قد يبدوا العنوان خاطئاً في معناه فالحديث عن أزمة العلمانية بمصر يحوي إتجاه فكري بينما الحديث عن الحركات يحوي إتجاة تنظيمي مما يشير لتناقض لكن الواقع المصري أكثر تعقيداً من أن يتم السير فيه بتلك الرؤية المبسطة فالعلمانية في مصر تذوب بين الحركات و الأفكار و تختلط فيها المفاهيم و ربما الأحداث بشكل لا يسمح عملياً بتلك الخطوط الفاصلة المألوفة و حتى نكون اكثر وضوحاً فإن العلمانية كخط عام ليس سياسياً فقط او إجتماعياً أو إقتصادياً بل روح عامة لا بد أن تكون حاضرة في مفصليات الدولة و المجتمع العلمانية بهذا التوصيف غائبة كليةً بشكل مؤسف او مخجل لو نظرنا لغيرنا ، التالي رؤيتي في مشكلات تواجة العلمانية حركة و فكراً بمصر..

*لماذا التعثر؟ 

بخلاف التنظيمات الاسلامية و بعض الاطروحات المنتمية إليها تعاني الحركة العلمانية بكل فئاتها (يسار-ليبراليين) من ازمات تطال شخوص أفرادها و تتعثر معه محاولات السير بها ، السؤال هو لماذا نتعثر بينما علامات النجاح حاضرة لرجل الشارع المصري في كل بقعة بالعالم الحديث سارت على هذا النهج المرتبط بعصره التارك ليس للمعتقد في حد ذاته بل لملامح العصر التي رافقت المعتقد و التي تحولت لمعتقد موازي بحيث يمكن ألا تفكر في روح النصل بل النص ثم ملابس راوي النص و حياته من اكثر من 1000 سنة -!- العلمانية تعطيك الحق في الاختيار لكنها تمنع ان تحيا عصراً لا ينتمي لك ، رأيي أن السبب في كون العلمانية نتاج فكري لأكثر من 500 سنة من التطاحن السياسي و الفكري و العسكري و الطائفي و الديني في اوروبا و المشرق انتجت فيما أظن أهم منتج و هو عقل بشري أوروبي قادر على الاستماع و البحث ثم يقتنع أو لا لتمر مائتي سنة اخرى قبل ان تظهر منتجات فكرية مرافقة للمنتج المادي المتقدم و تصدر لنا بالقرن العشرين ، كيف يمكن عملياً أن تعطي منتج إحتاج 700 سنة من التطور و التطاحن لينتج اولاً عقول قادرة على الاستماع ثم لاحقاً سمعت و انتجت تلك السلعة  الذي تريد تقديمه اليوم تقديمها لشعوب لم تتغير كثيراً عن العصر العثماني؟ .. التعثر لأنك تضع آي فون غالباً في يد أحد أفراد العصر المملوكي مفترضاً قدرته على التعامل معه !

*حركة علمانيون نموذجاً.

* حين تأسست حركة علمانيون بيد مجموعة من الشباب أبرزهم الأستاذ أحمد سامر كانت  تحاول تجنب المشكلات التي رافقت كل الحركات المشابهة السابقة و أهمها أن تبتعد عن شبهات محرمة كالتمويل مثلاً فهي تمول ذاتياً من الأعضاء و ليس حتى المشاركين دون عضوية ( قمت بمحاولة المساعدة للحركة ووجدت إعتذار هادئ فالحركة تشترط الدعم المنظم المعلن من الاعضاء وحدهم ) ثم المحرم الثاني فهي لا تعمل بالخفاء او بشكل سري بل تجاور مقر حزب الجبهة شخصياً بحيث لا يكون هناك مجال لأي تلميح بتعاون ما مع جهة ما و المحظور الثالث كان أن تكون حركة شبابية كصرعة ما تظهر و تختفي فهي و إن غلب عليها الشباب ضمت الكثيرين من المتقدمين في السن إما كأعضاء او كمشاركين نشطين و إعتمدت مرجعيات أهمها د.مراد وهبة كمثال ، لذا نجحت الحركة في مرحلة التأسيس و البداية في تجنب محرمات و البعد عن شبهات.

