج الأحادي.

4. معظم الانتحاريين مسلمون

وفقا لعالم الاجتماع دييغو غامبيتا من جامعة أكسفورد، محرر كتاب “تفهّم معنى العمليات الانتحارية، ” وهو تاريخ شامل لهذه الظاهرة المقلقة والموضعية: رغم أن العمليات الانتحارية ليست دائماً ذات دوافع دينية، فحين يشارك الدين، فهو دائماً الإسلام. لِمَ هذا؟ لماذا الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحفز أتباعه على ارتكاب عمليات انتحارية؟

الجواب المدهش من منظور نفسي تطوري هو أن التفجيرات الانتحارية الإسلامية قد لا يكون لها علاقة بالإسلام أو القرآن (باستثناء سطرين فيه ــ التوبة: 5، 29). فقد لا يكون لها علاقة بالدين، السياسة، الثقافة، العرق، الإثنية، اللغة، أو المنطقة. كما هو الحال مع كل شيء آخر من هذا المنظور، قد يكون لديها الكثير لتفعله مع الجنس، أو، في هذه الحالة، مع غياب الجنس.

ما يميز الإسلام عن الديانات الكبيرة الأخرى هو أنه يسمح بتعدد الزوجات. من خلال السماح لبعض الرجال باحتكار جميع النساء واستبعاد العديد من الرجال كلياً من الفرص الإنجابية، فتعدد الزوجات يخلق نقصاً في النساء المتاحات. إذا كان 50 في المئة من الرجال لديهم زوجتان لكل واحد، فإن الـ50 في المئة الأخرى لا يحصلون على زوجات أبداً.

فتعدد الزوجات يزيد الضغط التنافسي على الرجال، وخاصةً الشباب ذوي الوضع المتدني. فإنه بالتالي يزيد احتمال جنوح الشباب إلى الوسائل العنيفة ليتوصلوا إلى رفيقاتهم. من خلال القيام بذلك، فلديهم القليل ليخسروه والكثير ليربحوه مقارنةً مع الرجال الذين لديهم زوجات أصلاً. في كل المجتمعات، تعدد الزوجات يدفع الرجال للعنف ، ويزيد الجرائم كالقتل والاغتصاب، حتى بعد السيطرة على عوامل مختلفة مثل التنمية الاقتصادية، والتفاوت الاقتصادي، والكثافة السكانية، ومستوى الديمقراطية، والعوامل السياسية في المنطقة.

ومع ذلك، فتعدد الزوجات في حد ذاته ليس سبباً كافياً للتفجير الانتحاري. فمجتمعات جنوب الصحراء الأفريقية والبحر الكاريبي هي متعددة الزوجات بشكل أكثر بكثير من الدول المسلمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولديهم بالفعل مستويات عالية جداً من العنف. وتعاني جنوب الصحراء الأفريقية من تاريخ طويل من الحروب الأهلية المستمرة، ولكن ليس التفجيرات الانتحارية.

العنصر الرئيس الآخر هو الوعد بـ72 من الحور العذارى في الجنة في انتظار أي شهيد في الإسلام. إن احتمال الوصول الخاص إلى العذارى قد لا يكون مغرياً لكل من لديه حتى رفيقة واحدة على الأرض، والذي يضمنه الزواج الأحادي الصارم عمليا. بيد أنه احتمال جذاب جداً لمن يواجه حقيقة قاتمةً على الأرض هي كونه خاسراً بشكل كامل في سباق التكاثر.

إن مزيجاً من تعدد الزوجات، ووعدٍ بحريم كبير من العذارى في الجنة هو ما يحفز العديد من الشبان المسلمين لارتكاب تفجيرات انتحارية. بالاتفاق مع هذا التفسير، فإن جميع الدراسات حول الانتحاريين تشير إلى أنهم أصغر بكثير ليس فقط من السكان المسلمين بصفة عامة، ولكن من الأعضاء الآخرين (غير الانتحاريين) لمنظماتهم السياسية المتطرفة مثل حماس وحزب الله. وكل الانتحاريين تقريبا هم عزاب.

