علي الرغم من التوجة العالمي نحو حماية وإنفاذ حقوق المرأة إلا أن النساء في دول العالم الثالث حتي الآن يعانين من التمييز لأسباب راجعة الي الثقافة والدين والعادات التقاليد المتبعة في تلك الدول ، حيث ظلت النظرة تجاه النساء لعقود طويلة نظرة دونية حصرت المرأة في أدوار محصورة في إطار القيام بالأعباء المنزلية ورعاية أفراد العائلة دون إتاحة الفرصة لهن بالتطور التعليمي والعملي تدعمهم في ذلك عادات وتقاليد أنتجتها عقليات تدعم المجتمعات الذكورية وبالتالي لم يكن المجال الذي يمكنهن من المشاركة الإيجابية والإسهام في الإنتاج علي كل المستويات الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية متاحاً بسهولة.
وجدت الحركات النسائية الداعمة لحقوق المرأة أن المشاركة السياسية من خلال آلية الإنتخاب والترشيح من أهم وأقوي الوسائل التي ستمكن المرأة من الحصول علي حقوقها من خلال المشاركة الفاعلة في صنع القرار والأخير لا يتأتي إلا من خلال المشاركة في مؤسسات الدولة من خلال إنتخاب مباشر حر ونزية وتخفيض الفجوة النوعية بين الرجال والنساء ، ويتضح لنا هذا من خلال المتابعه التاريخية للحركات النسائية العالمية ونضالها للحصول علي حق الانتخاب والترشح حيث نجد أن المرأة في البلدان المتقدمة ظلت محرومة من حق الإنتخاب والترشيح حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ، لكن التطورات السريعة التي حدثت عام 1917 أحدثت تغيرات فيما يتعلق بقضية المرأة ومطالبتها بحقها في المشاركة السياسية. حيث حصلت المرأة في ست دول على حق الإنتخاب (النمسا، نيوزلندا، النرويج، الدنمارك، فنلندا ،وأيسلندا ) وبعدها بأربع سنوات بلغ العدد 17 بلداً وفي عام 1970 بلغ العدد 121 بلداً وإستمر العدد في تصاعد و رغم هذا ظلت نسبة النساء الي الرجال في البرلمان نسبة ضعيفة جداً علي مر السنين.
وفي المنطقة العربية التي تعرضت للإحتلال الإنكليزي والفرنسي منذ 1914 فقد كانت مشاركتها في نضال شعوبها ضد الإحتلال هي باكورة نضالها الوطني ونضالها من أجل حقوقها.(1)

اما محاولة القراءة التاريخية لمسألة المطالبة بالحصة او الكوتة التخصيصية للنساء السودانيات في مجال العمل العام لاتاحة الفرصة بصورة قانونية للمشاركة السياسية يمكن ان يشار إليها منذ بداية الخمسينات حينما طلبت الحركة النسوية متمثلة في الإتحاد النسائي بحقوق المرأة السياسية المتساوية كالحق في التصويت والترشيح والذي دعمته الإحزاب السياسية تدرجاً بمنح هذا الحق تخصيصاً للمتعلمات فقط في العام 1956 ثم لكل النساء بعد ذلك في العام 1965.
إن قانون انتخابات 1953م أعطى المرأة السودانيه حق التصويت لكن بشرط أن تكون قد أكملت المرحلة الثانوية وبموجب هذا الشرط إستفادت 12 إمرأة فقط. وبعد ثورة أكتوبر 1964م حصلت المرأة على حق التصويت والترشيح إلا أنه كان محدداً ودخلت أول إمرأة البرلمان عام 1965م عبر دوائر الخريجين وهي الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم ثم بدأ بعد ذلك إزدياد عدد النساء البرلمانيات في المجالس المختلفة، ففي العام 1972 كان عددهن 14 عضوة وفي العام 1974م كن 20، وفي العام 1978 ظللن 20، وفي العام 1980 كان عددهن 20، وفي العام 1983م كان عددهن 13، وفي العام 1986م وصلت إمرأتان فقط لمقاعد الجمعية التأسيسية وهن (1) سعاد الفاتح البدوي (2) حكمات حسن سيدأحمد .
بعد صدور دستور 1998 خصصت لهن مقاعد عبر القطاعات المختلفة النسوية، الإقتصادية، الشبابية، الطلابية، والدوائر الإدارية وأثبت ذلك في قانون الإنتخابات. أما في المجلس الوطني الإنتقالي 1992 بلغ عددهن 28 إحداهن رئيسة للجنة الشئون الإجتماعية وهي الاستاذة صفية عبدالرحيم الطيب.
