“المجتمع الذي فيه تحرش مجتمع همجي ويجب أن تكون العقوبة على قدر الجريمة” هذه التويتة التي أطلقها الدكتور محمد البرادعي فقامت عليها الدنيا ولم تقعد ورد عليه من كل صنف وكل وشكل يزايدون عليه في انتمائه لوطنه وحبه لمجتمعه .. وهو الذي هدد حياته وناطح الطاغوت في عز مجده حبا لبلاده وعشقا لمجتمعه .. ولن أتحدث عن ما يثبت حب البرادعي لمجتمعه ووطنه لأنه لا يوجد ما يدل على عكس ذلك على الإطلاق ..

ولكنني سأتحدث عما أراد هو أن يشير إليه سأستخدم بديهيات المنطق وقواعد التفكير البدائية في فهم الجمل والمقدمات فعلى ما يبدو أننا يجب أن نتعامل مع كثير من الناس من هذا المنطلق وهو أن نشرح لهم البديهيات التي لا تحتاج في أصلها لبرهان .. ولكن لا بأس ..

“المجتمع الذي فيه تحرش مجتمع همجي ويجب أن تكون العقوبة على قدر الجريمة” بغض النظر عن الجملة ومن قائلها وإذا نحينا جانبا بشكل مؤقت أنها تتحدث عن مصر ، هل هذه الجملة صحيحة أم خاطئة في ذاتها؟؟ يعني إذا اعتبرناها خاطئة فمن البديهي أن يكون عكسها هو الصحيح فيصبح المجتمع الذي فيه تحرش مجتمع حضاري مثلا؟؟ أو مثلا على العقوبة أن تكون أقل أو أكثر من الجريمة، فهل هذا هو الصواب؟ ..

منطقيا حين نقول أن التحرش فعل همجي ، ثم نقول أن هناك مجتمع فيه تحرش ويتقبله ويتعايش معه ويبرره ، فتكون النتيجة بالقطع إذا هذا المجتمع همجي .. أيا كان هذا المجتمع سواء هو مصر أو أمريكا أو بلاد الواق الواق ..

المجتمع الذي فيه تحرش ويتعامل أصحابه وجماهيره وقياداته الروحية مع الأمر بالمبررات التي تجعلك تتعاطف مع المتحرش وتلوم الضحية بالتأكيد هو مجتمع أقرب للهمجية منه إلى الحضارة.. حينما تكون العقوبة هي مجرد سب المتحرش أو دفعه ثم النظر للمتحرش بها نظرة لوم بعيون تقول لها “وانتي إيه اللي منزلك من بيتك؟” فهي بكل تأكيد عقوبة ليست بقدر الجريمة بل هي عقوبة همجية ولا تمت للتحضر بصلة .. حينما أكتب مقالا كهذا اشرح فيه بديهية عقلية وهي أن المجتمع الذي فيه تحرش همجي وأحتاج لسطور لكي أبرهن على صحة هذه الجملة فهذه إشارة واضحة لما يعانيه مجتمعنا..

ولكن علي أن أعرف أن هذه الانتقادات وما أثير من نقاش حول ما نشاهده من همجية في التعامل مع بناتنا ونسائنا في شوارع بلادنا جعلتني أدرك حقيقة هامة وهي أن حل المشكلة من جذورها لن يأتي أبدا عبر القانون والحزم .. وان كان مطلوبا قطعا .. ولكنني أدركت أن الخلل يكمن في القيادة الفكرية والروحية للمجتمع التي لها القدرة على التأثير في توجهات الناس وتفكيرهم فتدفعهم دفعا إلى ما تريد.

 وطالما هذه الشريحة التي من المفترض أن تكون مربية للعقول والقلوب هي ذاتها متحرشة وهي ذاتها تهوى التحرش فلن أنتظر أبدا مجتمعا على عكس ذلك.. “بالمنطق أيضا”.. فهي تارة تتحرش بالفنانات وتوزع صورهم العارية على الشباب في الميادين في منظر يدمي قلب المؤمن .. وتارة تتحرش بالألفاظ فتسمع مجتمعنا وأبنائنا وبناتنا ألفاظا كتلك التي يسمعونها من أرباب الجرائم والمدمنين .. وتارة تسخر من فتاة تمت تعريتها عنوة وضربت بقدم في صدرها في ميدان عام “وهي إيه اللي وداها هناك؟” .. بل بلغ الأمر ببعضهم كبرا وعزة بالإثم أن يحاول بالبحث بين السطور ووسط الروايات عما يثبت أن تحرشه هذا من الدين وأن الدين أمره بالألفاظ النابية مع المخالفين .. فتارة يستشهد بهذه الرواية وتارة يستدل بهذا الحديث كبرا وغرورا أن يعترف بخطئه فيحاول إثبات أن فعله من أصل الدين ليقنع “المجتمع” بأنه مازال هو القيادة الروحية التي تربي القلب والعقل وأن دينك أيها “المجتمع” لا يرى غضاضة بالتحرش اللفظي واهانة الآخرين ..

يا أهل اللغة .. ويا أهل المنطق بأي وصف من الممكن أن يوصف مجتمع هكذا قياداته الروحية؟؟ وهل من لوم على شباب مراهق خرج يتحرش بفتيات مراهقات في زحام العيد وهذه هي قياداته الروحية التي كان من المفترض أن تزكي نفسه وترتقي بقلبه فتعلمه عفة اللسان ونقاء القلب والإحساس بوجود الله في حياته ووسط الناس، هل هذه القيادات ارتقت بتابعيها وبأنفسها قبل تابعيها فوصلت للإحساس بعظمة الخالق التي تتجلى في مخلوقاته؟؟ وأن احترام كافة المخلوقات وعشقها  هو من أصل عشق الخالق؟؟ اشك أنهم يفهمون كلامي هذا من الأساس .. فهم انشغلوا بغير ما هو مطلوب منهم الانشغال به .. انشغلوا بهواهم وعصبيتهم وحبهم للدنيا وزيف قلوبهم فخرج هذا المجتمع الذي تحدث عنه الدكتور البرادعي ..

إن وصف الواقع من أجل إلقاء الضوء على سلبيات المجتمع لم يكون في يوم الأيام أبدا اهانة للمجتمع أو قصدا للتقليل من شأنه .. ليس المقصود من هذا المقال الدفاع عن شخص الدكتور البرادعي وإنما كل ما في الأمر الدفاع عن التفكير السليم وترسيخ فكرة أن نقد السلبيات أهم بكثير من إلقاء الضوء على الإيجابيات .. حينما نسمع أشخاص يرفضون هكذا جملة ويتهمون صاحبها بإهانة المجتمع ولا يرون في جملة أن المجتمع كافر أو غير مسلم إشكال .. فعلينا جميعا أن ندق ناقوس الخطر.. فهناك خلل جسيم في التفكير ..