5. إنجاب الأبناء يقلل من احتمال الطلاق

اكتشف علماء الاجتماع والديموغرافيا أن الأزواج الذين لديهم ابن واحد على الأقل يواجهون مخاطر للطلاق أقل بكثير من الأزواج الذين لديهم بنات فقط. لِمَ هذا؟

بما أن القيمة التزاوجية للرجل تتحدد بشكل كبير من ثروته، ووضعه، وسلطته – في حين أنها للمرأة تتحدد بشكل كبير من شبابها وجاذبيتها الجسدية – على الأب أن يتأكد من أن ابنه سوف يرث ماله، ووضعه، وسلطته، بغض النظر عن مدى كثرة أو قلة هذه الموارد لديه. في المقابل، فهناك القليل نسبيا مما يمكن للأب (أو الأم) القيام به للحفاظ على ابنته شابةً أو جعلها أكثر جاذبية جسدياً.

لذا فإن الوجود المستمر (والاستثمار في) الأب هو مهم للابن، ولكنه ليس حاسماً بالنسبة للبنت. وبالتالي فإن وجود أبناء يمنع الطلاق ورحيل الوالد من الأسرة أكثر من وجود البنات، وهذا الأثر يميل لأن يتقوّى بين الأسر الثرية.

6. لدى الناس الوسماء مزيد من البنات

فمن المعتقد الشائع أن ما إذا كان إنجاب الآباء صبي أو فتاة هو أمر متروك للصدفة العشوائية. قريب، ولكن ليس تماما، فهو إلى حد كبير في مستوى الصدفة. فالنسبة العادية بين الجنسين عند الولادة هي 105 ذكور مقابل كل 100 أنثى. ولكن نسبة الجنس تختلف قليلا في ظروف مختلفة، وبالنسبة لأسر مختلفة. وهناك عوامل قد تؤثر بلطف على جنس النسل.

أحد أهم المبادئ المُحتفى بها في علم الأحياء التطوري، فرضية تريفرز-ويلارد، تنص على أن الآباء الأثرياء ذوي المكانة العالية لديهم أبناء أكثر، بينما الآباء الفقراء ذوي المكانة المتدنية لديهم بنات أكثر. وذلك لأن الأطفال عموماً يرثون الثروة والمكانة الاجتماعية لوالديهم. وعلى مر التاريخ، يمكن أن نتوقع لأبناء العائلات الثرية الذين يصبحون أنفسهم أثرياء أن يكون لهم عدد كبير من الزوجات والخليلات والمحظيات، وينتجوا عشرات أو مئات الأطفال، في حين أن أخواتهم المساويات ثراءً يستطعن الحصول على عدة أطفال فقط. فالانتخاب الطبيعي يصمم الوالدين ليحصلوا على نسبة جنس متحيزة عند الولادة تبعاً لظروفهم الاقتصادية – أولاد أكثر إذا كانوا أثرياء، بنات أكثر إذا كانوا فقراء. (إن الآلية البيولوجية التي يحدث بها هذا ليست مفهومة حتى الآن.)

لقد تم توثيق هذه الفرضية في مختلف أنحاء العالم. فالرؤساء الأميركيين، ونواب الرؤساء، ووزراء الحكومة لديهم أبناء أكثر من البنات. رعاة الموكوغودو الفقراء في شرق أفريقيا لديهم أبناء أكثر من البنات. وسجلات رعية الكنيسة من القرنين الـ17 و 18 تبين أن ملاك الأراضي الاثرياء في ليزن، ألمانيا، كان لديهم أبناء أكثر من البنات، في حين أن العمال الزراعيين والحرفيين بلا ملكية كان لديهم بنات أكثر من الأبناء. وفي استطلاع شمل مشاركين من 46 دولة، كان الأفراد الأثرياء أكثر احتمالاً للإشارة إلى تفضيل الأبناء إذا لم يكن لهم إلا طفل واحد، في حين كان الأفراد الأقل ثراء أكثر احتمالاً للإشارة إلى تفضيل البنات.

إن فرضية تريفرز-ويلارد المعممة تذهب لأبعد من ثروة العائلة ومركزها: فإذا كان الوالدان يحملان أي صفات يمكن أن ينقلاها لأطفالهما، وهي أفضل للأبناء من البنات، فسيكون لديهم المزيد من الأولاد. على العكس، إذا كان لدى الوالدين أي صفات يمكن أن ينقلاها لأطفالهما، وهي أفضل للبنات، سيكون لديهم المزيد من البنات.