أما في المجلس الوطني 1996 فقد بلغ تمثيلهن 23 وفي المجلس الوطني الثالث فقد إرتفع تمثيلهن الى 35.(2)

وأخيرا تضمن قانون الانتخابات للعام 2008 مادة تتعلق بالكوتة النسائية ونجدها في المادة 33 الفقرة 2 حيث نصت المادة علي “مع مراعاة نص المادة 29(3) تكون طريقة انتخاب 40 % من أعضاء المجالس التشريعية بالتمثيل النسبي علي النحو الآتي: يدلي الناخب بصوت واحد لصالح إحدي قوائم المرأة الواردة علي بطاقة الإقتراع الخاصة بقوائم المرأة والتي تحتوي علي 25% من مجموع جملة مقاعد المجلس التشريعي المعني.(3)
يمكن تعريف الكوتا: بأنها نسبة محددة أو عدد محدد من المقاعد في هيئة منتخبة، او المرشحين على القوائم الإنتخابية، تخصص لممثلي جماعة محددة قد تعرف على أساس سياسي، أو قومي، أو عرقي، أو طائفي، أو لغوي، أو إجتماعي، أو جغرافي، أو غيرها.
لما كان للمرأة السودانية قضايا خاصة بها ولأنها أظهرت كفاءة وتميز في العطاء المجتمعي وعلي مستوي الدراسة والعمل والاسرة كان لابد من عدم اقصائها عن حقها الاصيل شرعا ودستورا في الانتخاب والترشيح وقد جاءت الكوتا كأطار قانوني لتدعيم فرص المرأة للمشاركة السياسية ، غير ان الفرصة القانونية التي تدعم المرأة لابد ان توازيها فرص اجتماعية واقتصادية نجدها متمثلة في الوجود النسائي علي مستوي المجتمع حيث تمثل المرأة نصف المجتمع من حيث التعداد كما ان لها وجوداً واضحاً في مجال العمل وانتاج الغذاء واعالة الاسر حيث تساهم النساء في دخل الاسر بنسبة 41% ، كما نجد انه في شمال السودان حوالي 70% من السكان يعيشون في المناطق الريفية التي تمثل 55% من مجموع قوة العمل غالبية قوي العمل فيها من النساء 78% اما بالنسبة للمناطق الحضرية 85% من النساء العاملات يعملن في القطاع غير الرسمي والقطاع الخاص، 8,6 % من النساء اللاتي يعملن في القطاع الرسمي في مناصب استراتيجية ووزارية واقل منها في مناصب وزارية عليا 2,4% ، (4)علي الرغم من ذلك لا تشارك المرأة في التحكم العائد الاقتصادي الناتج عن هذا العمل .
كما تعتبر مشاركة المرأة جزء من العملية التنموية الشاملة للانسان وللمجتمع حيث ان اتاحة الفرص للنساء اللاتي علي كفاءة وتأهيل كاف للمشاركة في البرلمان والمساهمة في تشريع السياسات وصنع القرار تتيح لهن الفرصة لتطوير العمل الحزبي والسياسي وتشجيعها علي خوض الانتخابات كمرشحة يعمل علي تخفيض الفجوة النوعية بين النساء والرجال من خلال المنافسة اولا و من خلال اجازة المنتخبة الي الميزانيات التي تدعم المرأة وتقلص الثقافة الذكورية السائدة .
السودان مقبل علي انتخابات مزمع قيامها في الحادي عشر من ابريل المقبل للعام 2010 تواجة فيها النساء العديد من تحديات الترشيح والانتخاب حيث ان المرأة السودانية ظلت لعقود طويلة ولا تزال تعيش في ظل مجتمع ذكوري يري المرأة انسان غير قادر علي تحمل المسؤوليات ولا يمكنة الاسهام في عملية الانتاج علي كافة المستويات ، حيث ظلت الادوار الموكلة الي النساء علي مر السنين في الغالب لا تخرج من اطار الانتاج البشري ورعاية افراد الاسرة، كما ان التمييز الذي ساد لسنين ادي الي فجوة نوعية كبيرة بين الرجال والنساء من حيث التعليم والتأهيل والتدريب.
كما نجد انة علي الرغم من أن النساء اليوم يقمن بإعالة أسرهن إلا أنهن لا يملكن الإستقلال الإقتصادي في أموالهن وحرية التصرف فيها.
كذلك من التحديات الهامة التي تواجة النساء في الانتخابات القادمة التعقيد الخاص بنظام التمثيل النسبي الذي ربما يفضي بجهل قطاع كبير من النساء بممارسة حقهن الديمقراطي بصورة سليمة الشئ الذي سيؤدي الي انتاج قيادات نسوية هشة خصوصا في دولة ترتفع فيها نسبة الامية وسط النساء .
وأخيرا نجد ان سيطرة قيادات الاحزاب علي تمثيل المراة في القوائم التي سوف تطرح علي الاغلب سوف يفرز قيادات نسوية ديكورية تهتم اكثر للمصالح المؤسسة الذكورية دون العمل علي تعزيز حقوق المرأة.
المراجع
(1) لمحات من تطور الحركة النسائية العالمية (العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر والقرن العشرين) خاتم زهدي
(2) ندوة المرأة والانتخابات ، ورقة المرأة السودانية في البرلمان، أ.مريم عبدالرحمن تكس
(3) قانون الانتخابات السودانية للعام 2008
(4) تقرير التنمية البشرية، 1999، تقرير السودان لما بعد خمسة عشر عاماً من مؤتمر القاهرة، المجلس القومي للسودان.
huda's pic.