* حركة علمانيون تدرك أنه عملياً لا يمكن لحزب أن يكون علماني فقط فهناك إتجاه إقتصادي حتمي و هذا امر تجنبته الحركة فلم تتحول لحزب بل ظلت بحالتها كحركة معلنة ظاهرة تجمع اليسار و الليبراليين معاً في إطار ليس سياسي إنتخابي بل تنويري بالدرجة الأولى و لعلي أقتبس جملة هامة للأستاذ أحمد سامر و هو يقول ( دعونا لا نبتعد عن الواقع فالتعددية و التنوع حتميين لكن ليس التنوع الغير مبني على رؤية علمانية فانا كمؤمن بالرأسمالية و هذا كإشتراكي نستطيع أن نختلف و نتنوع فكرياً ، لكن الغير معقول أن تختفي قاعدة التنوع اولاً و ان يكون التنوع برقابة دينية و أن نختلف بأسس دينية غير معاصرة كما نرى بالبرلمان اليوم من خرافات و رؤى منفصلة عن العصر )  و هنا تجنبت الحركة فخ التحول لحزب أو لشبه حزب بأيدولوجية محددة بل إعتمدت فكرة ان نتجمع كعلمانيين في مواجهة أصولية و داخل هذا التنوع من الطبيعي أن نختلف فالحركة لا تسعى لحكم او إدارة لتصوغ مفهوم موحد للكل.

* بكل أسف فإن التنسيق شبة معدوم بين الأحزاب المختلفة -بإستثناءات محدودة- و بين الحركة مما يقلل فرص تأثيرها المباشر بالشارع و ربما يكون الأمر مفهوم في إطار هرب الاحزاب كالدستور لصاحبه البرادعي أو التيار الشعبي لمالكه السيد حمدين صباحي من كلمة علمانية في مثال واضح للفرق بين الحركة كحركة تنويرية لا تهتم بإنتخابات و بين احزاب تنافق عقلها تارة و الشارع تارة بالهروب من كلمة علمانية و يمكن القول أن أقل الحركات إهتماماً من قبل الأحزاب هي حركة علمانيون على الرغم من كفاءة واضحة و تأثير متصاعد مستمر لها بسبب الإسم فالاخوة بالاحزاب يرفعون شعار أيمن نور الشهير ( لسنا علمانيون بل ليبراليون ) في نكتة حقيقية تجعلك تضرب كفاً بكف فإما لا يفقهون معنى علمانية و إما يكذبون كذباً مبكياً.

* بالنظر لكيفية إدارة  حركة علمانيون و نشاطها فإن الحركة أكثر من أي تنظيم حزبي أو غير حزبي رأيته إهتماماً بالبعد عن الشخصنة في الادارة و تنظيم الحوار ، مؤسس الحركة يجلس دوماً بالخلف يترك الحديث للحضور و يكتفي بالتنظيم و التخطيط يشاركه في هذا الأعضاء المنتسبون للحركة ، إننا هنا نرى نموذج أفضل ألف مرة من نماذج الفردية المطلقة (مؤخراً طالعنا حزب معارض يرفع شعار التحالف مع السلطة -!- و يضع صورة مؤسسة المجاهد بو الفتوح الليبرالي الاشتراكي الاسلامي في تلخيص صريح لطبيعة الحزب و إدارته المستوحاة من تنظيم الاخوان المسلمين ) فالحركة تستضيف أعضاء ليسوا منها كضيوف متحدثين و تستقبل أي راغب بالحضور و تتيح المناقشة العامة دون تحكم مركزي من أحد على الاطلاق  بمن فيه مؤسس الحركة.

* تهتم حركة علمانيون بالتثقيف الذاتي بحيث تناقش دورياً مؤلفات حديثة في التنوير توزع نسخ مجانية منها ( جزء أساسي من الأعباء التي ينفق عليها رأس المال القليل ) و تناقش بين الحضور لإبن رشد و إيمانويل كانت و د.مراد وهبة و غيرهم ، هنا ربما تخطو الحركة بهدوء لمربع التساؤلات حول أيهما أهم التنوير السياسي بالدعوة السلبية ضد الاصوليين و مبادئ معينة كالمواطنة أم الاهم التنوير العقلي المنفصل عن المسألة السياسية ، في إعتقادي أن الحركة ربما تحاول بقدر ما تستطيع عبر مواردها المحدودة السير على الطريقين علماً بأن المعضلة تدور في حلقة فارغة فحتى تذهب مثلا لرجل الشارع و تطلب منه رفض الدستور عليك اقناعه بانه ضد المواطنة و هنا على رجل الشارع أن يكون مستنيرا ليفهم أبعاد المواطنة التي تصطدم حتماً بأسس دينية لديه كعدم رئاسة غير المسلم كمثال فلا بد من وجود تنوير لكي يتوافق مع الدعوة السياسية لكن لا يمكن التفرغ للدعوة التنويرية الفكرية بدون تنوير سياسي و إلا ضاع كل شئ و هكذا تدور الحلقة ، الحركة هنا ربما تحاول التوفيق جيداً بين الخطين و إن كانت حقائق الواقع تشير إلى إستحالة إقناع رجل الشارع بهذه السهولة.