إن الجاذبية الجسدية، في حين أنها صفة إيجابية على صعيد عالمي، تساهم أكثر في نجاح النساء إنجابياً منها للرجال. فيمكن للفرضية المعممة بالتالي التكهن بأن الآباء الجذابين جسدياً ينبغي أن يكون لديهم بنات أكثر من الأبناء. مرة أخرى، هذي هو الحالة. الأميركيون الذين يصنفون “جذابين جدا” لديهم فرصة 56 في المئة ليكون طفلهما الأول بنتاً، مقارنة مع 48 في المئة لسائر الناس.

7. ما هو مشترك بين بيل غيتس وبول مكارتني والمجرمين

لقرابة ربع قرن، عرف علماء الإجرام عن “منحنى العمر-الجريمة.” ففي كل مجتمع وفي جميع الأوقات التاريخية، كان الميل إلى ارتكاب الجرائم وسلوكيات المخاطرة الأخرى يتزايد بسرعة في مرحلة المراهقة المبكرة، ويتأوج في أواخر مرحلة المراهقة والبلوغ المبكر، ويتناقص بسرعة في جميع أنحاء الـ20ـات والـ30ـات، ويصبح مسطحاً في منتصف العمر.

هذا المنحنى لا يقتصر على الجريمة. فنفس الملف العمر يميز كل سلوك إنساني قابل للقياس الكمي وفي العموم (أي، ينظر إليه العديد من الأقران المحتملين) ومكلف (أي ليس في متناول جميع المنافسين الجنسيين). فالعلاقة بين العمر والإنتاجية بين موسيقيي الجاز الذكور، الرسامين الذكور، الكتاب الذكور، والعلماء الذكور – والتي يمكن أن يطلق عليها “منحنى العبقرية-العمر” – هي أساسا نفس منحنى الجريمة-العمر. فإنتاجيتهم – التعبير عن عبقريتهم – تتأوج بسرعة في بداية البلوغ، و ثم سرعان ما تتراجع بشكل متساوي طوال فترة البلوغ. إن منحنى العبقرية-العمر بين نظيراتهم الإناث هو أقل وضوحا بكثير؛ فهو لا يتأوج أو يتفاوت بشدة كدالة للعمر.

بول مكارتني لم يكتب أغنية خبطة لسنوات، وهو الآن ينفق الكثير من الوقت في الرسم. بيل غيتس هو الآن رجل أعمال محترم وفاعل خير، وليس نابغة الحاسوب اليافع. ج. د. سالينغر يعيش الآن في عزلة تامة ولم ينشر أي شيء لأكثر من ثلاثة عقود. أورسون ويلس كان بعمر 26 فقط عندما كتب، أنتج، وجّه، وتألق في “المواطن كين”.

ثمة نظرية واحدة يمكن أن تفسر إنتاجية كل من العباقرة المبدعين والمجرمين على مدى الحياة: كل من الجريمة والعبقرية هي تعبير عن رغبات الشباب التنافسية، التي وظيفتها النهائية في بيئة الأسلاف كان من شأنها أن تزيد النجاح الإنجابي.

في المنافسة الجسدية لأجل الرفقاء، قد يقوم أولئك التنافسيون بالتصرف العنيف تجاه أندادهم الذكور. أما الرجال الأقل ميلا نحو العنف والجريمة فقد يعبرون عن تنافسيتهم من خلال الأنشطة الإبداعية.

إن تكلفة المنافسة تزداد جذريا حين يحصل الرجل على أطفال، حين توضع طاقاته وموارده لاستخدام أفضل في حمايتهم واستثمارهم. فولادة الطفل الأول عادة ما تحدث بعد البلوغ بعدة سنوات، وذلك لأن الرجال بحاجة إلى بعض الوقت لتجميع ما يكفي من الموارد وتحقيق المركز الكافي لاجتذاب رفيقتهم الأولى. ولذا فإن هناك فجوة لعدة سنوات بين الزيادة السريعة في فوائد المنافسة وبالمثل الزيادة السريعة في تكاليفها. الإنتاجية تتراجع سريعاً في أواخر البلوغ لأن تكاليف المنافسة تزداد وتلغي منافعها.

هذه الحسابات قد أجريت عن طريق الانتقاء الطبيعي والجنسي، إن صح القول، والذي يزود من ثمّ أدمغة الذكور بآلية نفسية تجعلهم أميل لأن يكونوا متنافسين بنحو متزايد بعد البلوغ مباشرة، وجعلهم أقل قدرة على المنافسة مباشرة بعد ولادة طفلهم الأول. الرجال ببساطة لا يشعرون بأنهم يتصرفون بعنف ، يسرقون، أو يجرون المزيد من التجارب العلمية، أو أنهم يريدون فقط أن يستقروا بعد ولادة طفلهم، لكنهم لا يعرفون بالضبط لماذا.

