هل ترفضون العلمانية..؟!
دعونا نعرف العلمانية بطريقة مختصرة وسهلة..
العلمانية وباختصار شديد هي: (فصل المقدس “الدين” عن الغير مقدس “السياسة”)
وذلك لأن الدين “جامد” و”ثابت” ويعود ذلك لقدسيته لأنه “مقدس” أما السياسة فهي متحركة ومتحررة وتقبل التأويل والتغيير لذلك فلا ضرر في العلمانية أن يكون نظام الدولة اشتراكي ثم ينقلب إلى رأسمالي أو العكس وهذا متاح وحدث في دول عدة أما لو لو كان النظام “ديني” وهو مقدس وحاولنا أن نغيره أو نبدله فكيف سنستطيع ذلك..؟!
عندها سنبقى في مأزق إما أن نقول أن هذا النظام “فاشل” وهنا سيتحول “المقدس” إلى شيئاً أرضي وسيضيع الدين.. أو نظل على فشل هذا النظام ونبقي عليه ونظل على فشل النظام ولا نتقدم أبداً..!!
هذا تعريفي أنا عنها، وهذا ما يجعلني أتشبث بها وأن أصرح ليلاً ونهار بعلمانيتي، ولكوني علماني، ولكون “الطبيعة” أيضاً علمانية، قررت أن أدير هذا الحوار الخيالي مع (الطبيعة) حول عدة صفات من صفات (العلمانية) ولنبدأ بالتمييز والذي تنبذه العلمانية وترفضه وتحاربه أيضاً..
لذلك كان سؤالي الأول للطبيعة عن (التمييز) وإليكم أصدقائي الإجابة في السطور التالية:
سألت الشمس..
- يا شمس هل تميزين في إرسال إشعاعاتك ما بين مسلم ومسيحي أو مسلم وبهائي أو تمنعينها عن الملحدين..؟!
غضبت الشمس كثيراً من سؤالي.. ووجدتها تبتعد عني وتسبني بألفاظ لا يستطيع القلم أن يكتبها.. وقالت:
- كيف أمنع أشعاعاتي بسبب دين..؟! أنا لا أعلم دين هذا ولا ذاك.. أنا وضعت هنا لأوزع أشعاعاتي على الناس جميعاً دون فراق.
تركت الشمس وجريت مبتعداً وهي مازالت تبصق وتشتم ولو طالتني لسحثتني بداخلها وذهبت إلى البحر وسألته:
- يا بحر هل تفرق أمواجك ما بين أنثى أو ذكر.. هل تمنع النساء من نزول مياهك المالحة.. أو تميز الذكور وتترك لهم مساحات أوسع للعوم فيها..؟!
سكت البحر.. وانحسرت أمواجه.. وانكمشت الشطوط… وكاد أن يختفي عن الوجود.. جريت نحوه واعتذرت له.. وكدت أن أقبل رماله حتى ينطق.. وبعد كثير من المحايلة أجاب بصوتٍ حزين:
- يا ولدي أنا البحر.. أجمع في باطني أسماك مختلفة الألوان والأجناس.. لم أفرق يوماً ما بين سمكة حمراء أو خضراء.. لم أفرق يوماً ما بين حوت أو سمكة صغيرة.. الجميع في باطني يعيشون دون تمييز.. ولولا أن هناك قانون الغاب لما كان هناك أحداً من السمك يأكل الآخر..كيف لي أن أميز وأنا لا أعرف معناً لهذا.. اذهب يا ولدي بعيداً ودعني أمارس عملي في هدوء.
تركته ونزلت إلي الشارع.. أثر كثيراً هذا البحر تكويني.. تركته على كل حال.. وذهبت للشارع وسألته:
- يا شارع.. هل تميز ما بين لون هذا أو ذاك..؟! هل تعطي ميزة للأبيض عن الأصفر..؟! هل تعطي صلاحيات للأسمر أن يأخذ رصيفاً في شارعك عن الأبيض..؟! أجيبني أيها الشارع ليرتاح قلبي..
الشارع ارتج غضباً.. واهتزت الأرض من تحتي.. ووجدتني غائصاً في براكين وأمواج من اللهب الحارق.. لم يحترق جسدي ولكنني رأيت المعادن جميعها تنصهر في هدوء.. والغازات جميعها تلف حولي.. وأنا.. في طريقي هذا الذي شعرت بأنه طريق الفناء.. ناديت على الشارع فلم يسمع.. صرخت للأرض فلم تجيب.. وجسدي الهش يتبخر أمامي.. أنا أتلاشى الآن والأرض العجوز وشارعها الفتي ينهيان ما تبقى لي من الحياة.. وقبل التلاشي بلحظات.. وقبل الرحيل.. صعدت أخيراً من تلك الرحلة.. وقال لي الشارع:
- يا فتى.. يا من تسأل.. أنا لن أجيبك.. ولكن اسأل أنت عناصر الأرض. اسألهم هل أميز أنا بينهم..؟! هل منعت يوماً أحد الجبال على الوقوف فوقي بحجمه الثقيل هذا..؟! هل منعت يوماً إنسياً من بناء برجاً عالياً..؟!.. أنا لا أمنع ولا أميز ولا أقدر على هذا.. أنا وجودي هنا لكي يعبر فوقي الجميع.. الأبيض.. والأسود.. والبني.. والأصفر.. كلكم أبنائي وأبناء ترابي هذا الذي يملأ جنبات الشارع.. هيا اذهب ولا تعد بأسئلتك السخيفة تلك.. اذهب عليك السلام.. يا رجل.
تركت الشارع.. ولم يمنعني من العبور فوقه.. وظلت الشمس ترسل لي إشعاعاتها.. وهناك كانت أمواج البحر تضرب صخوره في سعادة وفي هدوء.