قبل فترة من الزمن، وصلني بريد إلكتروني من مساعدة محرر مجلة ديستني (مجلة جنوب إفريقية للنساء) تطلب فيه مساعدتي في إيجاد معلومات حول نساء ليبيات ناجحات على شبكة الإنترنت. ولم أتعجب أنها وجدت معلومات قليلة عن الموضوع إذ أن المعلومات الموجودة حول النساء الليبيات لا تطابق محك “النجاح”. تم مؤخرا إدراج ابتسام بن عامر في المرتبة 28 في قائمة مجلة فوربز بين نساء الأعمال العربيات الأكثر نفوذا، ووفقا لمعظم المعايير تعتبر ابتسام من بين النساء الناجحات، ولكن في معظم الأحيان، يتم تمثيل المرأة الليبية النموذجية بالدلائل المألوفة بالتخلف والاضطهاد، كما في هذه الصورة التي وردت في مجلة سويسرية لامرأة بلباس الفراشية “التقليدي”.

وكما قال برجر، الصور دائما أكثر بكثير من مجرد سجلات ميكانيكية. فهي شهادة على خيار فريد يتم اتخاذه، وهذه الصورة غير استثنائية. فالمرأة التي تسير باتجاه الكاميرا تغطي معظم وجهها وتبدو قلقة وكأنها تهرب من شيء يلاحقها، يفصلها حاجز من الظل عن بقية الناس. تعمل زاوية الصورة على فرض أكثر ما يمكن من الغموض والخطر. وعلى نحو بين، لن تكن أي صورة مكتملة من غير التذكير بأن هذه دولة من دول العالم الثالث، والسخرية في الموضوع هو أن الصفحات السابقة في المجلة نفسها نصحت بليبيا كمكان سياحي يجب قصده، وعلى وجه الضبط أنه خال من تجار الشوارع والمتسولين المزعجين، وهي ظاهرة منتشرة في كثير من الدول الأخرى القائمة في شمال إفريقيا. والصفحات الأخرى تجدد طمأنة القارئ بأن الأطفال في طرابلس يتمتعون بالصحة والسعادة كأي أطفال في مكان آخر.
لكن يبدو أن الإغواء لتوطيد النظرة إلى ليبيا كأرض غامضة أو خطرة لا يمكن مقاومته، وهو أمر يتم تسليط الضوء عليه في مراجع متعددة في المجلة بعبارة “رحلة إلى المجهول”. كما يبدو أن الجاذبية إلى تونس تعود تماما إلى غياب المعلومات حولها، وبعبارة نوعا ما مجازية استعمارية لأرض مؤنثة، يبدو هذا الغموض ممثلا في شكل المرأة.

طبعا تستلزم هذه الصورة وكل ما يتم نقله من خلالها تجاهل الواقع بأن النساء اللواتي يلبسن الفراشية غير منتشرات في ليبيا اليوم، وتجاهل الشعار الذي يقدم اللباس الرمزي والوضع الجسماني المفترض أن يمثله كحقيقة كافة النساء الليبيات تعبيرا وواقعا. تتصف النساء الليبيات بالرزانة الاحتشام المفرط. والصورة توفر برهان لفكرة جوهرية متصورة مقدما حول ماهية النساء الليبيات وتضيف النصيحة التالية: لا ينصح الاتصال الشديد بالعيون”.

وفي تعاكس ملحوظ، تبين الصورة التالية مجموعة من النساء في لباس أوسع انتشارا للحجاب بل في تجاور قريب من عبارة “القوة النسائية في مكتب الخطوط الجوية السويسرية في طرابلس” ويصبح المعنى المتضمن واضحا: هذه قوة نسائية “كتقليد غربي” تنالها عادة نساء ليبيات متصفات بالاحتشام المفرط والرزانة لأنهن محظوظات إلى حد كاف للعمل في مكتب سويسري.

والعقلية ذاتها تظهر في مقال للبي بي سي بقلم رنا جواد تدعي فيه “أن الحرية النسائية تنطلق في ليبيا” وتعمل على الاستشهاد بأمثلة عدة وتنهي مقالها بإخبار القارئ بالأمر المأسوف عليه “أن إدراك المجتمع لأدوار تقليدية أكثر للنساء منتشر” وأن “الصورة الدائمة في ليبيا لا تزال للنساء اللواتي قلما يختلطن بالرجال علنا ولا تزال تتقيد بلبس الحجاب”، والتشديد على عبارة “لا تزال” يسلط الضوء على المشاكل التنموية العسيرة التي تقف في سبيل التطور البطيء والتدريجي للنساء الليبيات نحو التحرر.