إن التشابه بين بيل غيتس وبول مكارتني والمجرمين – في الواقع، بين جميع الرجال على مر التاريخ التطوري – يؤشر لمفهوم هام في البيولوجيا التطورية: اختيار الإناث.

فالنساء غالبا ما يقلن لا للرجال. وكان على الرجال أن يغزوا أراضي أجنبية، يكسبوا معارك وحروباً، وينشئوا سمفونيات، ويؤلفوا كتباً، ويكتبوا سوناتات، ويطلوا أسقف كاتدرائيات، ويصنعوا اكتشافات علمية، ويعزفوا في فرق روك، ويكتبوا برمجيات حاسوب جديدة من أجل إقناع النساء بحيث يوافقن لممارسة الجنس معهم. لقد بنى الرجال الحضارة (ودمروها) من أجل إقناع النساء، بحيث يقلن لهم: نعم.

8. أزمة منتصف العمر هي أسطورة – نوعاً ما

يعتقد كثيرون بأن الرجال يمرون بأزمة منتصف العمر حين يكونون في عمر متوسط. ليس تماماً. فالعديد من الرجال في عمر متوسط يمرون فعلاً في أزمات منتصف العمر، ولكن ليس لأنهم في منتصف العمر. بل لأن زوجاتهم. فمن المنظور النفسي التطوري، أزمة منتصف العمر للرجل تندفع بسبب الإياس (انقطاع الطمث) الوشيك لدى زوجته ونهاية سيرتها الإنجابية، وبالتالي حاجته المتجددة لجذب النساء الأيفع. تبعا لذلك، فرجل عمره 50 عاما متزوج من امرأة عمرها 25 عاما لن يمر بأزمة منتصف العمر، حين أن رجلاً عمره 25 عاما متزوج من امرأة عمرها 50 عاما سيفعل، وتماماً مثل رجل نموذجي عمره 50 عاما متزوج من امرأة عمرها 50 عاما. إنه ليس منتصف العمر تبعه ما يهم؛ إنه تبعها. فعندما يشتري سيارة رياضية حمراء لامعة، فإنه لا يحاول أن يسترد شبابه، بل يحاول اجتذاب النساء الشابات ليحللن محل زوجته الإياسية من خلال استعراض ماله وجماله.

9. من الطبيعي للسياسيين أن يخاطروا بكل شيء من أجل العلاقة (ولكن فقط إذا كانوا ذكوراً)

في صباح يوم 21 يناير 1998، حين استيقظ الأميركيون على الادعاء المذهل أن الرئيس بيل كلينتون كان على علاقة مع موظفة عمرها 24 عاما في البيت الأبيض، فكّرت المؤرخة الداروينية لورا ل. بيتزغ، “لقد قلت لكم ذلك. ” تشير بيتزغ إلى أنه في حين أن الرجال الأقوياء خلال التاريخ الغربي قد تزوجوا بشكل أحادي (زوجة واحدة قانونية فقط في كل مرة)، كان لديهم دائما رفيقات عديدات (عشيقات، محظيات وإماء). مع زوجاتهم، أنتجوا ورثة شرعيين؛ ومع الأخريات، أنتجوا نغولاً. ولكن الجينات لا تميز بين هاتين الفئتين من الأطفال.

نتيجة لذلك، حقق الرجال الأقوياء في مكانات عالية على مدى تاريخ البشرية نجاحا إنجابيا عاليا جدا، وتركوا عددا كبيرا من الذرية (الشرعية وغير ذلك)، في حين أن عددا لا يحصى من الرجال الفقراء ماتوا بلا أزواج أو أطفال. فمولاي إسماعيل السفاح، السلطان الشريفي الأخير في المغرب، يبرز من ناحية كمية، لأنه خلف أكثر ذرية – 1,042 – من أي شخص آخر على الإطلاق، لكنه لم يختلف نوعياً بأي حال عن سائر الرجال الأقوياء، مثل بيل كلينتون.