التحدي الواقع للعلمانية و الحركة نموذجاً.

-١- رجل الشارع يحيا في العصر المملوكي فكراً و تقوده هواجس  و اوهام عدة و على الرغم من صدمته مؤخراً في التيار الاصولي فإن ترجمة الصدمة لأصوات إنتخابية تسلك طريق الاحزاب الجديدة المترض علمانيتها امر غير مؤكد بحكم الدعاية السلبية و نشر المخاوف و الربط بين العلمانية و كل ما يكرهه المواطن و نموذج إستفتاء 2011 الكارثي واضح و نموذج إنتخاب الأخ الخطيب محمد مرسي حاضر معنا.

-٢- سبق الاشارة لمعضلة العلمانية كمنتج  يراد ترويجه بين عقول غير مستعدة و في ظني أن هذه المشكلة هي الخطر الحقيقي فالعقل المصري مجهد بالحياة اليومية أكثر من أي شئ و المتبقي له يمنحه للراحة و ليس مستعد بدون كارثة كبيرة لأن يقبل التغيير السريع.

-٣- القدرات المالية المحدود للحركات العلمانية و حركة علمانيون نموذجاً تعد نقطة ضعف كبيرة بخلاف إستحالة خوض الحركة أسلوب الزيت و السكر الذي يخوضه الكل اصوليون و دستوريون و حتى التيار الشعبي  فالحركة تنويرية محترمة تسعى للعقل و الاقناع و التصدى للأصولية و ليس من الممكن بسهولة مواجهة حرب المعونات الغذائية التي يخوضها الاسلاميون.

-٤- الادارة الحالية لمصر معادية للعلمانية و حركاتها و تعمل بكل طاقتها لإعتبار العلمانية و العلمانيون سبب كل المشكلات فهم سبب تعطل الدستور و الاضطرابات و المظاهرات و هم سبب كل خراب و هم يعطلون عجلة الانتاج -ههههههههه- و هم يريدون نشر الفجور الخ الخ الخ.

-٥- رجل الشارع لديه وهم مرتبط بكلمات الاشتراكية و العلمانية و الليبرالية فيراها دعوة لحفل جنسي صاخب و لا أعرف بالتحديد هل السبب الدعاية الاصولية فقط ام ماذا فهذه النقطة تعد خط دفاعي اول حاضر مستمر ضد أي حركة أو فكر علماني.

-٦- الحركة تعتمد ككل التنظيمات العلمانية المساواة بين الرجل و المرأة بالفرص و العمل الميداني و هذه في حد ذاتها فقطة ضعف فالانثى يتم التحرش بها بدون أي سبب فما بالنا بأنثى -غالبا غير محجبة- و تقول انا علمانية؟ .. العمل الميداني للإناث بقدر منطقيته بقدر ما هو مشكلة مضافة بحكم عقلية رجل الشارع الذي يتحرش بالمنتقبات امام الكاميرات بخلاف استخدامه من الأصوليين للهجوم و إستثارة الجانب شديد التخلف الموجود لدى رجل الشارع.

..
كانت هذه رؤيتي حول المشكلات  التي تحاصر العلمانية كفكر و كحركات تترجمها لحقيقة سواء حزبية -إن وجدت طبعاً- أو في نموذج حركة علمانيون التي أعدها إحدى اهم الحركات العلمانية اليوم في مصر و التي بتجنب ما أراه من وجهة نظري عوامل تعطيل او مشكلات داخلية ستصير مكان للتنوير مؤهل بمرور الوقت للتأثير السياسي الحقيقي..