السؤال الذي طرحه كثيرون في 1998 – “لماذا على وجه الأرض يقوم أقوى رجل في العالم بمخاطرة وظيفته لأجل علاقة مع امرأة شابة؟”، هو، من وجهة النظر الداروينية، سؤال سخيف.كان جواب بيتزغ سيكون: “لِمَ لا؟” فالرجال يناضلون لنيل السلطة السياسية، بوعي أو بغير وعي، من أجل التوصل الإنجابي لعدد أكبر من النساء. إن التوصل الإنجابي إلى النساء هو الهدف، ولكن الموقع السياسي ليس سوى وسيلة. أن نسأل لماذا سيقوم رئيس الولايات المتحدة بلقاء جنسي مع امرأة شابة هو مثل أن نسأل لماذا عمل شخص ما بجد لكسب مبلغ كبير من المال ليقوم بإنفاقه من ثمّ.

ما يميز بيل كلينتون ليس أنه أقام علاقة خارج الزواج وهو في المنصب – فآخرون يفعلون، وغيرهم سيفعل؛ وسيكون لغزا داروينيا إن لم يفعلوا – ما يميزه هو حقيقة أنه ألقي القبض عليه.

10. الرجال يتحرشون جنسيا بالنساء لأنهم غير متحيزين جنسيا

إحدى النتائج المؤسفة لتزايد عدد النساء المنضمات إلى القوى العملة وعملهن جنبا لجنب مع الرجال، هي تزايد عدد حالات التحرش الجنسي. لماذا يجب أن يكون التحرش الجنسي نتيجة ضرورية للتكامل الجنسي في مكان العمل؟

يحدد النفساني كنغسلي ر. براون نوعين من حالات التحرش الجنسي: المعاوضة (“يجب أن تنامي معي إذا كنت تريدين الإبقاء على عملك أو الترقية”) و “البيئة المعادية” (مكان العمل يعدّ أيضا من أجل الاستغلال الجنسي ليشعر العاملون بالأمان والراحة). في حين أن النسويات وعلماء الاجتماع يميلون إلى تفسير التحرش الجنسي من خلال “السلطة الأبوية” وغيرها من الأيديولوجيات، يحدد براون الهدف النهائي لكلا نوعي التحرش الجنسي عن طريق الفروق بين الجنسين في خطط التزاوج.

تثبت الدراسات بشكل قاطع أن الرجال أكثر اهتماما في الجنس العارض قصير الأمد من النساء. في دراسة تعد الآن كلاسيّة، 75 في المئة من الرجال الجامعيين الذين اقتربت منهم أنثى غريبة جذابة وافقوا على ممارسة الجنس معها؛ وأي من النساء اللاتي اقترب منهن رجل غريب جذاب لم توافق. وكثير من الرجال الذين لم يواعدوا تلك الغريبة وافقوا مع ذلك على ممارسة الجنس معها.

إن صنف المعاوضة في التحرش هو مظهر لرغبة الرجال الأكبر في الجنس العارض قصير الأمد، واستعدادهم لاستخدام أي وسيلة متاحة لتحقيق هذا الهدف. غالبا ما تدعي النسويات أن التحرش الجنسي هو “ليس حول الجنس بل حول السلطة؛ أما براون فيدعي أنه كلاهما – فالرجال يستخدمون السلطة ليحصلوا على الجنس. ويضيف “القول أنه فقط حول السلطة لا معنى له أكثر من القول أن السطو على مصرف هو فقط لأجل البنادق، وليس لأجل المال”.

أما حالات التحرش الجنسي من نوع “البيئة المعادية” فتنتج عن الاختلافات الجنسية بين ما يعتبره الرجال والنساء سلوكا “جنسيا مبالغا” أو “معاديا”. وكثير من النساء يشتكين قانونيا من أنهن قد تعرضن للإساءة، الترهيب، والمعاملة المهينة من قبل زملائهن الذكور. يشير براون إلى أنه قبل وقت طويل من دخول النساء في القوى العاملة، كان الرجال يعرّضون بعضهم بعضا لمثل هذه المعاملة السيئة، الترهيب، والإهانة.

إن إساءة المعاملة، التخويف، والتحقير هي جزء من ذخيرة كل الرجال من الأساليب المستخدمة في المواقف التنافسية. بعبارة أخرى، فإن الرجال لا يعاملون النساء بطريقة مختلفة عن الرجال – وهو تعريف التمييز، الذي يقع ضمنه التحرش الجنسي قانونياً – بل على العكس: الرجال يضايقون النساء تحديداً لأنهم لا يميزون بين الرجل والمرأة.